هاجس تأمين الطاقة يتطلب حلولا منطقية

 

 

اهتم منتدى أوروبا لوتسرن في دورته لهذا العام بالمخاوف المتداولة حول مستقبل الطاقة في أوروبا، ودور سويسرا في الحلول المقترحة واستراتيجياتها في التعامل مع هذا الملف.

وفيما وضع الخبراء الأوروبيون بعض التوصيات للتعامل مع ملف الطاقة بأسلوب واقعي ومنطقي، يرى خبراء سويسريون أن الكنفدرالية ستستفيد من جميع السيناريوهات المطروحة بسبب موقعها الجغرافي بين الشمال والجنوب وساحتها المالية والإقتصادية.

تمحورت مداخلات خبراء الطاقة حول النفط والغاز الطبيعي كأحد أهم موردين أساسيين للحصول على الطاقة، وتفادى المشاركون الخوض في الطاقة النووية أو الطاقات البديلة، الأولى لأنها محل نزاعات وصراعات ذات بعد استراتيجي دولي، والثانية لأن أغلبها في طور التجارب ولا تلعب دورا أساسيا أو هاما في توليد الطاقة للتصنيع على سبيل المثال.

وقال مارسيل كريبر مدير العلاقات العامة في الإتحاد السويسري لصناعة الغاز، أمام المنتدى "إن التعامل مع الغاز الطبيعي لم يأخذ نصيبه من الإهتمام الإقتصادي بالقدر الكافي، رغم أهميته"، وحذر من إقامة تحالفات أو مؤسسات لتنسيق عمليه تصديره وبيعه على غرار أوبيك، لأن ذلك "قد يعمل على رفع الأسعار"، لاسيما وأن أكثر موارد الغاز الطبيعي تقع في بؤر توتر وصراعات بالشرق الأوسط.

ويعتقد كريبر أن ضمان الحصول على الغاز الطبيعي في أوروبا يمكن من خلال تأمين توريده من روسيا عبر شرق أوروبا وهو ما يتطلب – حسب رأيه – تعزيز التعاون مع دول شرق القارة، ودعمها اقتصاديا وتقنيا لتتمكن من نقل الغاز الطبيعي الروسي بدون مشكلات، حسب رأيه، إذ لا تضم أوروبا الغربية سوى نسبة بسيطة من احتياطي الغاز الطبيعي في العالم في حين أن روسيا والشرق الأوسط وافريقيا هي المهيمنة على أكبر احتياطيات الغاز في العالم.

لا أوبيك للغاز

وفي حين يعتقد الخبراء أن الإعتماد على الغاز الطبيعي كمورد للطاقة لا يضر بالبيئة، إلا أن كريبر أوضح أيضا أن عدم الإستقرار السياسي في البلدان التي تضم الجزء الأكبر من الإحتياطي يشكل هاجسا كبيرا، إذ من الممكن أن يتوقف ضخ هذا الغاز مع نشوب حرب أو أزمة سياسية، كما أشار إلى أن استهلاك الهند والصين غير العادي للغاز وغيره من المحروقات سيغير من خريطة بيعها وسينعكس سلبيا على الأسعار، إذ من المتوقع – حسب رأيه – أن يرتفع استهلاك الصين من الغاز الطبيعي بنسبة 400% حتى عام 2030، وقد يؤدي هذا إلى استيلاء الصين على جميع مخزون الغاز في العالم.

وينصح خبير الطاقة السويسري بتأسيس اتحاد لمصدري الغاز المسال فقط، لأنه سيكون أكثر فعالية من اتحاد لبيع الغاز الطبيعي العادي – حسب رأيه- نظرا"لأن إسالة الغاز لن تتم على الأرجح في نفس الدول التي تقوم بإنتاج الغاز الطبيعي، وبالتالي فلن تقع امدادات الغاز المسال تحت رحمة التوترات السياسية، كما يمكن لشركات الغاز المسال أن تضع أسهمها في سوق الأوراق المالية الدولية"، ما يعني أن الشركات مضطرة للبيع كي لا تنهار أسهمها في البورصة، فتخسر رأس مالها.

أما إذا تعذر هذا الحل فينصح كريبر بأن تسعى دول أوروبا إلى ضمان الحصول على الغاز الطبيعي من الدول المنتجة من خلال تعاقدات طويلة الأمد، وتنوع المصادر بين الشرق الأوسط وامريكا اللاتينية، كما حث الدول المصدرة على الدخول في مبادلات تجارية كبيرة والإعتماد على اقتصاديات السوق.

