التنين الصيني .. ثروة تبحث عن مخالب

 

 مصطفى عياط

 

تمثل الصين حالة استثنائية بالنسبة للدول التي تشهد نمواً وصعوداً يرشحها لاحتلال مكانة مرموقة بين القوى الكبرى في العالم، فعلى الرغم من أن الكثيرين يرون أن الصين في طريقها لتصبح قوة عظمى على غرار أمريكا والاتحاد السوفيتي خلال حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن الصينيين أنفسهم يصرون على أنهم مازالوا دولة نامية، وأن الطريق أمامهم طويلاً كي يصلوا إلى هذه المرحلة، وهو ما يعكس التزاماً حرفياً بالوصية الشهيرة للأب الروحي للنهضة الاقتصادية للصين دينج كسياو بينج، والتي تدعو إلى "إخفاء الطموح وعدم إظهار المخالب"، ومن المفارقة أن هذه الوصية تقف على طرفي نقيض مع مقولة أخرى شهيرة لمؤسس الصين الوطنية ماو تسى تونج بأن " القوة الحقيقية تنبع من صندوق البارود"، لكن الفارق بين المقولتين يعكس الفجوة بين الثورة الثقافية المدمرة التي قادها تسى تونج من ناحية والصعود الاقتصادي المبهر الذي قاده كسياو بينج من ناحية أخرى.

ويبدو لافتاً في هذا السياق تأكيد بكين المستمرعلى ما تواجه من عقبات وصعوبات مقابل التزام الصمت المطبق تجاه ما تحققه من طفرات اقتصادية وسياسية وعسكرية، وهذه الحساسية الصينية المفرطة تجاه أي إشارة إلى تنامي قوتها ونفوذها تعكسها بوضوح حالة الجدل العنيفة التي أثارها قبل عامين الرئيس الصيني هو جينتاو عندما استخدم مصطلح "الصعود السلمي" لوصف أهداف سياسته الخارجية، وذلك بدلاً من المصطلح التقليدي للصينيين وهو "التطوير السلمي، حيث رأت دوائر عليا في الطبقة الحاكمة في بكين في المصطلح الجديد دلالات قد تثير المخاوف من الخطر الصيني خصوصاً في اليابان والولايات المتحدة، وفسروا ذلك بأن الصعود يعني ضمناً انكفاء الآخرين على الأقل في الفهم النسبي، في حين أن التطوير يفترض أن تقدم الصين سيجر الآخرين معه.

وقد دفع الحديث المتزايد عن دور قيادي مهيمن للصين في آسيا، رئيس معهد العلاقات الدولية في بكين وانج فان للتأكيد على أن الصين "لا تعتبر نفسها دولة رئيسة في تنمية آسيا، بل هي ليست إلا عضو على قدم المساواة بين جميع الدول في هذه المنطقة. وأن المنافع المتبادلة والأرباح للجميع هي أول خيار للسياسة الخارجية الصينية"، ولا يرى "وانج فان" في الصين دولة متقدمة، وحتى لو حدث ذلك فإنها "ستسعى إلى التوازن بين الحقوق والواجبات، ولن تسعى إلى أكبر مصالح وأصغر واجبات".

لكن هذا "الحياء" أو "التواضع" الصيني يبدو أنه في طريقه إلى التلاشي؛ فالصين وصلت إلى المرحلة التي لا تستطيع الثروة فيها أن تنفصل عن "القوة"، فالدول وحتى الأفراد العاديون عندما يصلون إلى مرحلة معينة من الثراء المادي والاقتصادي فإنهم يجدون أنفسهم مجبرين على امتلاك قدر معين من القوة والنفوذ من أجل تأمين وحماية شبكة المصالح والعلاقات والموارد التي تغذي مصادر ثرواتهم، ولا غنى عن هذه القوة إذا ما كانت هذه الثروة تثير مطامع الآخرين أو تتصادم مع مصالح البعض، وهذه المطامع والمصالح المتضاربة تُعدّ أمراً ملازماً لأي ثروة أو موارد اقتصادية.

هذا فيما يتعلق بالحاجة للقوة للحماية فقط، لكن الثروة دائماً ما تثير أيضاً نهم أصحابها إلى كسب المزيد، ولو بالاعتداء على مصالح وثروات الآخرين، وهنا تصبح الحاجة للقوة مضاعفة ولا غنى عنها، ولعل هذا ما يفسر الشهرة التاريخية للأسطول الملكي البريطاني، فهو من ناحية حمى حدود بريطانيا، وكان الأداة العسكرية الضاربة لتوسعها الاستعماري، كما أنه أمّن خطوط مواصلات دائمة ما بين مستعمرات التاج البريطاني حول العالم أو بين هذه المستعمرات ولندن نفسها.

