آسيا الوسطى... ساحة لصراعات "الكبار" على النفط

 

فريد وير

 

 

هنا في مطار "دوشانبي" عاصمة طاجيكستان، تربض الطائرات العسكرية الفرنسية بألوانها الزاهية الثلاثة (الأبيض والأحمر والأزرق) فوق المدرجات، في تناقض تام مع الصورة المترائية خلف المطار والتي تؤثثها الجبال الشاهقة المكسوة بالثلوج. وعلى بعد أميال قليلة فقط عن المطار، يعكف المهندسون الهنود على إعادة بناء مدرج للطائرات كان تابعاً للاتحاد السوفييتي السابق. أما روسيا فتحتفظ لنفسها في وسط طاجيكستان بفرقة مدرعة من المشاة تضم 10 آلاف رجل، بينما تقوم الولايات المتحدة بتدريب القوات الطاجيكية على تقنيات محاربة الإرهاب. ويبدو أن جميع تلك القوى قد انخرطت مجدداً في لعبة تشبه تلك التي عرفها القرن التاسع عشر وسميت بـ"اللعبة الكبرى" لما شهدته من صراع محتدم بين الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية لاكتساب الأرض ومناطق النفوذ وسط صحاري آسيا الوسطى الممتدة، وقمم جبالها الشاهقة.

تكمن الجائزة الكبرى في هذه الجولة من التنافس المنبعث مجدداً من الأنقاض في السيطرة على خطوط نقل النفط التي ستزود الأسواق بحوالى 5% من إمدادات العالم المتناقصة من النفط. لكن ما يميز الصراع الحالي هو تعدد اللاعبين الدوليين المنخرطين في اللعبة الجديدة التي تهدف إلى اكتساب النفوذ في منطقة آسيا الوسطى الاستراتيجية ليتوزع بين الولايات المتحدة والصين وفرنسا والهند، فضلاً عن دول المنطقة المنبثقة عن الاتحاد السوفييتي السابق. ونتيجة لهذا الصراع بين القوى الكبرى طفت المشاكل المحلية التي كانت قاصرة على المنطقة مثل الحكومات الديكتاتورية، وصعود الحركات الإسلامية، فضلاً عن توسع رقعة الاتجار بالمخدرات... إلى السطح حيث أخذت أبعاداً دولية بعدما كانت منحصرة في المنطقة. وفي هذا الإطار يقول "ديميتري سوسلوف"، وهو خبير في مجلس سياسة الدفاع والخارجية المستقل بموسكو: "إن اللعبة الجارية حالياً في منطقة آسيا الوسطى هي تنافس محموم بين القوى الدولية، لكن الجديد في هذا الصراع هو انخراط دول المنطقة نفسها في لعبة البحث عن النفوذ، مستغلة التناقضات بين روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والصين لمصالحها الخاصة، وهو ما يعقد الوضع أكثر".

وليست طاجيكستان وحدها التي ترفرف على أرضها أعلام القوى الكبرى، لاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر وتركيز الانتباه على أخطار الدول الفاشلة في زعزعة استقرار المنطقة، بل تنضم إليها أيضاً جارتها قرغيزستان، بعدما أصبح مطار "ماناس" الدولي يضج بالطائرات الأميركية، فضلاً عن مقاتلات "سوخوي" الروسية التي تنطلق من قاعدتها القريبة في "كانط". أما الصين فهي ترقب بعناية قواتها العسكرية المتواجدة هناك، بالإضافة إلى القوات الألمانية التي يصل عددها نحو 300 رجل. وإلى ذلك سيلتقي هذه الأيام وفد من الاتحاد الأوروبي، بقيادة وزير الخارجية الألماني "شتاينماير"، مع وزراء خارجية دول آسيا الوسطى في العاصمة الكازاخية "أستانا" لمناقشة سبل تعزيز العلاقات بين تلك الدول والاتحاد الأوروبي. ويأتي هذا اللقاء في ظل مساعي الاتحاد الأوروبي الرامية إلى تعميق العلاقات بينه وبين دول المنطقة في مجال الطاقة، بهدف التخفيف من اعتماد الدول الأوروبية المفرط على الإمدادات الروسية.

