رسالة مفتوحة الى البرلمان العراقي بشأن مسودة قانون النفط والغاز

 

 

د . جبار محمد الشيخ حمادي

 

 

تتطلب المرحلة الراهنة اجراء معالجات واصلاحات جذرية ذات بعد اجتماعي واقتصادي وخاصة بعد ان اشتد الاعتماد على النفط مقابل انحسار القطاعات الانتاجية الاخرى كالقطاع الخدمي والزراعي الا ان القطاع الصناعي يكاد يكون الاكثر تضررا اما حال الصناعات الوطنية للمواد الاستهلاكية، فلم ينج من التدمير والتخريب فقد سحقها الانفتاح التجاري واطلاق حرية الاستيراد.

هذه الصورة القاتمة تضعنا امام اقتصاد منهار اكثر مما سبق نتيجة اعمال النهب والتخريب والفساد المالي والاداري والذي كلف الاقتصاد العراقي ثمنا باهظاً تقدر بالاف الملايين من الدولارات سنويا والتي تدفع من عائدات النفط التي اصبحت تشكل 95% من الايرادات السنوية وهذا يعني ان النفط هو المورد الاساسي لتمويل موازنة الدولة بجانبيها التشغيلي والاستثماري حيث كانت العقود الثلاثة الاخيرة من القرن الماضي والتي ابتدأت في عام 1963 والتي امتازت بالتخبط وعدم الاستقرار لذلك لم تحدث اي تطورات اقتصادية مهمة خلال هذه الحقبة بسبب الفوضى السياسية التي عمت البلاد في شباط 1963 وحتى تشرين الثاني من نفس العام حيث كانت هذه الفترة معتمة في تاريخ العراق الحديث ففي تموز عام 1964 بعد ان حدث تغير جذري في نظام الحكم لتلك الفترة فاخذ الحكام الجدد عدة قرارات في مقدمتها:

1. تاميم الشركات والمصارف الاهلية حتى شملت الصحافة وهذه تمثل اكبر ضربة للقطاع الخاص آنذاك.

2. رغم القوانين المتسرعة وغير المدروسة لحماية الصناعات المحلية والتي قدمت للقطاع الخاص بقي هذا القطاع مهمشاً وضعيفاً ويتخوف من التوسع واقامة صناعات كبيرة.

  ثم جاء انقلاب17 تموز 1968 والذي أحرق الاخضر واليابس وضرب كل الحركات السياسية وزج العراق بحروب لا مبرر لها ادت الى تدمير الاقتصاد العراقي والبنى التحتية وعدم مواكبتها لما يجري من تطورات على الساحة الاقتصادية العالمية وجعل الموارد النفطية موجهه لخدمة الالة العسكرية فضلا عن الفساد المالي الذي استنزف الكثير من موارد الدولة المالية والاقتصادية والذي رافقه ادارة حكومة دكتاتورية سيئة الصيت شكلت عاملا مضافا في تدمير الاقتصاد واتخاذ قرارات انية غير مدروسة الامر الذي جعلها غير قادرة على تعبئة الموارد بالشكل الذي يحقق تنمية اقتصادية واجتماعية لتلك الفترة ومن خلال ذلك ينبغي على الحكومة الجديدة ان تتخذ عدة معالجات وقرارات وقوانين من اجل هيكلة الاقتصاد العراقي قبل الشروع بقانون النفط والغاز ومن ابرز هذه المعالجات هي :

1. معالجة الركود الاقتصادي الذي يشهده الاقتصاد العراقي من خلال تبني برامج اصلاحية تهدف الى انعاش النمو الاقتصادي من خلال تبني مشاريع نفطية كبيرة لانعاش النمو الاقتصادي وهذا يتطلب :

أ- اطلاق سعر صرف للعملات المحلية وازالة التشويهات.

ب- تقييد الانفاق الحكومي بهدف تخفيض العجز في الموازنة العامة المعتمدة على ايرادات النفط .

ج- الغاء سياسة الدعم السعري بشكل تدريجي لتفادي تاثيراتهاالاجتماعية من خلال ايجاد فرص عمل جديدة وتقليص البطالة.

