هل لا يزال الوقت متاحاً لمواجهة الفساد في مصر؟

 

محمود عوض

 

ثلاث وقائع محددة جرت في شهر نيسان (ابريل) 2007 مثلت في حد ذاتها أنوارا كاشفة للرؤية الرائجة - أو عدم الرؤية - لواقع ومستقبل الحالة المصرية. مصر التي تجاوز سكانها 76 مليوناً، ولم يعد بيت واحد فيها يخلو من شاب عاطل عن العمل منذ سنوات. والأسوأ من ذلك أن يكون شاباً متعلماً، وغالباً خريجاً جامعياً. وهو ما يعني أن ما تحملته أسرته من أعباء في رعايته وما أنفقته الدولة من موارد على تعليمه ضاع هباء في نهاية المطاف. كما أن البطالة بحد ذاتها تعطل إحساس المرء بالكرامة الإنسانية وهي أيضا الباب المباشر إلى العنف والجريمة والمخدرات والتفكك الاجتماعي. مشكلة خطيرة كفيلة في حد ذاتها بأن تحرم أعضاء أية حكومة مسؤولة من النوم وتجبرهم على الكد ليل نهار سعيا إلى المراجعة والتصحيح وتعبئة الموارد المحدودة المتاحة لاستعادة الضوء إلى صورة مظلمة. مع ذلك تسير الأمور الهوينا وتمضي الحكومة في مسيرتها، والتي هي في الجوهر: المزيد من السياسات نفسها التي استمرت 15 سنة تفاقم المشكلة بدل أن تحلها. وبين وقت وآخر تقوم بطلاء الحقائق القاتمة ببيانات وردية لا علاقة لها بالواقع الذي يعيشه المواطن العادي يوماً بيوم.

في الواقعة الأولى نذهب إلى واشنطن، ففي هذه الأيام يبدو أن الطريق الأقصر لفهم بعض شؤوننا الكبرى يبدأ بواشنطن. وكما نقلت لنا التقارير الصحافية فإن وزير المال في الحكومة المصرية، خلال زيارة لواشنطن في مهمة حكومية، أسهب في شرح سياسات حكومته للأصدقاء الأميركيين مطمئنا اياهم بأن العجز في الموازنة المصرية تراجع من تسعة في المئة في العام الماضي إلى 5.5 في المئة خلال هذا العام، كما أن حجم الاحتياط النقدي الأجنبي في مصر ارتفع اخيراً إلى 34 بليون دولار... إلخ.

فلننح جانباً حديث الأرقام هذا لأنها أساساً بعيدة عن الصحة وبإقرار وزراء ومسؤولين آخرين في الحكومة المصرية نفسها. لكن المهم بالقدر نفسه هو أن الوزير المصري صرح لأصدقائه الأميركيين بأن القطاع العام المصري الذي يمثل حالياً 30 في المئة من الاقتصاد المصري هو نموذج لسياسة الحماية وانعدام الكفاءة، ولذلك فإن التخلص منه ببيعه إلى أي قطاع خاص (محلي أو أجنبي) هو سياسة مستمرة، ومن المتوقع في رأيه أن تبلغ حصيلة خصخصة ذلك القطاع في السنة الحالية ما بين 15 و20 بليون جنيه مصري. وفي الخلاصة فإن العنوان الصريح الذي يبشر به الوزير هو المضي قدما في «تفكيك القطاع العام في مصر» - بنص كلماته.

في الواقعة الثانية جرت مناقشة خمسة استجوابات طرحها أعضاء في مجلس الشعب (البرلمان) المصري وكلها تريد محاسبة الحكومة عن بلاوي ما جرى حتى الآن من خصخصة مشروعات كبرى وحيوية في القطاع العام بصفقات غامضة تخلو من الوضوح والشفافية والمسؤولية. من الاستجوابات نكتشف أنه منذ بدأت الحكومات في مصر برنامج «الخصخصة» في سنة 1991 - بمعنى بيع المشروعات الاقتصادية المملوكة للقطاع العام إلى القطاع الخاص، مصرياً كان أو أجنبياً - جرى بيع 192 شركة بنحو 17 بليون جنيه انخفضت إلى 9 بلايين جنيه بعد الخفض المروع في قيمة الجنيه المصري بقرارات حكومية مفاجئة. كل ذلك في الوقت الذي سبق لأوساط حكومية أن قدرت القيمة الواجبة للبيع بخمسمئة بليون جنيه مصري كحد أدنى.