لا غنى عن النفط ... ولكن

أما على صعيد النفط فيرى رولف هارتل، رئيس اتحاد شركات تجارة النفط السويسرية، أن الوقت الراهن يشهد تغيرات كبيرة في أجندة التعامل مع النفط، من خلال التحالفات السياسية تارة أو الإتفاقيات الإقتصادية الرامية إلى تبادل المنافع والمصالح تارة أخرى، وهو ما اثر على تفكير أغلب الساسة حيث ربطوا الحلول بتحركات عسكرية وهو أمر غير صحيح، حسب اعتقاده.

ويتوقع هارتل أن يرتفع الإقبال على استهلاك النفط من 85 مليون برميل يوميا في الوقت الحاضر إلى 120 مليونا في عام 2030.

ويربط الخبير النفطي بين السباق على الحصول على الذهب الأسود وبين رغبة الغرب في الحفاظ على مستوى المعيشة الذي تعود عليه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ورغبة القوى الغربية في عدم ضياع هيمنتها السياسية في العالم، ولذا فإنه يطالب صناع القرار السياسي بدعم الإستقرار في مناطق التوتر المشبعة بالنفط، وتوعية انظمة تلك الدول بأهمية التنمية المستديمة والتعاون معها في نقل التقنية، لتسير معادلة الحصول على الطاقة مقابل الأمن والتنمية والإستقرار في مسار صحيح، حسب رأيه.

ويبرر هارتل هذه المطالب الملحة – حسب وصفه – لأن الغرب عامة وسويسرا بصفة خاصة لا يمكنه الإستغناء عن النفط، لأنه يبقى أرخص موارد الطاقة على الإطلاق والتي تتناسب مع طبيعة المجتمعات الصناعية والإستهلاكية على حد سواء، كما أن الموارد الطبيعية التي يمكن استخدامها في توليد الطاقة في أوروبا ليست بالكمية الكبيرة التي تتناسب مع حجم الإستهلاك سواء في الصناعة أو الحياة اليومية، مشيرا في الوقت نفسه إلى استهلاك الهند والصين المتصاعد للنفط والمحروقات بشكل عام.

واتفق خبراء الطاقة في المناقشات التي شهدها المنتدى تعقيبا على هذا الطرح على ضرورة تعديل اسلوب التعامل الأوروبي مع روسيا والهند والصين، لأنها دول أصبحت لاعبا أساسيا واستراتيجيا في عالم اليوم، وليست عدوا مثلما كان يتم التعامل معها مسبقا.

كما نظر الخبراء إلى مستقبل تأمين الحصول على الطاقة من خلال التعاون الوثيق مع دول شرق أوروبا بصفتها مفتاح الطريق نحو روسيا ووسط آسيا والشرق الأوسط، واعتبروا أن تعزيز الإقتصاديات المحلية في شرق القارة سيعمل على إخماد الأزمات السياسية والمشكلات الإجتماعية في تلك الدول، إذ يرى المحللون أن استغلال الطاقات البشرية في شرق أوروبا استثمار ذو عائد ربحي جيد، لاسيما وأن أغلب هذه الأيادي العاملة مؤهلة بشكل جيد، مثلما هو الحال في بولندا والمجر والتشيك وأوكرانيا.

وكان لافتا أن أكثر من محلل استراتيجي تناول أهمية البلقان في أكثر من موضع، فمن الناحية الإستراتيجية يحب أن يتم الحفاظ على استقرار البلقان وضمان عدم حدوث قلاقل سياسية مجددا هناك، لأنها ستنعكس سلبيا على غرب القارة الأوروبية، كما يمكن الإستفادة من هذه المنطقة أيضا في نقل الطاقة عبر أراضيها سواء الغاز أو النفط، بل ذهب أحد المحللين إلى القول إلى أن اقليم كوسفو يصلح لأن يكون محطة جيدة للحصول على الطاقة من باطن الأرض.

كما أشار عدد من المحللين إلى أن مشكلة أوروبا ليست في ضمان الحصول على الطاقة بل في تحديات أخرى أكثر أهمية حسب تقديرهم، منها التحدي الديموغرافي مع تراجع نسبة المواليد، وعدم وجود قرار سياسي موحد للإتحاد الأوروبي أمام المشكلات المستعصية حتى في المجالات الإقتصادية، ما وصفه البعض بـ "عدم القدرة على استيعاب حقيقة أن مراكز الثقل الإستراتيجية في العالم قد تغيرت بالفعل"، وأن "من لم يقتنع بذلك فلا يلومن إلا نفسه"، حسب قول أحد الخبراء.

ودعا المشاركون في المنتدى إلى ضرورة التعاون المتكامل بين الدول الأوروبية والنظر إلى جذور المشكلات التي يشعر البعض أنها ستؤثر على امدادات الطاقة إلى أوروبا.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: سويس إنفو-28-4-2007