2. العمل على حل مشكلة الديون الخارجية كونها تحد من النمو الاقتصادي العراقي والتي تؤثر على دخول الاستثمارات الاجنبية.

3. خلق مناخ استثماري مناسب لجذب الاستثمارات الاجنبية والمحلية من اجل تفعيل الاقتصاد الوطني ومعالجة الثغرات في قانون الاستثمار الحالي.

4. تفعيل هيئة الاستثمار واعطاءها الدور الاساسي في عملية الاستثمارفي العراق.

اذ ان هناك اكثر من (190) شركة عامة لوزارة الصناعة حسب احصائيات الدولة  لا تعمل منها سوى (65) شركة موزعة في مناطق العراق، وهي بنصف انتاج اما المتبقية فهي عاطلة عن العمل وتستنزف موارد العراق  وكما نعلم ان اقتصاد العراق احادي الجانب ومعتمد على قطاع النفط وهوالعمود الفقري الذي يرتكز عليه.

اذ ان العراق يطفو على مخزون هائل من النفط الخام فضلا عن ذلك الغاز الطبيعي وهذا يجعله في طليعة الدول المصدرة للنفط لان احتياطي النفط يقدر بحوالي (215) بليون برميل، كما يشكل حجم النفط الاحتياطي المثبت رسميا (115) بليون برميل ما يضعه في موقع مكافىء مع السعودية اضف الى ذلك ان تكاليف اكتشافه واستخراجه منخفضة مقارنة مع نفوط منطقة الشرق الاوسط.

ان اقصى معدل للانتاج الذي وصل اليه تاريخيا لم يتجاوز( 3،5) مليون برميل يوميا علما ان تاريخ اكتشافه وتطويره في العراق قد امتد لثمانية عقود، ومن الناحية الاقتصادية فان مستوى انتاج النفط العراقي لم يتناسب مع الاحتياطي الذي يملكه رغم تدني تكاليف استخراجه.

  اذ ان الاحتياطي النفطي المثبت حاليا يوصل الانتاج الى مستوى عشرة ملايين برميل يوميا ويمكن الاحتفاظ بهذا المستوى لعقد من من الزمن وغلى الحكومة ان تعطي الاولوية للسنوات القادمة لاعادة التاهيل وبناء طاقة الانتاج وليس لعمليات التنقيب والاستكشاف، وينبغي وضع خطة مركزية لزيادة الطاقة الانتاجية ومن خلال هذه الخطة ايضا دراسة امكانية الحقول المكتشفة مع ملاحظة الجدوى التقنية والاقتصادية كما ينبغي الاخذ بنظر الاعتبار بوضع خطط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية مع ملاحظة الكلف التاريخية للاكتشافات القديمة للبرميل الواحد من النفط العراقي  حيث كان اكتشافه يساوي (0،5) اي نصف سنت ولا يتحمل ان يزدادعن ذلك كثيرا كما تقدر كلفة الاستثمار للبرميل الواحد من (0،5 - 1) دولار اميركي وان كلفة التشغيل لانتاج البرميل الواحد من (1 - 2) دولار اميركي، وعلى سبيل المثال فان كلفة توسيع المرافق الانتاجية الحالية تقدر بثلاثة بلايين دولار اميركي بينما تقدر تكاليف رأس المال الاستثماري الكلي لانتاج مليون برميل بنحو(ستة بلايين دولار اميركي)، وقد تاخذ هذه الكلف بالارتفاع ما بين (4،5 - 9)بلايين دولار اميركي ، اذا ما اخذنا المتطلبات الامنية والتكاليف المتغيرة لاسعار المعدات النفطية الغالية الثمن.