هذه الخصخصة، وأصبح الشارع المصري يسميها «المصمصة» سخرية ومرارة، اكتسحت في طريقها كل شيء... من الفنادق إلى الصناعات الكبرى إلى شركات التجارة الداخلية، بل وحتى إلى الموانئ والمطارات والبنوك، وكل ذلك بعيدا تماما عن العلانية أو الحوار العام أو حتى ما يلزم من توضيحات لأصحاب المال أنفسهم.. الذين هم مجموع المصريين. بل إن البرلمان، وهو المحكوم بأغلبية طاغية لصالح الحكومة، كان مستبعدا من مجرد التطفل على سياسات عليا تتعلق بالخصخصة. فقط بين وقت وآخر يتم توظيفه للتصفيق لسياسات حكومية تبيع وتبيع ما هو موجود من ملكيات عامة من دون السماح له بأية مناقشة جادة لما يجري.

في كل عمليات الخصخصة هذه كانت هناك حقائق مؤكدة مستمرة ومتكررة. كلها اقترنت بتسريح العمال ودفع الخبراء منهم قسرا إلى سوق البطالة برشوة ملفقة اسمها «المعاش المبكر». واقترنت أيضا ببيع المشروع العام بسعر التراب، وأحيانا البيع بالتقسيط المريح إذا كان للمشتري نفوذ سياسي. بل وفي حالات أخرى كان المشتري يحصل من البنوك العامة بنفوذه السياسي الأكبر على قروض من المال المملوك أصلا لعموم المصريين تسهل له شراء المشروع العام المطلوب الاستيلاء عليه.

في السنوات الأولى لسياسة الخصخصة زعمت كل حكومة للرأي العام أنها لن تبيع سوى الشركات الخاسرة وستستخدم الحصيلة لدعم الشركات الناجحة الرابحة لتصبح أكثر ربحا. وحتى في حالة الشركات الناجحة الرابحة فستكون الخطوة الأولى هي فصل الملكية عن الإدارة حتى تصبح الإدارة أكثر استقلالية وقدرة. في التطبيق جرى العكس على طول الخط. لقد بدأت العملية ببيع الفنادق المصرية التي تقوم بتشغيلها شركات أجنبية مقابل نسبة محددة من الأرباح سنوياً. وبعد أن كان الطرف الأجنبي يحصل على مجرد نسبة محدودة من الأرباح أصبح يحصل على الأرباح كلها مع حقه في تحويل تلك الأرباح بالعملات الصعبة إلى الخارج أولاً بأول بعد أن كانت تصب في الخزانة المصرية دعما لموارد الحكومة.

شركة أخرى بيعت مصانعها الثمانية بسعر مصنعين اثنين. شركة أخرى بيعت بسبعة عشر مليون دولار - لمجرد أن طرفاً أميركياً استشارياً هو الذي حدد هذا التقويم - بينما القيمة السوقية لأراضي الشركة، مجرد الأراضي، يتجاوز 115 مليون دولار. شركة أجنبية اشترت من الحكومة المصرية أراضي شاسعة بملايين الأمتار في الساحل الشمالي بأسعار متدنية تحت عنوان أن الهدف هو تشجيع الاستثمار في السياحة كما أن للشريك المصري حصة تبلغ ستين في المئة من رأس المال. بمجرد توقيع الصفقة خرج الشريك المصري من الشركة، يعني كان دوره مجرد سمسار وصاحب علاقات نافذة مع الحكومة، ومقابل ذلك حصل لنفسه من الشركة الأجنبية على بليون جنيه مع أنه لا يعترف إلا بحصوله على 387 مليون جنيه فقط.

لم تخرج كل عمليات الخصخصة في مصر، والمستمرة منذ 1991، عن النماذج السابقة بالإضافة إلى نموذج آخر مستجد هو البيع بهدف التصفية. مثلا: شخص واحد اشترى أكبر شركة مصرية للصناعات الغذائية، وهو نفسه لا علاقة سابقة له لا بالصناعة ولا بالأغذية. الشركة كانت لها سمعة رائجة لجودة انتاجها ورخص اسعارها بما فتح لإنتاجها أسواقا باتساع العالم العربي وإفريقيا لأكثر من أربعين سنة. وخلال سنة واحدة من بيعها توقفت الشركة عن الإنتاج وبدأ تسريح العمال مع إصرار المشتري على عدم دفع أجورهم المتأخرة طوال السنة ولا أقساط التأمين، ولا حتى الضرائب التي كانت الشركة منتظمة في تسديدها للحكومة سنويا. وبعد أن شكا عمال الشركة وبعد ضغوط وإضرابات لجأت الحكومة إلى حل مدهش: اطمئنوا... فالحكومة ستسترد الشركة بإعادة شرائها من صاحبها الجديد... ويا دار ما دخلك شر. المفاجأة أن الحكومة اكتشفت أن عقد البيع ينص على وجوب موافقة المالك الجديد للشركة على أي تصرف فيها. الوضع هنا معكوس تماما: فبدلا من أن يكون للحكومة البائعة حق النقض على إعادة التصرف في الشركة أصبح المشتري هو الذي له سلطة النقض على أي تصرف للحكومة. وحتى اللحظة لا تزال الحكومة عاجزة تماما لأن المشتري يهددها بجرجرتها إلى التحكيم الدولي.