تلاشي الحياء

ويشكل الازدياد المضطرد في الميزانية العسكرية لبكين مؤشراً هاماً على التلاشي السريع لـ "الحياء الصيني" تجاه التطرق لعناصر القوة والنفوذ؛ إذ أقرت بكين مؤخراً ميزانية عسكرية لعام 2007 تُقّدر بـ (44.94) مليار دولار وذلك بزيادة 17.8% عن العام السابق، وهو ما يُعدّ الزيادة الكبرى من نوعها منذ 2002. وتزامن زيادة الإنفاق العسكري مع مؤشرات نوعية على تنامي القوة العسكرية للصين، سواء من خلال الإعلان في يناير الماضي عن نشر مقاتلات جديدة من طراز (جي 10)، أو تدمير الصين الناجح لقمر صناعي قديم في الفضاء بواسطة صاروخ أرض - جو، وهي تقنية لا يملكها في العالم سوى الولايات المتحدة وروسيا.

ومع أن الإنفاق العسكري الصيني يُعدّ متواضعاً إذا ما قورن بالميزانية العسكرية الأمريكية، والتي بلغت (532.8) مليار دولار لعام 2007 ، إلا أن العديد من التقارير الدولية تشكك في صحة الأرقام الرسمية التي تعلنها بكين بهذا الشأن، حيث قدر "المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية"، حجم الإنفاق العسكري الصيني في 2006 بـ(122) مليار دولار، فيما تتراوح تقديرات مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" للإنفاق العسكري الصيني ما بين (80 و115) مليار دولار سنوياً مما يضعها في المرتبة الثانية وراء الولايات المتحدة.

وبشكل عام، لا يوجد وجه للمقارنة بين الترسانة العسكرية الصينية ونظيرتها في الولايات المتحدة، ولا حتى الجيوش الأوروبية، إلا أن ما يقلق الأمريكيين هو تلك الوتيرة المنتظمة والمتصاعدة من النجاحات الصينية، حتى إن أحد الصحفيين الأمريكيين شبه المنافسة بين أمريكا والصين بأنها: "لعبة قوة تمضي بطيئة، ولكنها تأخذ مجراها"، وفي هذا السياق فإن السياسة العسكرية للصين لا تعتمد على الأفكار التقليدية، لكنها تحاول البدء من حيث انتهى الآخرون، وذلك عبر التركيز على طائرات القيادة والتحكم والغواصات التي يصعب اقتفائها، كما يولي الصينيون اهتماماً فائقاً بغزو الفضاء، ويخططون لامتلاك (100) قمر صناعي بحلول عام 1010.

تحالف ثلاثي

وتعتمد الاستراتيجية العسكرية للصين على تقليص عدد القوات المسلحة والاعتماد على قوة عسكرية أصغر حجماً وأكثر تقنية وتسليحاً، وهو ما حدث بالفعل؛ إذ انخفض عدد الجيش الصيني من نحو ثلاثة ملايين جندي ليصبح حوالي (1.5) مليون جندي، كما تخلى الجيش الصيني في الأشهر الأخيرة عن الشركات والأذرع الاقتصادية المتشعبة التي كان يسيطر عليها، وذلك من أجل تعميق معيار الاحتراف والتخصص من جهة ولتقليل الفساد بين كبار الجنرالات من جهة أخرى؛ إذ كان للجيش في السابق أذرع اقتصادية متعددة تشمل مدارس، ودور نشر، ومنظمات فنية ورياضية، وفنادق.

هذا التوجه الصيني نحو تكوين جيش قادر على حماية المصالح الاقتصادية للبلاد أينما كانت، لا يمكن فصله عن قضية تايوان، فالتأكيد الصيني المتكرر بعدم اللجوء إلى القوة العسكرية لإعادة تايوان إلى الوطن الأم لا يمنع من امتلاك قوة ردع قادرة على مواجهة أي خطوة من جانب السلطة الحاكمة في تايوان للانفصال التام عن بكين، كما يدرك الصينيون جيداً أن أي مواجهة مع تايوان ستكون في حقيقتها معركة مع الولايات المتحدة نفسها، فالعتاد العسكري التي تزود به واشنطن الجيش التايواني يجعله كما لو كان جزءاً من الجيش الأمريكي نفسه، وهو ما يتطلب من الصين تحديث قدرات جيشها، ليس في المجالات الصاروخية والنووية فحسب، بل أيضاً فيما يتعلق بتقنيات الاتصال العسكرية المتطوّرة، في مجال المراقبة والتخطيط وتوجيه الضربات الصاروخية آلياً، عبر الليزر والتقنيات الرقمية.

وبدون التعمق كثيراً في "جغرافيا المصالح ومراكز القوى المتنافسة" في آسيا، فإنه يمكن ملاحظة تحالف ثلاثي تدعمه الولايات المتحدة للحد من نفوذ الصين، ويستهدف هذا التحالف المكون من: اليابان وكوريا الجنوبية والهند، منع بكين من توظيف صحوتها الاقتصادية في استعادة دورها التقليدي كقوة مركزية في المنطقة الآسيوية.