وأود أن أبين حالة المرافق الانتاجية النفطية الموجودة حاليا هي مندثرة وقيمتها التاريخية في السجلات المحاسبية صفر وان الخردة الموجودة في مواقع العمل لهذة المعدات قد نهبت او خربت بسبب الحروب، وهذا يعني ان تقوم الحكومة باعادة بنائها اولا قبل المباشرة بأي شيء   على هذا الاساس قامت وزارة النفط الاتحادية بتوصية من مجلس الوزراء باعداد مسودة قانون النفط والغاز، وقد اعتمدت الوزارة باعداد هذه المسودة على المادتين(111و112) من الدستور العراقي الجديد وبدلالة المواد (2و49 و109و110) من الدستوروهذه المواد تحدد سلطات ومسؤوليات الحكومة الاتحادية والاقاليم والمحافظات في القطاع النفطي .

ان الهدف الاساسي لهذا القانون اي قانون النفط والغاز من اجل انجازاستثمار هذه الثروة الوطنية والحد من عمليات النهب والهدر التي تعرضت لها طيلة هذه السنين فضلا عن ذلك تشجيع القطاع الخاص ويرحب بالشركات النفطية الاجنبية بالعمل والمشاركة مع شركة النفط الوطنية العراقية ،لاجل نقل التكنولوجيا المتطورة مواقع الانتاج والملاكات العراقية .

  كما جاء في مسودة القانون بشأن العقود واتخاذ القرارات على مستوى المجلس الاتحادي للنفط والغاز من خلال كيان خاص من المفاوضين والاستئناس برأي المجموعة الاستشارية المستقلة ،وكذلك جاء في مسودة القانون ،ان شركة النفط الوطنية  (شركة قابضة ) مستقلة ولهاشخصية معنوية وشركات حليفة لها

في كافة الاقاليم والمحافظات وتكون جميع الحقول المكتشفة لادارة الشركة،وتقوم الوزارة الاتحادية بالاشراف والتنظيم وتحضير الخطط والسياسات وبمشاركة الاقاليم والمحافظات. ولكن بعد مناقشة هذه المسودة جرت عليها تعديلات جوهرية على حساب المصلحة العامة  وذكر منها ،نقل مسؤولة المفاوضات من المجلس الاتحادي للنفط والغاز واناطته بحكومة اقليم كردستان وهذه مخالفة صريحة للدستور في حين كانت المسودة الاولى تنص على ان المفاوضات يقوم بها المجلس الاتحادي للنفط والغاز  واذا لم تعدل هذه المادة ستضعف وحدة العراق وبالتالي تفرقه وتضر المصلحة العامة للشعب العراقي المظلوم وستزداد عمليات النهب والهدر للمال العام ، وهذه الحالة قد ولدت فجوة كبيرة للصراع والخلاف بين الاطراف الاثنية والطائفية مماجعل تدخل الاحزاب الكبيرة والتي قامت تنادي بالمحاصصة الطائفية والاثنية قبل مناقشة المسودة في البرلمان. وبناء على ماتقدم  فان مسودة قانون النفط والغاز قد غطت اغلب الانشطة المتعلقة بالاستكشاف والتنقيب والانتاج والتصدير والاستثمار النفطي وعلى ضوء ذلك لدي الملاحظات والتحفظات التي يمكن لاعضاء البرلمان الاستئناس بها وهي :-

1. ان مسودة هذا القانون تبدو وكأنهامترجمة من لغة أجنبية وذلك لكثرة الاخطاء اللغوية والصياغات القانونية وعدم الترابط المنطقي فينبغي على مجلس النواب تشكيل لجنة لاعادة صياغة المسودة من جديد ويفضل من ضمن اعضاء هذه اللجنة انتداب خبراء في اللغة العربية والقانون والاقتصاد والمحاسبة.

2. يستحسن نقل التعاريف الواردة في المادة الرابعة من مسودة القانون الى صدر مسودة القانون وكذلك يجب مراعاة التسلسلات وفقا لذلك.

3. يستحسن تبديل كلمة ( بترول ) الى كلمة نفط اينما وردت في مسودة القانون.

4. لم نلاحظ تعريفا واضحا ومنفصلاً بشان المجلس الاتحادي للنفط والغاز في مسودة القانون.