هذا الموال نفسه نجده في الإعلان فجأة قبل شهور عن بيع الأرض والفضاء الوحيد الباقي في أكبر ميادين القاهرة إلى شركة فرنسية لها علاقات نافذة داخل الحكومة المصرية. البيع كان بسعر متدن، والحجة هي تشجيع الاستثمار الأجنبي في المباني السياحية. ولأن الفضيحة أصبحت أكبر من قدرة الحكومة - حتى هذه الحكومة - على التحمل فقد صدرت أوامر عليا بوقف الصفقة. لكن مع الزيارة الوداعية الأخيرة التي قام بها الرئيس حسني مبارك إلى الرئيس الفرنسي جاك شيراك قرأنا أن الأخير فاجأ الأول بالإلحاح على المضي في الصفقة مع الشركة الفرنسية. وحتى اللحظة تلخص موقف الحكومة المصرية في عرض مدهش: فالحكومة سترد للشركة الفرنسية القسط الأول الذي دفعته، زائد فوائده البنكية، بل وحتى تعويض الشركة بأراض بديلة في موقع متميز آخر، وربما أيضا بتعويض مالي إضافي. لكن الشركة رفضت وهددت بأخذ الحكومة المصرية إلى التحكيم الدولي حسب اتفاقية تسوية المنازعات في واشنطن التي سبق لمصر الالتزام بها. في كل الحالات سيكون دافع الضرائب المصري هو الذي سيتحمل في نهاية المطاف كل ذلك السخاء المدهش من الحكومة.

هذا يعيدنا إلى الاستجواب البرلماني الأخير للحكومة المصرية عن سياسة الخصخصة. خمس استجوابات مدعمة بأرقام وحقائق ووثائق، اختارت الحكومة للرد عليها وزير الاستثمار. الوزير صال وجال متهكما بأنه كان يتوقع أن يحاسبه البرلمان على البطء - وليس السرعة - في بيع ما تبقى من القطاع العام، مفحما الجميع بأن حكومته غير مسؤولة عن أفعال الحكومات السابقة، إذ لم تقم ببيع أو تصفية أكثر من سبع شركات ودمج ثماني شركات، وأن عمله ليس البيع فقط وإنما الشراء أيضا بدليل سعيه إلى استرداد الشركة الكبرى إياها: شركة الصناعات الغذائية الشهيرة. بالطبع لم يشر الوزير إلى أنه حتى لو استردت الحكومة تلك الشركة فإنها ستستردها مفلسة بعد أن ورثت الشركات الأجنبية كل أسواقها السابقة في افريقيا والعالم العربي.

أما الحجة الأكثر إفحاما في رد الوزير على مستجوبيه فهي الاستشهاد بأحد أبيات أمير الشعراء الراحل أحمد شوقي في «نهج البردة» حينما غنت له أم كلثوم: أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى فالكل في حق الحياة سواء. الوزير نفسه سبق له أن دافع عن لجوء مصر إلى الاقتراض من جديد بحصولها على بليون دولار من البنك الدولي وبنك التنمية الافريقي لدعم برنامج عنوانه المستجد هو إصلاح القطاع المالي في مصر، رافضاً المثل الشعبي المصري «السلف تلف والرد خسارة»... لأن الوزير يرى الزمن تغير فلم يعد السلف تلفا كما أن الرد أصبح شطارة، ومع أن الوزير يقر بأن احتياطي مصر من العملات الأجنبية بلغ 26 بليون دولار (بينما أعلن وزير المال المصري في واشنطن وفي الشهر نفسه أن الاحتياط 34 بليون دولار)، إلا أن وزير الاستثمار يرى أنه لا يصح لمصر استخدام جزء من هذا الاحتياط إذا كان مطلوبا إصلاح القطاع المالي. لماذا لا يصح؟ ومن قال بذلك؟ ربما أمير الشعراء الراحل أحمد شوقي! في النهاية قال الوزير امام البرلمان المصري إن عدم قناعة الشعب المصري بسياسة الخصخصة سببه «ان الناس لا يزالون عائشين في الماضي».

