الذكاء الاجتماعي

 

ميسون عبد الرحمن النحلاوي

 

 

هل التواصل الذكي يرفع من مستوى ذكاءك الاجتماعي؟

ساكن الأرض الأول لم يكن فرداً... فعندما شاءت الإرادة الإلهية وحكمت بسكنى بني آدم الأرض كان ذلك بنزول سيدنا آدم وحواء إليها مجتمعان... نواة مجتمع إنساني...

وعندما نزلا، لم تكن الأرض جرداء فارغة، بل كانت تزخر بأنواع الحياة النباتية والحيوانية... مجتمعات من خلق الله...

وعندما خلق الله عز وجل الإنسان خلقه من جنس الأرض التي سيسكن فيها ويعمرها... من ماء وتراب...

علاقة مدهشة بين الإنسان والأرض لو تأملنا فيها... حال الأرض العطشى وحال الإنسان الظمئ...

علاقة الإنسان بمسقط رأسه... حنينه إليه، وكأنه يحن إلى أرض نبت فيها وترعرع، امتزج ماؤها وترابها وهواءها بكل خلية من خلايا جسمه... لا يمكن أن تجد إنساناً على وجه البسيطة لا يحب أن يرتبط بأرضه التي نشأ بها،ويحن للتواصل معها...

التواصل الإنساني:

التواصل الإنساني تاريخ ممتد من لدن آدم عليه السلام، لا ينقطع إلا بزوال الأرض ومن عليها، في أي مكان من العالم سكنت، وفي أي بيئة من البيئات نشأت، وأي نوع من الأفراد كنت، حياتك رهن قدرتك على التواصل مع عالمك الخارجي..

طفلاً... شاباً... يافعاً... شيخاً... رجلاً... امرأة ... موظفاً... رب عمل... قائداً... تابعاً... رجل أعمال... عامل... مديراً... إنساناً بسيطاً... مزارعا... راعياً... عالماً... متعلماً... أباً... أماً.... في الحضر، في البدو...  مهما تكن، طالما تتمتع بصبغتك الإنسانية التي كرمك الله بها فنجاحك وفشلك في الحياة رهن قدرتك على التكيف مع العالم الذي تعيش فيه.

يمكننا أن نتواصل مع كل ذرة من ذرات هذا الكون وبلا حدود...

والله عز وجل أكرمنا بأنواع من التواصل لا حدود لها، وجعل في داخلنا من القدرات التواصلية ما لو اطلعنا عليها لذهلنا... ففي أي مكان وجد الإنسان يمكنه أن ينشئ علاقة تواصل مع ما حوله حتى في حالات الصمت... التأمل... هو في تواصل مع الكون... مع معجزات الله في الكون... في حالات الركون إلى الذات هو في تواصل مع نفسه، وفي السراء والضراء، في كل لحظة في تواصل مع خالقه...

لغات التواصل:

ولغات التواصل متنوعة، فليست اللغة المحكية، وإن كانت أكثر لغات التواصل وضوحاً وسهولة بين بني البشر،  هي اللغة الوحيدة التي يتواصل بها الإنسان مع عالمه الخارجي، لغة الجسد أيضاً من لغات التواصل الإنساني التي كثر الحديث حولها والتي يرى الخبراء أنها تشكل أكثر من 93% من لغة التواصل الحقيقية.

سخر الله لنا الكون بكل ما فيه من عناصر روحانية وخلق فينا جهاز استقبال وإرسال لهذا النوع من التواصل فريد... بل مذهل!

هناك لغة تواصل قد تكون أكثر لغات التواصل تأثيراً على الإنسان وهي اللغة الروحانية، لغة المشاعر والأحاسيس... فكما سخر لنا الله  الكون بكل ما فيه من موارد مادية، سخره لنا بكل ما فيه من عناصر روحانية وخلق فينا جهاز استقبال وإرسال لهذا النوع من التواصل فريد... بل مذهل! إلا أن هذه اللغة يتفاوت الناس في درجة فهمهم لها، فمنهم من يستطيع قراءتها بسهولة، ومنهم من يجد في فهمها صعوبة، ومنهم من تتعذر عليه... فتستغلق...! هذا النوع من التواصل يتطلب نوع من المهارات لا يمتلكها الكثيرون...

التواصل مفهوم واسع.... واسع جداً... جداً... يمكننا أن نتواصل مع كل ذرة من ذرات هذا الكون وبلا حدود...

الذكاء الاجتماعي:

يمكن أن نعرّف الذكاء الاجتماعي على أنه "قدرتك على تحقيق تواصل ناجح مع العالم الخارجي وعالمك الداخلي على أن لا تدع فرصة تمر أمامك دون أن تستثمرها في عملية تواصل".

حتى لو كنت حبيساً، لا تسمح لمفهوم الانعزال بالتمكن منك.

قنوات التواصل لا تنتهي، فمهما ضاق الطيف فلا بد من وجود مساحة يمكنك التحرك من خلالها. كيف؟ من خلال دوائر التواصل المتنوعة.

