منتدى الدول المصدرة للغاز يعزّز التنسيق وإن لم يستجب اقتراح إيران «أوبك» ثانية

 

 

سامر يوسف

 

اكتسب الغاز الطبيعي أهمية متزايدة في السنوات الأخيرة كونه مصدراً نظيفاً للطاقة ويتمتع بكفاءة عالية، وهو ثاني أكبر مصدر أولي للطاقة بعد الفحم في العالم. ومن المتوقع ان يستحوذ زهاء 27 في المئة من الاستهلاك العالمي للطاقة في حلول عام 2030، وشاع في السنوات الأخيرة استخدامه في توليد الطاقة الكهربائية. وبحسب وكالة الطاقة الدولية، ستزيد استخدامات الغاز لإنتاج الطاقة الكهربائية في حلول عام 2010 عن 21 في المئة من مجموع حجم الطاقة الكهربائية المستهلكة في العالم، لترتفع هذه النسبة إلى اكثر من 24 في المئة عام 2030، ما يجعل الاحتياطات الحالية المقدرة بنحو 180 تريليون متر مكعب تكفي لـ 65 سنة فقط بسبب زيادة استهلاك الغاز بمعدل 2.5 في المئة سنوياً.

وليس غريباً والحال كهذه ان تثير استضافة الدوحة أعمال المنتدى الخامس للدول المصدرة للغاز مخاوف أوروبية وأميركية كبيرة من احتمال تأسيس تجمع لمنتجي الغاز الكبار في العالم على غرار منظمة «أوبك»، خصوصاً ان المنتدى يضم 15 دولة باحتياط من الغاز يقارب 73 في المئة من الاحتياط العالمي، وتنتج هذه الدول زهاء 41 في المئة من الغاز المنتج في العالم. وزاد من المخاوف الغربية ان أكبر ثلاث دول في حجم الاحتياط، هي روسيا التي تملك 27 في المئة من الاحتياط العالمي وإيران 15 في المئة وقطر 14 في المئة، أبدت اهتماماً واضحاً بهذا المؤتمر، واستبقته بمشاورات مع كبار المنتجين الآخرين.

ولم تهدأ المخاوف الغربية من احتمال إنشاء تكتل للدول المصدرة للغاز على رغم تأكيدات وزير الطاقة القطري عبدالله العطية ان المنتدى الوزاري للدول المصدرة للغاز سيبحث مواضيع التنسيق والتعاون بين الدول المنتجة للغاز، خصوصاً في مجال تطوير صناعة الغاز الطبيعي، من دون التطرق إلى إنشاء أي تكتلات، معتبراً انه «لا حاجة له»، وأن مسألة الغاز أعقد بكثير من النفط ذلك ان عقود الغاز توقع سنوات طويلة. وأثارت دعوة إيران السنة الماضية إلى تشكيل تكتل على غرار «أوبك» غضب المستهلكين الكبار، سيما أنها لاقت استحساناً روسياً وقطرياً وجزائرياً ووعوداً بمناقشة هذا المقترح. واعتبر البعض أنها تملك آفاقاً رحبة.

وأجَّج التنسيق المتزايد بين أكبر منتجي الغاز مخاوف الأوروبيين الذين يستوردون نحو 40 في المئة من إجمال استهلاكهم من شركتي «غازبروم» الروسية و»سوناطراك» الجزائرية، (يمكن ان تزداد هذه النسبة مع انخفاض إنتاج حقول بحر الشمال)، خصوصاً ان زيارات المسؤولين الروس إلى الجزائر نهاية السنة الماضية، أسفرت عن توقيع عملاق الغاز الروسي «غازبروم» مذكرة تفاهم مع «سوناطراك» تنظم تعاون الشركتين في مجالات التنقيب والإنتاج وتعزز تنسيق الجهود المشتركة في الأسواق الخارجية.

ولفتت زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى قطر في شباط ( فبراير) الماضي انتباه خبراء الاقتصاد الذين اعتبروا أنها تأتي في سياق تحضيري لإنشاء تجمع لمنتجي الغاز. ولم يخف الرئيس الروسي خلال مناقشاته مع أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة السعي إلى توثيق التعاون بين البلدان المنتجة للغاز على رغم الشكوك في قدرة تجمع للغاز من لعب دور أساس في التأثير في الأسعار. لكن الزعيمين أكدا ان المشاورات ستستمر على مستوى الشركات والخبراء، واتفقا على منح الخبراء والمتخصصين الوقت الكافي لدراسة الفكرة بعمق واتخاذ القرارات المناسبة.

