"الجمهوريون" والفشل في مواجهة تفاوتات أميركا الاجتماعية

 

بول كروغمان

 

لدي نظرية بخصوص شطط إدارة بوش في استعمال السلطة التي بدأت اليوم تتضح وتتكشف أخيراً. ففي نهاية المطاف، أعتقد أن مرد ذلك إلى اللامساواة من حيث الأجور. دعوني أشرح لكم: فعندما وصل "رونالد ريجان" إلى البيت الأبيض في 1980، كانت الأفكار المحافظة تروق للكثير من الأميركيين، بل أغلبهم. ووقتها، كُنا حقاً بلد طبقة وسطى. فبالنسبة للناخبين البيض على الأقل، بدت المظاهر القديمة للتفاوت واللامساواة الاجتماعية، التي منحت "الليبرالية" في الأصل بريقَها وجاذبيتها، أمراً من الماضي البعيد. وكان من السهل في تلك المرحلة إقناع الكثير من الناخبين بأن "الحكومة الكبيرة" هي عدوهم، وبأنهم يدفعون الضرائب من أجل توفير برامج اجتماعية للآخرين.

غير أنه منذ ذلك الوقت، سرعان ما أصبحنا مرة أخرى مجتمعاً يسوده تفاوت اجتماعي كبير؛ إذ لم يرتفع متوسط الدخل سوى بـ17 في المئة منذ 1980، بينما تضاعف دخل الأغنياء الذين يمثلون 0.1 في المئة من السكان أربع مرات. ونتيجة لذلك، فإن الهوة بين الأغنياء والطبقة الوسطى اليوم كبيرة، مثلما كان عليه الحال في عقد العشرينيات.

وعلاوة على ذلك، فالناخبون يدركون أن المجتمع قد تغير؛ وهم قد لا يدققون النظر في جداول توزيع الدخل، ولكنهم يعلمون أن أغنياء اليوم يبنون لأنفسهم قصوراً أكبر من تلك التي كان يمتلكها أغنياء ذلك الوقت. وقد لا يطلعون على إحصائيات العمال، ولكنهم يعلمون أن الأجور تراوح مكانها. وعلاوة على ذلك، فقد كشف "مركز بيو للبحوث" أن 59 في المئة من العمال الأميركيين يعتقدون أن عيش حياةٍ كريمة اليوم، هو أصعب مما كان عليه الحال قبل عشرين أو ثلاثين عاماً.

ويوقن المرء أن تفاقم حالة اللامساواة أصبح موضوعاً سياسياً عندما يعترف الرئيس بوش شخصياً، مثلما فعل في يناير الماضي، بأن "بعض مواطنينا يساورهم القلق إزاء حقيقة أن اقتصادنا الدينامي يترك الأشخاص العاملين في الخلف".

والحال أن "جمهوريي" اليوم لا يستطيعون الرد على تفاقم اللامساواة الاجتماعية، لأن نشطاءهم لن يدعوهم بكل بساطة يقومون بذلك. ولابد أن الكثيرين لاحظوا ذلك الجمعة والسبت الماضيين، عندما سافر جميع المرشحين الرئاسيين "الجمهوريين" تقريبا إلى "بالم بيتش" لتقديم فروض الطاعة لـ"نادي النمو"، وهي مجموعة ضغط تدافع عن خفض الضرائب وعمليات الخصخصة.

والواقع أن تمسك الحزب "الجمهوري" بأيديولوجيا عفا عليها الزمن، يتسبب له في جملة من المشاكل على اعتبار أنه لا يستطيع تقديم سياسات داخلية تستجيب لحاجيات الجمهور الحقيقية. وبالتالي، فكيف يمكنه الفوز في الانتخابات؟

الجواب يكمن في المزاوجة بين "تشتيت الانتباه" و"الحرمان من التصويت"؛ ذلك أن الهجمات الإرهابية للحادي عشر من سبتمبر شكلت هدية من السماء لـ"الجمهوريين" لتشتيت انتباه الرأي العام. فقبل تلك الأحداث، كان استياء وتذمر الجمهور في ارتفاع مضطرد بعد أن أدرك أن بوش ليس بالمعتدل الذي سعى إلى تقديم نفسِه للأميركيين في صورته في انتخابات 2000. وبدلاً من مناظرة "الديمقراطيين" ومجادلتهم حول الموضوع، اتهم "الجمهوريون" غرماءهم بالتراخي بشأن الإرهاب. ومن منا لا يتذكر حالة الاستنفار، التي أُعلنت بعيد المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي في 2004، تحسباً لهجوم إرهابي محتمل بناءً على معلومات قديمة غير أكيدة؟

بيد أن تشتيت الانتباه لا يمكن أن يذهب إلى أبعد من هذا الحد. وبالتالي، فالوسيلة الأخرى التي تم اللجوء إليها كانت هي "الحرمان من التصويت"، أي إيجاد طرق تجعل الفقراء، الذين يميلون عادة إلى التصويت على الحزب الذي يستطيع فعلاً القيام بشيء حيال اللامساواة، خارج مكاتب الاقتراع. ولنتذكرْ أن الحرمان من التصويت، مثلما حدث في حادثة فلوريدا الانتخابية عام 2000 حين حُذفت أسماء العديد من الناخبين الشرعيين من القوائم الانتخابية، هو الذي وضع بوش في البيت الأبيض أصلاً. وعلاوة على ذلك، فيبدو أن الحرمان من التصويت كان أيضاً هدفَ كثيرٍ من الجهود التي رمت إلى تسييس وزارة العدل.

فقد تعرض العديد من النواب العامين المقالين لضغوط كثيرة من أجل توجيه اتهامات للبعض بالتزوير. وفي هذا السياق، يقول موظفون سابقون في قسم الحقوق المدنية التابع لوزارة العدل إنهم كثيراً ما كان يتم تجاهلهم عندما كانوا يعترضون على أعمال "الجمهوريين" من قبيل "قانون هوية الناخب" في ولاية جورجيا، وفكرة إعادة التقطيع الإداري في ولاية تكساس لصاحبها "توم ديلي" (النائب الجمهوري من تكساس)، والتي يقولون إن من شأنها حرمان كثير من الناخبين الأميركيين من أصل أفريقي من التصويت.

بيد أن الخبر السار يتمثل في أن كل حالات شطط الحزب "الجمهوري" في استعمال السلطة لم تكن كافية لتمكينه من الفوز خلال العام الماضي في انتخابات التجديد النصفي بالكونجرس، وربما تكون 2008 سنة أصعب بالنسبة لـ"الجمهوريين"، لأن "الديمقراطيين"– الذين أمضوا معظم سنوات كلينتون في السعي إلى طمأنة الأغنياء والشركات بأنهم ليسوا شعبويين- يدركون في ما يبدو أن الظروف قد تغيرت اليوم.

قبل أسبوع على تقاطر المرشحين "الجمهوريين" على "بالم بيتش" ليتعهدوا بخفض الضرائب، كان "الديمقراطيون" قد اجتمعوا بينهم للإعلان عن التزامهم بالرعاية الصحية الشاملة. والواقع أنه من الصعب رؤية ما يمكن للحزب "الجمهوري" أن يقدمه رداً على ذلك.

*كاتب ومحلل سياسي أميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز" -4-4-2007