قانون نفط العراق... "أزمة صامتة" بين بغداد وواشنطن

 

 

جيل راسال سادوك

 

يكمن السبب الرئيس وراء حاجة العراق إلى قانون جديد للنفط، كما صرح بذلك الرئيس الأميركي جورج بوش في "اقتسام عائدات النفط بين جميع مواطني العراق" -السُّنة والشيعة والأكراد- والسعي إلى توحيد البلاد. وهو الهدف الذي يحظى بتأييد واسع من قبل الكونجرس الأميركي و"مجموعة دراسة العراق" التي أكدت في تقريرها الصادر عام 2006 الحاجة الملحة إلى إقرار قانون للنفط "لإقامة إطار مالي وقانوني يستقطب الاستثمارات" في مجال الصناعة النفطية. لكن بوضع مسودة القانون في سياق معايير إحراز تقدم في العراق، بدأ يتكاثر الجدل حوله في كل من واشنطن وبغداد. وإلى غاية الآن ينصب إحباط الكونجرس الأميركي حول ما يعتبر تباطؤاً عراقياً لإقرار قانون النفط الذي ساهم المستشارون الأميركيون في صياغته. لكن النقاش بدأ يمتد إلى فحوى مشروع القانون نفسه وما ينص عليه من بنود، خاصة ما إذا كان الهدف النهائي منه هو ضمان استفادة الشركات الدولية من استغلال حقول النفط العراقية الغنية. وباستعداد المشرعين الأميركيين، في مجلسي النواب والشيوخ، لصياغة قانون جديد يربط تمويل الحرب بتحقيق تقدم ملموس في العراق، بدأ القانون المقترح حول النفط يخضع للفحص والمناقشة.

وفي هذا السياق يقول النائب الجمهوري "جو سيستاك" ومستشار الدفاع السابق في إدارة الرئيس بيل كلينتون؛ إن "هناك تقارير تأتي من العراق، رغم صعوبة تأكيدها، تشير إلى إعطاء أفضلية غير عادلة لشركاتنا، كجزء من قانون النفط الجديد، وإذا صح ذلك فإنه أمر غير لائق"، مضيفاً القول "إن الهدف من وضع معايير لإحراز التقدم هو الدفع بمجمل العملية إلى الأمام، لكننا نحتاج إلى معايير تخدم العراقيين والأميركيين معاً، تخدم ليس فقط الاقتصاد، بل أيضاً المثل التي نؤمن بها". ولعل ما يؤجج المقاومة ضد إدراج قانون النفط ضمن معايير إحراز التقدم في العراق، والتي يصر عليها الكونجرس الأميركي، هو ما تشير إليه التقارير الإخبارية من أن مشروع القانون لا يركز على مسألة تقاسم الثروة النفطية بين العراقيين بقدر ما يهتم باستحداث إطار للاستثمارات قد لا يكون في صالح العراق على المدى الطويل. لكن في المقابل تحتاج صناعة النفط العراقية فعلاً إلى استثمارات جديدة، وهو ما لن يحصل دون إطار قانوني يضمن احترام الحكومات العراقية المقبلة للعقود الموقعة مع الشركات.

وهكذا وجه في الأسبوع الماضي النائب "الجمهوري" والمرشح الرئاسي "دينيس كوسينيتش" الذي يقود المعارضة ضد مسودة قانون النفط، رسالة إلى زملائه "الديمقراطيين" يعبر فيها عن رفضه للمسودة. وفي يوم الخميس الماضي ناشدت مجموعة من المنظمات التي تراقب شركات النفط، فضلاً عن نشطاء السلام، رئيسة مجلس النواب "نانسي بيلوسي" والسيناتور الديمقراطي "هاري ريد" لإسقاط قانون النفط المقترح من قائمة معايير التقدم التي يتشبث بها الكونجرس. "ستيف كريتزمان"، المدير التنفيذي لإحدى المنظمات التي تراقب أنشطة شركات النفط، وأحد الذين شاركوا في توجيه الرسالة إلى الكونجرس، يقول: "إذا ما ظهر الديمقراطيون وكأنهم يطالبون بالانسحاب من العراق فقط بعد التوقيع على قانون النفط، فإن ذلك سيثير مزيداً من الشكوك". وقد عبر عن ذات الموقف "حسن جمعة عواد"، رئيس الفيدرالية العراقية لاتحادات النفط في رسالة مفتوحة وجهها الأسبوع الماضي إلى "الديمقراطيين" في الكونجرس يحثهم فيها على "عدم ربط انسحاب القوات من العراق بقانون النفط، لاسيما أن الولايات المتحدة زعمت أنها جاءت لتحرير العراق وليس للسيطرة على مقدراته". لكن بالنسبة لأغلب المشرعين الأميركيين يعبر التأخر في إقرار قانون النفط عن عجز القادة العراقيين عن اتخاذ القرارات السياسية الحازمة بشأن مستقبل البلاد، مثل كيفية توزيع الثورة النفطية بين العراقيين. وقد أشار إلى ذلك رئيس الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ "هاري ريد" عبر تصريح أدلى به خلال نقاش حول الحرب في العراق قال فيه: "مازالت الحكومة العراقية تتخبط في أزمتها بدون قانون للنفط".