ويبدو ان التحرك في هذا الاتجاه بدأ يتخذ بعداً عملياً في قطر، وظهر ذلك في إعلان الدوحة عزمها افتتاح بورصة متخصصة ببيع الغاز المسال في نهاية السنة. وهذا الإعلان أقلق بدوره كبار مستهلكي الغاز وزاد المخاوف من احتمال زيادة الأسعار. وجاء إعلان «غازبروم» الروسية حول إمكان طرح بعض إنتاجها للبيع في هذه البورصة، ليصل بقلق معارضي الفكرة إلى ذروته، علماً ان الشركة الروسية أوفدت خبراء على مستوى رفيع إلى قطر منتصف الشهر الماضي لبحث تفاصيل هذا الملف.

والأكيد ان التطورات الجارية داخل روسيا تحمل بدورها مؤشرات إلى جدية التحرك في هذا الاتجاه. فعملاق الغاز الروسي تمكن أخيراً من فرض سيطرته على حصة قابضة في مشروع «سخالين 2» الذي يتضمن بناء أول وأكبر مصنع للغاز المسال من المتوقع ان ينتج 4.8 مليون طن سنوياً، وهذا يعد في كل المقاييس رقماً مذهلاً. إضافة إلى ذلك احتكرت «غازبروم» حقل «شتوكمان» في شمال روسيا وأعلنت عن تخصيص جزء من إنتاجه لتسييل الغاز في مصنع بالقرب من مدينة سان بطرسبورغ بطاقة تقارب مليون طن سنوياً.

ويرى خبراء اقتصاد روس ان التوسع في بناء مصانع تسييل الغاز يمنح روسيا ومنتجي الغاز فرصاً أكبر للتحكم بالأسعار، خصوصاً إذا استُغل التطور التقني في نقل الغاز بناقلات وغيرها، واستُغل الطلب المتزايد على الغاز المسال. فقد توقعت دراسات ان ينمو الطلب في الولايات المتحدة وحدها في عام 2015 إلى 130 مليون طن سنوياً ما يزيد عن إجمال حجم الإنتاج الحالي من الغاز المسال في العالم كله. إضافة إلى ان إنتاج الغاز المسال يوفر حلولاً لنقل الغاز من دون الخضوع إلى «ابتزاز» دول الترانزيت، سيما ان الأزمات المتعاقبة بين روسيا وجاراتها من الجمهوريات السوفياتية السابقة أدت إلى قطع الإمدادات الروسية عن أوروبا في السنتين الماضيتين اكثر من مرة.

ومع ان الخبراء يعتقدون بأن فكرة «أوبك للغاز»، وهي مقترح إيراني أصلاً، صعبة المنال في السنوات الـ 20 المقبلة لأن نسبة لا يستهان بها من احتياطات الغاز ستبقى موزعة في أنحاء عدة من العالم، يبقى ان التعاون في مشاريع التنقيب عن الغاز واستغلاله، والتعاون في بناء مصانع الغاز المسال، وإيجاد تقنيات جديدة لنقله، وتنسيق عمل هذه الدول وشركاتها يمكن ان تجعل منتدى الغاز الذي أسس عام 2001 أكثر فاعلية، ويساهم في تحقيق أرباح أكبر لأعضائه هي في أشد الحاجة إليها لمواصلة الاستثمار في مشاريع الطاقة والبنية التحتية الأساسية.

وهذا الوضع ربما يفتح الطريق إلى إيجاد حلول مستقبلية للمسائل التي تعقد الوصول إلى تكتل غاز على غرار «أوبك». فالتطور التقني في السنوات الأخيرة والبناء عليه في إنشاء مصانع لتسييل الغاز قد يساهم في فرض آليات ومعايير جديدة للبيع. وأغلب الظن ان التنسيق المتزايد حالياً سيساهم في تقارب دول المنتدى وزيادة أرباحها وبالتالي زيادة نفوذها المالي والسياسي.

ويبقى قرار إنشاء «أوبك للغاز» في حاجة إلى إرادة سياسية، خصوصاً من قبل الدول الثلاث المؤثرة في القرار، وهي روسيا وقطر، بالإضافة إلى إيران التي اقترحت الفكرة، وروجت لها بين دول أميركا اللاتينية. وللمناسبة شكلت هذه الدول أخيراً تكتل «أوباغازوس» الذي يضم منتجي الغاز في الدول التي تشكل «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة. وهذا يفسر الوجه الآخر للقلق الأميركي من الخطوات المتخذة على طريق تنشيط التنسيق بين منتجي الغاز.

من الصعب تخيل ان يقر منتدى الدوحة خطوات عملية للشروع في تنفيذ فكرة « أوبك للغاز»، ولكنه من دون أدنى شك سيرفع من درجة التنسيق بين الدول المنتجة ويدفع كبار المنتجين إلى الإسراع في البحث عن مصادر بديلة للطاقة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-9-4-2007