لنلق معاً نظرة سريعة على دوائر الاتصال.

دوائر الاتصال:

1) خالقنا الله عز وجل.

2) الكون (التفكّر والتأمل).

3)  مخلوقات الله.

4)  النفس.

5)  الآخر.

وبالرغم من أن تحقيق تواصل ناجح بشكل عام ليس بالأمر البسيط أو السهل، إلا أنه أيضاً ليس عسيراً على من يحاول إتقانه، فالبعض يرى إتقانه فناً، والبعض يراه علماً، وأنا شخصياً أراه "ذكاءً".

في موضوعنا "الذكاء الاجتماعي" مجال بحثنا التواصل الإنساني، وكيف يمكن أن يحقق الفرد نسبة عالية من الذكاء الاجتماعي من خلال إتقانه للتواصل الجيد.

لماذا أتواصل مع الآخر؟

في الحقيقة الإنسان دون علاقات اجتماعية ميت يمشي على الأرض... التواصل يعني الحياة، فإن كان ناجحاً كانت حياة سعيدة...  ونحن نريده ناجحاً ونريد حياة سعيدة...

نبدأ مع الدوافع الإنسانية الإيجابية للتواصل :

- التشارك بالمعرفة.

- اكتشاف الذات.

- التعرف إلى الآخر.

- المساهمة في بناء مجتمع سليم.

- تحقيق الأهداف.

- تداول الأفكار.

- اكتساب الخبرات.

........

 أولاً التشارك بالمعرفة:

 مهما بلغ الإنسان من رتبة علمية ومعرفية، فإن معرفته هذه إلى نضوب ما لم يتشارك بها مع الآخرين، بل إنها تصبح جوفاء لا معنى لها إذا ما بقيت حبيسة صدر صاحبها لها كالكنز الصدئ، والعكس صحيح.

فكما أن الفرد يحتاج إلى تصدير معرفته، يحتاج إلى رفدها بمعارف الآخرين وعلومهم... حكمة الكبار، علم العلماء، مشاركة الزملاء، نصائح القادة.... بل وربما تصلك معلومة من طفل صغير تُذهل لغيابها عنك!

لا تستهن بأي نوع من أنواع المعرفة من أي مصدر جاءتك. طبعاً نحن لا نقول أن "تتقبل" أي نوع من أنواع المعرفة، ولكن أن تحصل عليها، ثم تحاكمها على محك مبادئك، وهذا طبعاً موضوع آخر له بحثه الخاص.

إثراء المعرفة إذاً يعتبر واحداً من أهم نتائج التواصل الإنساني.

أنت تبدأ بتكوين إرثك الثقافي والمعرفي والمهني من خلال الكتب والمراجع العلمية والمحاضرات والندوات، ولكنك في الحقيقة لا تُراكمه إلا من خلال التواصل الحي والممارسة العملية لهذا الإرث.

جميع العلوم النظرية تبقى رهن النسيان ما لم يتم تفعيلها؛ وهذا ما سيؤول إليه إرثك المعرفي ما لم تُفعّل ما تعلمته وتنخرط في تطبيقه.

فماذا يفيد أن تتعلم الإدارة وأنت جالس في غرفتك بين الكتب والمراجع؟ جميع العلوم النظرية تبقى رهن النسيان ما لم يتم تفعيلها؛ وهذا ما سيؤول إليه إرثك المعرفي ما لم تُفعّل ما تعلمته وتنخرط في تطبيقه سواء ضمن مجتمعك الداخلي -مع أفراد عائلتك أو أصدقائك – أو مجتمعك الخارجي: زملائك في العمل أو عمالك أو موظفيك (إن كنت رجل أعمال)، حتى مع نفسك، نفسك التي من حقها عليك أن تكون أول المستفيدة من علومك ومعرفتك. من الذكاء بمكان أن تحاول تطويع ما حولك واستثماره في تطبيق وممارسة علومك التي تتعلمها. والمحاولات المتكررة، وإن كانت نتائجها تأتي متواضعة في كل مرة، ستشحذ قدراتك فلا تلبث أن تجد نفسك وقد أصبحت إنساناً متمكناً...

كيف أكون ذكياً في تواصلي المعرفي؟

التراكم المعرفي لا يكون إلا من خلال التطبيق العملي للعلوم النظرية والتي تتطلب بالضرورة التواصل الحي المباشر مع الآخر.

عندما تكون في طريقك نحو تحقيق التراكم المعرفي عن طريق التواصل العملي المباشر، ستعترضك العديد من المتاعب التي تغنيك عنها جلستك مع الكتاب أو المرجع.

فأنت في حوار إما مع مجموعة أو مع فرد وفي كلتا الحالتين أنت طرف والآخر طرف، والعملية تفاعلية، لا يمكن أن تتكلم ويبقى الآخر صامتاً والعكس بالعكس، كما لا يمكن أن تصدر منك إيماءة لا يتأثر منها الآخر، بمعنى أنك يجب أن تكون مهيئاً لأفعال وردود أفعال.