قانون النفط و فوضى العنف والديمقراطية

 

د. مهند البراك

 

 

وبين مواقف واضحة من مدى منطقية ماجرى ويجري، وتساؤلات لم تنقطع حول، هل يمكن بناء ديمقراطية ومؤسسات ديمقراطية من دون اساس اقتصادي ـ اجتماعي يؤسس لها (للديمقراطية) ويحتاجها ويحميها، فالمؤسسات الدستورية في نموذجي اليابان والمانيا الاتحادية اللذين كانا يلوّح بهما، بل وفي الولايات المتحدة الأميركية ذاتها واوروبا الغربية، وقفت وتقف خلفها مصالح اقتصادية وفئات وطبقات ومؤسسات تتفق وتتعارض وتتوافق ولاتتوافق، على اساس مصالحها ودوائرها المعلنة . . في عمليات معقدة فشلت ونجحت ونحتت وتوافقت . . استغرقت عقوداً طويلة من الزمان . من جهة اخرى ولأسباب كثيرة التنوع تمحورت على الرغبة الحارقة للعراقيين شيباً وشباناً، رجالاً ونساء بالعيش الكريم وبسلام، ومن اجل حقهم كسائر البشر بالحياة وبقدر معقول من الحرية بعيداً عن شبح الفقر والجوع والموت . . شارك الشعب في الانتخابات رغم الثغرات متحديا الموت والارهاب، بعد ان تصورت قطاعات واسعة وصُوّر لها بانها نهاية حكم المعاصي والآلام، لأن الدكتاتورية سقطت، فماذا بعد ؟!

والآن وبعد مرور اربع سنوات على سقوط الدكتاتورية والمباشرة بـ (بناء الديمقراطية) . . تستمر البلاد بالغرق في العنف رغم محاولات المخلصين لبناء الأمل ومحاولة واعادة محاولة رسمه بجهود متنوعة . . . في مواجهة دوائر متنوعة خبيرة : دولية نفطية، عسكرية، ستراتيجية، اميركية واقليمية ايرانية وعربية وغيرها وامتداداتها الداخلية بسبب (الفراغ)، لتؤدي الى تحول راية الأدارة الأميركية في العراق من راية " الديمقراطية " الى راية " الأستقرار” .

وفيما يرى قسم في ذلك التحوّل براءةً، لأن الاستقرار هو الأمل وهو حلم العراقيين الذين توالت وتصاعدت المصائب عليهم بلا رادع وبلا حدود، واستمر ويستمر الهروب والهجرات المليونية منه للخارج وصار للداخل ايضاً بـ (تهم)* تعود لآباء الآباء والأجداد . . بسقف او بخيمة او بدونهما، بعدم تعرّض او بدونه، بلا جنسية او جواز ولاوثيقة سفر !

ويرى كثيرون ان ذلك التحوّل يعكس عنواناً لعمل او لتراكمات يمكن ان تسدد ضربة كبيرة للمؤسسات الدستورية التي جاءت حصيلة الانتخابات، لأنها لاتزال مؤسسات هشة ان صحّ التعبير حتى الآن، حيث لاتسندها مؤسسات ومصالح اقتصادية ـ اجتماعية ثابتة او تسير نحو الثبات، بقدر ماتسند مفاصلها المهمة بالحساب النهائي الى الآن وبشكل مباشر وغير مباشر، على بنادق ومتفجرات ميليشيات متنوعة، محلية الطابع اواقليمية ودولية، ومردودات النهب والأستحواذ والسوق السوداء والجوار، معززة منطق العنف والتهديد او مساهمة بفاعلية فيه كما تكشّف ويتكشّف اضافة الى ضعف تأثيرها في الواقع وبالتالي ضعف جدواها على الصعيد الشعبي، وعلى لسان مسؤولين بارزين فيها ان لم يكونوا ابرزهم في عدد من القوائم البرلمانية، في تعبير عن واقع تؤكده الوف الأحداث المكررة، والنابعة ليس من ضعف وقلة خبرة الممارسة الديمقراطية، او من (وحشية وبدائية شعبنا) كما يعتقد البعض او بسبب ضعف الوعي والثقافة ليعوّل بعض آخر على ان الحلول تكمن بالتثقيف فقط ـ على اهميته ـ ، وبتمدين اهلنا وناسنا.ان شعبنا ومنذ عقود، ضحية لقوى متنفذة دوليا واقليمياً، رسمت ومهّدت ودعمت حكّاماً حكموه جسماً وعقلاً ووعياً ومصيراً . . حكّاماً خدموا مصالحها على حساب قضية الشعب العراقي بكل اطيافه السياسية والقومية والدينية وطوائفه، وعلى حساب وحدته وطموحه ككل الشعوب الى حياة افضل . . بالقمع والتهريج وبالخطط الأنفجارية والأحلام الوردية والوعود، وباعاقة جهوده ودون دعم او مساعدة جادة للجهود العراقية المخلصة الرامية الى وضع اسس  لارجعة عنها نحو تحقيق خطوات ثابتة على طريق الرفاه وشيء من السعادة للبلاد فابتلت البلاد بمشاريع ناقصة (على النصف)، وبمشاريع اللحظة الأخيرة، وكانت تنقصها الأسس الصحيحة او جزء منها بتقدير خبرائها ذاتهم، او كاملة على الورق ولكن تنقصها الخبرة الضرورية للتنفيذ ولوضعها موضع التنفيذ الناجح . . وان توفركل ماسبق ذكره، يبرز النقص في غياب التشريعات القانونية او الجهاز الذي لديه الصلاحية للتنفيذ ! او كونها تطرح في ظروف مرّت وتمر بها البلاد، لاتساعد التنفيذ الناجح لها . . وان تحقق ذلك داخليا فانه يتعرض الى معوقات اقليمية او دولية قد (تقلب الطاولة كلها) بوجه المشاركين .

