الاقتصاد الأميركي لا يواجه أزمة حقيقية

 

عبدالرحمن أياس

 

 

فقد الاقتصاد الأميركي الكثير من الزخم في الأشهر الثلاثة الأولى من السنة، إذ تراجع معدل نموه السنوي في تلك الفترة إلى 1.3 في المئة. وهذا المعدل هو الأدنى في أربع سنوات، كما جاء أقل بنصف نقطة مئوية عن توقعات الخبراء، الذين يلقون تبعة التباطؤ في جانب أساسي منها على تباطؤ سوق المنازل.

من جهة، لم يكن نيسان (أبريل) الجاري قاسياً على الأسواق المالية كما تخوف كثيرون، فالمؤشرات الأساسية لهذه الأسواق تدل على تعافٍ واسع النطاق من النكسة الحادة التي ألمّت بها إثر الانهيارات في الأسواق المالية الآسيوية في شباط (فبراير) الماضي.

لقد سجل مؤشر «داو جونز» لأسهم الشركات الصناعية الأميركية رقماً قياسياً، وفيما لا يعتبر الخبراء هذا المؤشر مرجعاً مفضلاً على اتجاهات الأسواق المالية، تلته على مسار الإيجابية مؤشرات أخرى يثق بها هؤلاء.

فبداية هذا الشهر، كانت مؤشرات «مورغان ستانلي كابيتال» تدل على تراجع كل الأسواق المالية في العالم عن مستوياتها المرتفعة القياسية، لكن مع اقتراب نهاية الشهر، ارتفع المؤشر العالمي لـ «مورغان ستانلي كابيتال» 4.9 في المئة، وصولاً إلى أعلى مستوى في تاريخه.

وحذا حذوه مؤشر الأسواق الناشئة التابع للمؤسسة المالية نفسها، فارتفع 5.8 في المئة، وصولاً إلى أعلى مستوى في تاريخه أيضاً. وحققت كل الأسواق المتقدمة التي تتابعها مؤشرات المؤسسة، باستثناء السوق اليابانية، ارتفاعات راوحت بين خمسة و7.5 في المئة.

لكن من جهة أخرى، فإن تراجع معدل النمو الاقتصادي إلى 1.3 في المئة في الربع الأول من السنة دفع الدولار إلى مستويات قياسية متدنية أمام العملات الرئيسية في العالم، خصوصاً اليورو والين والجنيه الإسترليني.

وتبـين أرقام أخرى ضعفاً في الصادرات الصافية والإنفاق الحكومي، يُضاف إلى التباطؤ الكبير الذي أصاب قطاع بناء المنازل خلال الفترة نفسها.

وتراجع إنفاق الشركات الأميركية في الولايات المتحدة، ما يعني أن وظائف أقل ستنشأ هذه السنة في البلاد، علماً أن إنفاق الشركات الأميركية خارج الولايات المتحدة لا يزال على زخمه.

وفيما يتوقع معظم الخبراء الاقتصاديين انتعاشاً في الصادرات والإنفاق الحكومي في الأشهر المقبلة لغياب التفسير الاقتصادي الكلي لحال الضعف الحالية التي تنتاب هذين القطاعين، لا يزال الخطر الأكبر على الاقتصاد الأميركي يتمثل في تباطؤ سوق المنازل التي لم تعطِ حتى الآن إشارة قويّة على احتمال انتعاشها.

ففي نيسان، وللشهر الثاني على التوالي، تراجع مؤشر سوق المنازل الذي يصدره الاتحاد الوطني لبناة المنازل، فيما ارتفع عدد المنازل الجاهزة غير المباعة، ما دفع البناة إلى تجميد خططهم لبناء منازل جديدة.

لكن ضوءاً يلوح في الأفق على هذا الصعيد. فالإنفاق الاستهلاكي لا يزال قوياً، إذ يرتفع الاستهلاك الفردي الحقيقي بمعدل سنوي يبلغ 3.8 في المئة. كذلك يرتفع معدل المبيعات النهائية إلى المشترين المحليين اثنين في المئة، من دون تغيير عنه في الربعين الثالث والرابع من عام 2006.

أما الأجور فترتفع بمعدل سنوي يبلغ 3.2 في المئة منذ نهاية السنة الماضية، مقارنة بـ 2.3 في المئة عام 2005، وعلى رغم ما يعنيه ذلك من تزايد العبء على قطاع الأعمال، فإنه يؤشر على احتمال استمرار الإنفاق الاستهلاكي، ما قد ينعش قريباً سوق المنازل.

وتتركز المشكلة التي تواجهها سوق المنازل في أزمة ما يُعرف بسوق الرهون المحفوفة بالمخاطر، فكثير من الذين اشتروا منازل بالتقسيط يعانون في تسديد الأقساط جراء ارتفاع أسعار الفائدة. وتشهد حالات التوقف عن تسديد أقساط المنازل ارتفاعاً، لكن مستواها لا يزال معتدلاً بحسب المعايير التاريخية للقطاع.

ويتوقع أن تتضح الاحتمالات أمام سوق المنازل في حزيران (يونيو) المقبل، أي في نهاية فصل الربيع الذي يُعتبر موسم بيع المنازل في الولايات المتحدة. لكن تراجع عدد المنازل الجاهزة غير المباعة من 3.86 مليون منزل في تموز (يوليو) الماضي إلى 3.55 مليون في نيسان يُعتبر مؤشراً جيداً على قرب خروج القطاع من أزمته وإبعاد شبح الركود عن الاقتصاد الأميركي ككل.

لكن ما دور مجلس الاحتياط الفيديرالي في كل هذا؟ يبين تراجع الدولار في الأيام الأخيرة ضعف ثقة المستثمرين في الاقتصاد الأميركي وتراجع توقعاتهم بأن يرفع المجلس أسعار الفوائد في وقت قريب. فهل يرفع المجلس هذه الأسعار فعلاً، لجذب المستثمرين إلى الدولار وبالتالي دفع العملة الخضراء صعوداً؟

لا يبدو أن هناك رفعاً قريباً لأسعار الفائدة الأميركية، فأي رفع من هذا النوع سيؤدي إلى رفع كلفة الاقتراض، ما سيبطئ الإنفاق الاستهلاكي وإنفاق الشركات، وسيضر بأي فرصة لانتعاش سوق المنازل، ويقلص بالتالي النمو الاقتصادي أكثر من معدله الحالي.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الفحياة اللندنية-29-4-2007