ومن جانبهم يرى المشرعون العراقيون في بغداد، أن موضوع النفط ينطوي على تعقيدات هائلة ومن غير المناسب الاستعجال بشأنه، كما يتعين التعامل معه كآخر قضية يتعين حلها وليس باعتباره القضية الأولى. والأكثر من ذلك، ينوه العراقيون إلى أن مقترح قانون النفط الجديد لا يعالج القضايا التي يعتقد المشرعون الأميركيون أنه جاء لحلها. وفي هذا الصدد صرح وزير النفط العراقي السابق "عصام الجلبي" في مقابلة تلفونية أجريت معه من عمان قائلاً "إن مسودة القانون الحالي لا تمت بصلة إلى مسألة اقتسام عائدات النفط". فالهدف من القانون، على حد قوله، هو إقامة إطار ملائم لاستثمار الشركات الأجنبية في القطاع النفطي العراقي بالاعتماد على اتفاقيات تقاسم الإنتاج التي يُلجأ إليها عادة لمكافأة الشركات المستعدة للمجازفة والاستثمار. ويضيف وزير النفط العراقي السابق "نحن نعرف أن النفط موجود في العراق، حيث أثبتت دراسات جيولوجية عديدة أجريت على تلك الحقول وجود النفط بكميات كبيرة، فلماذا إذن نسمح للشركات الأجنبية بالحصول على حصة من النفط؟ حينها سيقول العراقيون بأن هذا القانون هو دليل قاطع على أن الهدف من شن الحرب كان النفط من البداية".

وكانت الحكومة العراقية قد وافقت على مشروع قانون النفط الجديد في 26 فبراير الماضي، حيث كان يُفترض أن يتسلمه البرلمان في 15 مارس المنصرم، مرفقاً بأربعة ملاحق تضم مسودتي العقود وقانون اقتسام عائدات النفط. ورغم أن بوش كان يتطلع إلى أن يتم إقرار مشروع القانون من قبل البرلمان مع نهاية شهر مايو، إلا أنه وإلى غاية الأسبوع الحالي مازال مشروع القانون في أدراج الحكومة ولم يصل بعد إلى البرلمان. ويتساءل في هذا الإطار "محمد الدايني" ممثل الجبهة العراقية للحوار الوطني السُّنية في البرلمان؛ "لماذا تصر الولايات المتحدة على التدخل في هذا القانون بينما تتحدث عن السيادة العراقية". ولشرح هذا الموقف، ذهب "الدايني" إلى واشنطن في محاولة لإقناع الكونجرس بوقف مشروع القانون، موضحاً أنه "حتى لو تم تمرير هذا القانون، وهو ما أشك فيه، فسيبقى مجرد حبر على ورق ولن يُطبق على أرض الواقع".

لكن مع ذلك يؤكد الخبير في الصناعة النفطية "فاضل غيث" من شركة "أوبنهايمر" في نيويورك، أن العراق الذي يتوفر على ثاني أكبر احتياطي نفطي بعد السعودية، يحتاج إلى استثمارات خارجية لتحديث صناعته النفطية التي ظلت مغلقة أمام التكنولوجيا المتطورة طيلة الخمس وعشرين سنة الأخيرة.

*محرر الشؤون الخارجية في "كريستيان ساينس مونيتور"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية - ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-20-3-2007