الوزير حر في رأيه. لكن ما رأيه في النمسا، وهي دولة رأسمالية وعضو في الاتحاد الأوروبي وتؤمن تماماً باقتصاد السوق؟ لقد تحمس وزير الاقتصاد النمسوي اخيراً وبشدة لدراسة عرض من مجموعة مالية بريطانية لشراء شركة نمسوية لصناعة الصلب. الرأي العام النمسوي ثار بشدة غضباً من وزير الاقتصاد، ما دفع مستشار النمسا ألفريد غوسينباور ليعلن بصريح العبارة أن مثل هذا البيع لإحدى جواهر الصناعة النمسوية هو كارثة لا بد من وقفها. وفعلاً تم رفض العرض البريطاني نهائيا ورسميا في 28/3/2007. أكثر من ذلك تحرك جزء ملموس من النخبة الصناعية المؤثرة في النمسا يدعو إلى إقامة مؤسسة قومية تسمى «صندوق النمسا» برأسمال مبدئي بقيمة بليون يورو (1300 بليون دولار) يتزايد ليصل إلى خمسة بلايين يورو، وبضمان حكومي، مهمته الأساسية شراء حصص مسيطرة في رأسمال الشركات الكبرى المغرية للأجانب منعا لرأس المال الأجنبي من الاستحواذ عليها، بل وحتى تمويل إعادة تأميم بعض الشركات السابق خصخصتها في سنة 2003.

هؤلاء رأسماليون في بلد رأسمالي لكنهم أدركوا بالغريزة والتجربة أن الوطنية في الاقتصاد ليست ولن تكون موضة قديمة. بل إن مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة والمدافعة البارزة عن الخصخصة في الغرب كانت تصر في كل عملية بيع من القطاع العام إلى القطاع الخاص على أن تحتفظ الحكومة لنفسها بما يسمى «السهم الذهبي» في رأسمال الشركة المباعة تحسباً لمخاطر محتملة من بينها إعادة بيع الشركة مستقبلاً إلى أطراف أجنبية قد لا تتماشى مصالحها مع المصلحة البريطانية. وبالمناسبة كشف تقرير صحافي اخيراً في مصر عن أنه قبل سنوات عدة طلب مستثمرون من قطر شراء أراضٍ في سيناء ثم تبين بالصدفة أنهم واجهة لأطراف إسرائيلية ستقوم تالياً بإعادة شراء الأراضي المصرية من القطريين.

ولأن الكلام هنا يطول ويطول فإنني أتقدم سريعاً إلى الواقعة الثالثة التي جرت في البرلمان المصري. واقعة قيام المستشار جودت الملط رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات بعرض تقريره السنوي على البرلمان. من بين عشرات الحقائق الصارخة في التقرير أتوقف فقط عند أربع حقائق. أولا: ارتفع الدَين العام الداخلي على الحكومة المصرية 76 بليون جنيه في سنة واحدة ليصل الإجمالي إلى 511 بليون جنيه. وبعد إضافة الدين الخارجي يقفز إجمالي الدين العام إلى 688.8 بليون جنيه بما يجعل كل مواطن مصري رجلا أو امرأة أو طفلا مدينا في المتوسط بسبعة آلاف جنيه. ثانيا: إن أعباء خدمة الديون الحكومية اصبحت تلتهم أكثر من ثلث الموازنة العامة للدولة. ثالثا: إن وزارة المال أصبحت تعتمد في سداد الديون على المزيد من الديون. رابعا: إن الوزارات أصبحت تتصرف كجزر منفصلة عن بعضها البعض وكل منها ينشر الأرقام التي تناسبه بما جعل الأرقام الحكومية تناقض بعضها بعضاً وفي مسائل خطيرة كحساب معدلات التضخم أو حجم البطالة.

بعدها بأيام كتب شريف العبد في «الأهرام» القاهرية معلقا بأنه من خلال متابعته الشخصية للمستشار جودت الملط فإنه يعرف «كم من المغريات حوله من كل جانب ليغمض عينيه هو الآخر - عن العديد من مواطن الداء - لكنه لم ولن يفعل، مما جعل العداء مستحكما بينه وبين كل فاسد ومفسد».

لكن... بالقليل من اصحاب الضمائر هؤلاء ربما الوقت لا يزال متاحا في مصر لمواجهة الفاسدين والمفسدين العاملين غالبا لحسابات ومصالح أجنبية. فما اصبح على المحك الآن هو حاضر مصر وحياة ملايين المصريين ومستقبل أبنائهم.

*كاتب مصري

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الحياة اللندنية-6-5-2007