وفي المقابل فإن الصين تتحرك بخطوات متتالية نحو تعميق شراكتها الاستراتيجية مع روسيا، فالصين تُعدّ من أكبر زبائن الأسلحة الروسية، كما أن التبادل التجاري بين البلدين في تزايد مضطرد، وقد بلغ حجم التجارة بين البلدين في عام 2006 رقماً قياسياً وصل إلى (33.4) مليار دولار، وذلك بزيادة قدرها 15% عن العام السابق، كما تُعدّ روسيا ثامن أكبر شريك تجارى للصين، فيما تشكل الصين رابع أكبر شريك تجارى لروسيا.

الخطر الصيني

والتخوف الأمريكي من الصعود السريع لدور ونفوذ الصين أو ما بات يُعرف في دوائر واشنطن بـ "الخطر الصيني" لم يأت من فراغ، فالحقائق على الأرض والتوقعات المستقبلية تجعل من بكين قوة اقتصادية وبشرية لا يمكن لأحد أن يتجاهلها، فعلى مدى عقدين ونصف، كان الاقتصاد الصيني ينمو بمعدل يزيد على 9% سنوياً، وتضاعف حجمه بمقدار ثمانية أضعاف، وهو ما قفز به إلى المرتبة السادسة بين أكبر الاقتصاديات في العالم بعد كل من الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وتحتل بكين المرتبة الرابعة إذا ما تمت إضافة الناتج الإجمالي لهونج كونج إليها.

واجتذبت الصين في عام 2004 فقط استثماراً أجنبياً مباشراً قدره (526) مليار دولار، أي نحو (6 إلى 10) أضعاف نظيره في اليابان وكوريا الجنوبية، كما ارتفع الفائض التجاري للصين في عام 2006 بنسبة 74% بالمقارنة مع عام 2005 ليصل إلى 177.5 مليار دولار، وتجاوز احتياطي العملات الأجنبية مطلع عام 2007 حاجز التريليون دولار، ووفقاً لدراسة أجراها فريق من الخبراء، بتكليف وتمويل من شركة "شل" البترولية العملاقة، وتم عرضها في منتدى دافوس الأخير، فإن الناتج القومي الصيني مرشّح لأن يتجاوز نظيره الأمريكي، بحلول عام 2025، لتصبح الصين بذلك هي القوة الاقتصادية الأولى عالمياً، وهو ما يعني أن الناتج الإجمالي الصين والذي لم يكن يتجاوز 1% من الاقتصاد العالمي عام 1978 مرشح لأن يشكل أكثر من (30) من الاقتصاد العالمي بحلول عام 2025.

واستندت هذه الدراسة إلى معطيات ومؤشرات اقتصادية عدة، من أبرزها أن العامل الصيني يبلغ معدل تكلفته الشهرية (730) دولاراً فقط، ويحقق فائض قيمة اقتصادي مقداره (2900) دولار، أي أن مقدار الربح يبلغ (4) أضعاف التكلفة، بينما تصل تكلفة العامل الأمريكي (29) ألف دولار، مقابل فائض قيمة لا يتجاوز (81) ألف دولار، أي أن نسبة الربح لا تتعدى (2.8) ضعف من التكلفة.

وإذا كان الاقتصاديون ينظرون إلى معدل الاستهلاك بصفته مؤشراً هاماً لقياس النمو الاقتصادي للدول، فإن دراسة أعدها بنك (كريدى سويس) الدولي الذي يتخذ من سويسرا مقراً له توقعت أن تتقدم الصين على كل من اليابان وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا لتصبح ثاني أكبر سوق للبضائع الاستهلاكية في العالم بعد الولايات المتحدة بحلول عام 2015، كما أن الصين أصبحت بالفعل في عام 2004 ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن يزداد استهلاك الصين من النفط بنسبة 10% سنوياً.

مؤشرات مقلقة

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، إلا أن الصين تشهد أيضاً اتساعاً مثيراً للقلق في الفجوة بين الأغنياء والفقراء وبين معدلات التنمية في المقاطعات الساحلية والمقاطعات الداخلية وبين سكان المدن والمزارعين، وهو ما يهدد بحدوث قلاقل اجتماعية واضطرابات واسعة، وتشير التقديرات إلى أن الـ 10% الأكثر ثروة في الصين يمتلكون 40% من إجمالي الثروة فيما يتقاسم الـ 10% الأكثر فقراً أقل من 2 في المائة من إجمالي الثروة، وفي مقابل متوسط دخل سنوي بلغ (2263) دولار لسكان بكين فإن متوسط الدخل في مقاطعة تشينغهاي لم يتجاوز 1033 دولاراً، وتُعدّ الفجوة بين سكان المدن وسكان الريف هي الأكثر خطورة، فمتوسط دخل المزارعين في تشينغهاي سجل (277) دولاراً خلال 2005، وهو ما يعادل 25% فقط مما حققه سكان المدن في نفس المقاطعة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:إسلام اليوم