ويبدو أن المساعي الأوروبية في هذا المجال، تلتقي مع الأهداف الأميركية في المنطقة والتي تريد تحجيم الدور الروسي. يوضح هذا الأمر "إيفان سافرانشوك"، مدير معهد الأمن العالمي في موسكو، قائلاً: "مازالت دول آسيا الوسطى عالقة في شبكة خطوط الأنابيب الروسية، وعليها أن تبيع ما تنتجه من نفط إلى الأسواق العالمية وفق الشروط الروسية. لذا فالفكرة الغربية تقول إن سيادة تلك الدول مرهونة بالتحكم في مواردها النفطية". وليس غريباً في هذا الإطار أن تدعم الولايات المتحدة خط الأنابيب "باكو- جيهان" الذي افتتح مؤخراً بتكلفة تصل أربعة مليارات دولار وينقل النفط في منطقة القوقاز إلى الغرب دون مشاركة روسية. ويقول "ديميتيري سوسلوف" إن واشنطن تضغط على كازاخستان الغنية بالنفط للانفكاك من الهيمنة الروسية والانخراط في شبكة "باكو- جيهان". أما الصين فقد تمكنت مؤخراً من شراء شركة نفط كازاخية، كما أنها مدت في عام 2005 خط أنابيب ينقل النفط مباشرة من كازاخستان إلى الصين، ومن المتوقع أن توسع بكين خط الأنابيب بحول عام 2011 لإيصال نفط القوقاز إلى مناطقها الشرقية.

لكن المنطقة الغنية بمواردها لا تخلو من اضطرابات تهدد استقرارها، فقد شهدت قرغيزستان قبل سنتين ثورة انتهت بالإطاحة برئيسها "عسكر آكاييف"، ومنذ ذلك الحين والدولة الجبلية الصغيرة غارقة في الاضطرابات. ولم يمر أسبوعان بعد ذلك حتى شهدت أوزبكستان تمرداً إسلامياً أخمدته قوات الرجل القوي في البلاد "إسلام كريموف". هذه القلاقل وغيرها دقت ناقوس الخطر لما ينتظر المنطقة من تهديدات تتمثل في عدم الاستقرار وانتشار الفوضى. وفي هذا السياق تقول "إيرينا زفيجيلسكايا"، الخبيرة في شؤون المنطقة بمعهد موسكو للدراسات الشرقية، إن تلك البلدان "تتميز بالضعف وعدم القدرة على توفير الخدمات الاجتماعية والعدالة لمواطنيها، وهنا يتدخل الإسلاميون لملء الفراغ، بما يطرحه ذلك من تحدٍّ للاستقرار في المنطقة على المدى البعيد". ولمواجهة التوسع الإسلامي في المنطقة قامت السلطات الأمنية في بلدان آسيا الوسطى باعتقال أعضاء "حزب التحرير" المحظور في عدد من دول المنطقة طيلة العامين الماضيين. ويقول الخبراء إن ذلك الحزب الذي يدعو إلى إقامة خلافة إسلامية ينشط بكثافة في دول المنطقة التي تشهد تنوعاً عرقياً، وفقراً مدقعاً.

غير أن بعض المراقبين يلقون باللوم على الغرب ويحمِّلونه مسؤولية إذكاء شرارة التيارات الإسلامية الراديكالية في المنطقة بسبب عملياتها العسكرية في أفغانستان والعراق. ويعضد هذا التصور "سايمودين دوستوف"، مدير مركز الديمقراطية والتقدم الوطني في طاجيكستان بقوله: "إن الشعوب التي تعتبر الإسلام هويتها الأولى تجد نفسها في صراع مع القوات المحتلة لبلادها، وهو ما يقوي تلك الهوية ويعززها أكثر".

* مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في طاجيكستان

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-29-3-2007