ان النتائج المخيّبة للمشاريع العظمى كثيرة الثغرات آنفة الذكر، تسببت بتوهانات وضياعات وبمشاعر تنوعت بين السخط والقلق وضعف الثقة بالنفس، وبين اشاعة الروح العدمية والتوجه الى الخالق الجبار والى من يركب تلك الموجات . . لاتزال تلك النتائج وللأسف تلقي بظلالها على تقديرات ومواقف ومعنويات العديد من القادرين على المساهمة وعلى النجاح فيها .  ففيما يرى قسم، ان التوقف على قضية الثروة النفطية العراقية الآن وطرح مشروع قانون النفط امراً صحيّاً لأنه يأتي في موعده كاستحقاق دستوري . . يرى قسم اكبر انه ياتي مع العمليات العسكرية لـ " تحقيق امن بغداد العاصمة " التي تُحقق من جانبها نتائج متفاوتة... ويرون من جهة اخرى انه رغم النجاح المهم الذي تحقق بالأتفاق على كيفية توزيع عوائد النفط داخلياً . .  الا انه يأتي في ظروف عدم استقرار خطير تعيشه البلاد، والمنطقة التي تشهد تزايد الأستعدادات المتنوعة التي تزيد من احتمالات مواجهة عسكرية اميركية ـ ايرانية، مهما كان نوعها او حجمها بدلالة  تصاعد مخاوف الأوساط الدينية الأكثر تطرفاً التي تحكم الجمهورية الأسلامية منها، والتي يتصاعد السخط والغضب على حكمها . . اضافة الى تتالي الكثير من النشاطات السياسية والعسكرية الأقليمية والدولية المتعلقة بالوضع المصيري للعراق والمنطقة، التي لايمكن تفسيرها او التكهن بوضوح بنتائجها في ظل التعتيم المفروض عليها وفي ظروف يكثر الحديث عنها في البلاد، عن احتمالات ( انقلاب عسكري ) او اجراء عسكري مصيري كبير او بمستواه، يتناسب مع التهيؤ او مع زجها في حرب مع ايران، التي تتزايد الطعون بمواقف وسلوك وعمل مؤسسات حساسة في نظامها تجاه بلادنا وحقها في تقرير مصيرها ونظامها السياسي، الأمر الذي قد يقود بالتالي الى اعلان حالة طوارئ وحل كل المؤسسات التي تعاني من الثغرات  المارة الذكر، وفي حالة من استمرار الأنفلات الأمني، و ظروف شعب دمّرته وتدمره محن الحروب والأرهاب والاحتلال والهجرة والتهجير والهروب، وتمزقه مصالح القوى العظمى وامنها القومي.ان طرح مشروع قانون النفط والغاز لأقراره الآن، ببنود عقود مصيرية تتحكم بمصير العراق لمدد طويلة تقارب النصف قرن، والتي لاتستفيد مما كدّسته وتكدّسه الدروس والخبر والأمكانات العالمية المتنوعة في الأستثمار النفطي ، مع كل المخاطر المذكورة آنفاً، اضافة الى التمزق الذي انتجه نهج المحاصصة الطائفية الذي يهدد بالسيطرة على قانون النفط ايضاً، والى ضغوط البنك الدولي مالياً وجدولة وتوقيتات . . قد لايعني الاّ كون مشروع القانون يطرح متزامناً مع ضغوطات تمارس للموافقة عليه والتلويح باستخدامه بآلية (النفط مقابل الأستقرار) او (النفط مقابل السلام)، وبالتالي الاستمرار على تبذيره من وجهة مصالح البلاد الوطنية . . بعد ان استخدمه وبذّره الدكتاتور باسلوب ( النفط مقابل استمرارعرشه)، بعيداً عن توظيفه واستخدامه في حلول مشاكل الموت والجوع والبطالة والمرض والخراب، التي تعانيها البلاد.

* بعد ان صار الانتماء الديني والطائفي تهمة في واقع البلاد الحالي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: جريدة الصباح-27-3-2007