5. لم نلاحظ في مسودة القانون التاكيد على تاسيس شركة نفط وطنية عراقية رغم ورود اسم هذه الشركة فضلا عن ذلك وضع تعريف لهذه الشركة من ضمن التعاريف والمصطلحات .

6. لاحظنا ورود اسم كلمة شركة نفط وطنية (شركة قابضة) ولاحظنا ايضا مصطلح وحليفاتها لايوجد في الادب المحاسبي مصطلح وحليفاتها يبدو ان المترجم قد وقع في ترجمة الشركة الام وهي القابضة والشركات التابعة لها التي وصفها بحليفاتها . وعلى ضوء ذلك يجب انتخاب خبير من المحاسبين القانونيين لتوضيح وبناء اسس الشركة القابضة والشركات التابعة لها وهذه من الامور المهمة التي تتعلق بمهام الشركة.

7. يجب ان تدرج في بداية مسودة القانون المواد 106 ، 111 ،112 ، 121،من الدستور العراقي التي اوجبت على مجلس الوزراء اعداد قانون الاستغلال للنفط والغاز وادارة الموارد النفطية لصالح الشعب العراقي باعتباره صاحب هذه الثروة الوطنية.

8. من الضروري جدا الغاء الفقرة ( أ ) من المادة 11 من مسودة قانون النفط والغاز.

9. تقليص مدة التنقيب والانتاج من ثماني  سنوات الى ثلاث سنوات من الفقرة الاولى من المادة (13)  قابلة للتجدد لمدة سنتين وبذلك تصبح المدة خمس سنوات بدلا من ثماني سنوات .

10. يستحسن منح المتعاقد مدة عشر سنوات بدلا من عشرين سنة مع الابقاء على المدة الاضافية خمس سنوات.

11. يجب ان تكون مناقشة مسودة قانون النفط والغاز بعيدة عن التاثيرات الاثنية والطائفية والمحاصصة الطائفية لان  النفط ملك للشعب العراقي.

12. يجب ان تكون المفاوضات مع الشركات الاجنبية المستثمرة في العراق حصرا بالمجلس الاتحادي للنفط والغاز ولا يجوز للاقاليم والمحافظات التفاوض منفردة .

13. لاحظنا الاسباب الموجبة لهذا القانون في مقدمة القانون وينبغي ان تكون في نهاية القانون.

14. يجب ان يتم اعداد تقرير سنوي يوضح جميع التعاقدات مع الشركات الاجنبية والوطنية ويفصح عن جميع النشاطات والالتزمات المالية وينشر في الصحف المحلية .

15. يجب ان تكون دراسة شروط التعاقد مع الشركات الاجنبية من قبل المجلس الاتحادي للنفط والغاز والهيئة الاستشارية وذلك لضمان اقصى العوائد للشعب مع مراعات الدقة في المواد الاساسية الواجب توفرها في العقد.

16. ان التركيز على الاستكشافات والتنقيب في هذه المرحلة من تطور العراق السياسي والاقتصادي سيسفر عن التفريط بمصالح الاجيال القادمة وسيفرز مفهوم النظرة القائلة بان الحرب كانت من اجل النفط . ونخلص من ذلك الى ان مسودة قانون النفط والغاز يجب ان تدرس دراسة مستفيضة وينبغي على مجلس النواب ان يقف وقفة رجل واحد لمنافسة هذا القانون والوصول الى قانون ينقذ ثروات العراق ضد الاتجاهات الاثنية والطائفية والمحاصصة الخطيرة لتفريق العراق وينبغي الاتحاد والتعاون من اجل سعادة الشعب العراقي واعتبار ذلك اعلى من كل اعتبار.ان قيام صناعة نفطية سليمة وقوية سوف تؤمن الواردات الضرورية للاصلاح السياسي والاقتصادي من اجل بلد ديمقراطي اتحادي وبهذه الرسالة اعطيت اهم النقاط التي يجب ان توخذ بنظر الاعتبار اثناء مناقشة مسودة قانون النفط والغاز اللهم اشهد اني بلغت.

*باحث ومحلل اقتصادي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح