الصين ... بريق النموذج الجديد في مواجهة أميركا

 

 

جيمس مان

 

 

على رغم أن حرب العراق لم تنتهِ بعد، فإن هناك شيئاً واضحاً، وهو أن الصين هي التي كسبت من تلك الحرب.

ففي الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تنزف فيه من شعبيتها ونفوذها حول العالم، كانت الصين تكسب الاثنين. ويرجع هذا إلى حد كبير إلى أنها تكسب اعترافاً عالمياً في الوقت الراهن بأنها أول بديل حقيقي في عصر ما بعد الحرب الباردة للنموذج الأميركي القائم على الأسواق الحرة والديمقراطية. وفي الوقت الذي تلطخ فيه النموذج الأميركي، فإن النموذج الصيني اكتسب بريقاً متجدداً.

فالصين في الوقت الراهن تنحو بشكل متزايد لأن تكون نموذجاً يُحتذى في نظر العديد من الطغاة الذين يريدون إحكام قبضتهم على السلطة في جميع أنحاء العالم. فبكين أظهرت لمثل هؤلاء الطغاة أنهم لم يعودوا مضطرين للمفاضلة بين السلطة والربح، حيث يمكنهم أن ينالوا الاثنين معاً، وأن النظام الديكتاتوري يمكن أن يقمع المعارضة المنظمة ضده، دونما حاجة إلى تأسيس شرعيته عبر صناديق الاقتراع، وأنه بمقدور الحزب الحاكم أن يحافظ على قدر كبير من الرقابة على المعلومات وعلى الإنترنت، دون أن يؤدي ذلك إلى إبطاء سرعة النمو الاقتصادي، وأنه بمقدوره أيضاً شراء النخبة، وإغراؤها بالشقق الفاخرة، وإتاحة الفرص أمامها لتكوين الثروات، وتحقيق التقدم في مجال الحريات الشخصية، غير السياسية (ارتداء ما يشاءون من ملابس، والتمتع بوسائل الترفيه، والسفر إلى الخارج).

كل هذا يُضاف إلى التحدي الجديد الذي تطرحه الصين أمام مستقبل الديمقراطية الليبرالية، والذي يحمل في طياته عواقب وخيمة لقضية حرية الاختلاف في جميع أنحاء العالم. فالنموذج الصيني القائم على سيطرة الحزب الواحد، يقدم أملاً متجدداً ليس فقط لتلك الديكتاتوريات المعزولة إلى حد كبير في بلاد مثل بورما، وزيمبابوي، وكوريا الشمالية، ولكن أيضاً لبعض أصدقاء أميركا الرئيسين الذين يقاومون النداءات الداعية للحرية (في مصر وباكستان على سبيل المثال) فضلاً عن جيراننا في كوبا وفنزويلا.

والنموذج الصيني نشأ عن التقاء تطورين مستقلين خلال العقد الأخير. وكل تطور من التطورين قائم بذاته، ولكن التفاعل بين الاثنين أنتج أبخرة سامة أضرت بالديمقراطية أيما ضرر.

التطور الأول يتمثل في فشل السياسة الخارجية الأميركية القائمة على الإيمان بأهمية القوة العسكرية، والربط بينها وبين نشر الديمقراطية، وهو نهج لم يفشل فقط، وإنما قوض الدعم الذي يفترض تقديمه للديمقراطية، كما لم يتمكن من تحقيق الأمن -ناهيك عن الرخاء- في العراق، كما أدى كذلك إلى تآكل جاذبية الولايات المتحدة ونفوذها في مختلف أنحاء العالم.

أما التطور الثاني الرئيسي فقد تمثل في مقدرة الحزب الشيوعي الصيني على البقاء في سدة السلطة على الرغم من فتح السوق الصيني والنجاح الاقتصادي الذي حققه، مع أن كافة الخبراء السياسيين قد تنبأوا عقب أحداث ميدان "تيان آن مين" بأن النظام الصيني سيسقط إذا لم يتبنَّ حركة إصلاح سياسي واسعة النطاق، وأن تبنيه لتلك الحركة الإصلاحية سيؤدي إلى تخفيف قبضته على السلطة. وهذه النبوءة لم تتحقق حيث أقدم النظام على الالتفاف على هذه الحتمية، من خلال إقدامه على حركة إصلاح اقتصادي، أدت إلى نمو الاقتصاد الصيني تسع مرات دون أن يفقد سيطرته على السلطة.

لم يؤد التحول الاقتصادي إذن إلى زوال نظام الحزب الواحد، وتحرك الصين نحو الحرية والديمقراطية، كما تنبأ بذلك بيل كلينتون عام 1997 عندما قال"إن الصين تقف على الجانب الخطأ في التاريخ، وإن نظام الحزب الوحيد سينهار مثلما انهار حائط برلين" وكما تنبأ بوش عندما كرر أكثر من مرة مقولة "علينا أن نتاجر بحرية مع الصين فالوقت يقف بجانبنا".. يقصد أنه سيأتي وقت تجد فيه الصين نفسها مضطرة إلى التخلي عن نظام الحزب الواحد، والتوجه إلى الديمقراطية، وهو ما عبر عنه "توني بلير" بشيء مشابه، عندما تحدث عن "زخم التحرك الصيني الذي لا يمكن إيقافه" نحو الديمقراطية.

وقد اعتمد الخبراء الغربيون في تنبؤاتهم على حقيقة أنه بمجرد أن تصبح الدولة أكثر رخاء، فإن الطبقة الوسطى فيها تضغط على طبقتها السياسية مطالبة بالتغير الديمقراطي. وهذا لم يحدث في الصين لأسباب عدة، منها أن الطبقة الوسطى في الصين لا تشكل سوى شريحة صغيرة للغاية من إجمالي تعداد السكان، وأنها لم تضغط على طبقتها السياسية، وإنما مالت إلى التماشي معها (مع الحزب) على أساس أنه هو الذي كان له الفضل في خلقها من الأساس. ولا يقتصر الأمر على هذا بل إن تلك الطبقة ربطت نفسها ببنى السلطة والنفوذ في الصين من خلال العلاقات المالية والارتباطات العائلية.

وإذا ما تناولنا الأمر من ناحية مصطلحات علم الاقتصاد، فإنه يمكننا القول بأن الصين لا تنطبق عليها الشروط المعيارية لنظام الأسواق الحرة. فلسنوات طويلة دأبت أجهزة الإعلام الأميركية بأنواعها على الادعاء بأن الصين "تتحول إلى النظام الرأسمالي"، وأنها قد "أصبحت مثلنا" في حين أن نموذج النمو الاقتصادي الصيني المتسارع يختلف اختلافاً بيناً عن النموذج الأميركي، وهي حقيقة لم تغب عن الدول الأخرى. فعلى رغم أن الصين لديها شركات ومؤسسات خاصة، ولديها بورصة، فإن الحقيقة هي أن جزءاً صغيراً من أسهم تلك الشركات والمؤسسات هو الذي يتم تداوله، أما باقي تلك الأسهم، فيتم الاحتفاظ به بواسطة المشروعات التابعة لسيطرة الدولة. علاوة على ذلك نجد أن مسؤولي الحزب يسيطرون في معظم الأحيان، على غالبية المقاعد في مجالس إدارات تلك الشركات. أما حينما يتعلق الأمر بالاستثمارات الأجنبية، فإنه يمكن القول إن الصين قد نجحت في استقطاب غالبية الاستثمارات العالمية إلى درجة دفعت مجلة "دير شبيجل" الألمانية إلى التساؤل:"هل ما نراه يمثل نجاحاً للشيوعية على الرغم من كل شيء؟".

الصين تمثل حالة فريدة بسبب حجمها الهائل، وجاذبية أسواقها الضخمة، وتطلع الأنظمة القمعية في مختلف أنحاء العالم إليها، علاوة على قيامها بمساندة ودعم عدد منها خلال السنوات الأخيرة.

والسؤال الذي يواجهنا في هذا السياق هو: كيف يمكن للقادة الأميركيين قلب هذا الاتجاه؟ التغير الأكثر أهمية في نظري هو تغيير على نطاق المفاهيم، إذ يجب علينا عند نشوء أي خلاف مع الصين بصدد أي مسألة، أن نتجاوز تلك الأسئلة التي نوجهها لأنفسنا في مثل هذه المواقف عادة من قبيل "هل نشتبك بها؟ أم نعمل على عزلها؟". فمثل هذه الكلمات ذات الحمولات الثقيلة تضعنا أمام خيارات زائفة، فضلاً عن أنها لا تحمل الكثير من المعنى، لأن الصين باعتبارها أكبر ثالث دولة نتاجر معها، لابد أننا مشتبكون معها بالفعل.

يتعين علينا أيضاً تجاوز التصور القائل بأن تجارتنا وتفاعلنا واستثماراتنا مع الصين ستؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير نظامها السياسي، ويجب علينا بدلاً من ذلك أن نصمم علاقتنا مع تلك الدولة على ما هي عليه الآن بالفعل، وليس بناء على افتراضنا المغلوط بأن الرخاء الاقتصادي والليبرالية يرتبطان معاً برباط وثيق وأنهما يجب أن يمضيا جنباً إلى جنب..

*مؤلف مقيم في مدرسة "بول.إتش. نيتزي" للدراسات الدولية المتقدمة بجامعة "جون هوبكنز" ومؤلف كتاب: الوهم الصيني

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست" -21-5-2007