حول مسودة قانون النفط والغاز

 

فؤاد قاسم الامير

 

 

ان مسودة قانون النفظ التي تناقشها هذه الملاحظات، هي مسودة حصل عليها الكاتب من اكثر من مصدر، وقد لا تكون النهائية التي عرضت، او ستعرض هذه الايام على مجلس النواب، وهو لا يتوقع وجود تغيرات عدا اضافة الملاحق. انها دراسة بالغة الاهمية حول موضوع سيقرر مصير العراق والاجيال القادمة.

في هذه الملاحظات احاول مناقشة مسودة “قانون النفط والغاز” المؤرخة في 15/1/2007 ، والمطبوعة باللغة العربية، والتي اعتمدت بدرجة اساسية على المسودة التي قدمها السادة فاروق القاسم وثامر الغضبان وطارق شفيق باللغة الانكليزية في تموز/2006 بحيث تكاد تكون الترجمة العربية لها عدا فقرات محدودة سنشير اليها . علما ان المسودة العربية في 15/1/2007 تشير الى ثلاث ملاحق لاتتضمنها المسودة المتوفرة لدي. وهذه الملاحق هي جزء من القانون، ومن مفهوم فقراته قد تكون ذات اهمية كبيرة. والعجيب ان المعنيين بهذه المسودة يدّعون ان الملاحق لم تكمل لحد الان ( اي لحد تاريخ 27/1/2007) ، بالرغم من ان جميع المعلومات التي اوردتها الوكالات والصحف العالمية تقول ان مجلس الوزراء صادق على المسودة ، وسيقدمها في القريب العاجل الى مجلس النواب لاقرارها كقانون، كما وان الـ CNN ذكرت في 28/1/2007 في نشرتها العربية بأن من المنتظر ان يناقش البرلمان العراقي مسودة الدستور في 10 شباط القادم. إن امر عدم اكمال الملاحق لايمكن تصديقه، والاحتمال المنطقي اما انها موجودة (وتحتاج الى مصادقات جهات عالية داخل وخارج العراق)، او انها كاملة ومصدق عليها ولكن المعنيين لايريدون اطلاع الغير عليها حتى تحت هذه ” السرية ” العالية لمسودة القانون. طبعا هناك احتمال ، اعتقده ضعيف، ان تقدم المسودة الى مجلس النواب بدون ملاحق!!. علما ان المسودة الانكليزية المشار الها اعلاه لاتتضمن ملاحق. يلاحظ ” السرية ” في نشر هذه المسودة وكأنها ستمرر تحت جنح الظلام ، وبدون عرضها على الجماهير لمناقشتها قبل عرضها على مجلس النواب، في حين ان مسودة القانون لاقليم كردستان والتي صدرت في 9/9/2006 نشرت واصبحت متوفرة لمناقشتها ولم تعرض على مجلس نواب الاقليم لحد الان. ان المناقشة المسبقة لمسودة “قانون النفط والغاز” مسألة ذات اهمية قصوى للاسباب التي سنذكرها في سياق الملاحظات، وان تمريرها كأنها قانون اعتيادي يدعو ليس فقط الى الدهشة والاستغراب وانما الى الارتياب التام بمن سيقوم بها في الحكومة العراقية ويضعهم امام تساؤل كبير ومشروع.

لكي نكون واضحين فان مسودة القانون التي اناقشها في هذه الملاحظات هي مسودة حصّلت عليها من اكثر من مصدر، وفي اعتقادي هي النهائية وهي التي ستعرض على مجلس النواب، وسيكون الامر اوضح عند عرضها رسميا على المجلس، واذا كان هناك تغير فيها فسيتم تبديل الملاحظات بما يتعلق بالتغيرات، ولو إني لا اتوقع وجود تغيرات عدا اضافة الملاحق.

يلاحظ القارئ توسع في الملاحظات تخرج عن المناقشة الحرفية لبنود المسودة ، اذ تمت مناقشة ظروف تحضير القانون واهمية وجوده وماذا يجب ان يكون، لكي يتسنى مناقشة البنود بموضوعية مرتبطة بافكاري الخاصة عن القانون واهميته.

وفيما يلي ملاحظاتي حول الموضوع:

1) باعتقادي ان تأخر تقديم المسودة الى مجلس النواب يتعلق بموقف اقليم كردستان ، ففي الوقت التي اشارت اليه وزارة النفط نقلا عن متحدثها الرسمي السيد عاصم جهاد، وكذلك الوكالات العالمية للانباء بالتوصل الى اتفاق بين ممثلي الحكومة المركزية وحكومة الاقليم على صيغة القانون، تناقلت الوكالات والصحف العالمية خلال الايام القليلة الماضية تصريحات لمسؤولين كرد تؤكد نفي موافقتهم على القانون، ومنها ماجاء في القدس العربي في 24/1/2007 عن الفاينانشال تايمز عن السيد اشتى هوا رامي وزير الثروات المعدنية في اقليم كردستان قوله ” لم نوقع على مشروع قانون النفط المقترح”، مضيفا ” عدة مسائل مازالت بلا حل.. وبيان وزارة النفط لسوء الحظ سابق لاوانه”. كما نقل راديو سوا في 31/1/2007 عن وزير شؤون المناطق خارج كردستان محمد احسان: ” ان قانون النفط لم يحسم… وان الخلافات تتركز حول آلية توقيع العقود في اقليم كردستان ودور وزارة النفط… وان مركزية الحكومة في بغداد تسبب كثير من الاشكاليات.. وان مسودة القانون الحالية، والتي سربت لوسائل الاعلام، لايوافق عليها الجانب الكردي”!!.

2) من المهم جدا دراسة مسودة ” قانون النفط والغاز”، وسنسميه اختصاراً في سياق هذه الملاحظات ” القانون الاتحادي”، بضوء مسودة القانون التي صدرت في كردستان في 9/9/2006 ، والتي سنسميها اختصارا “القانون الاقليمي”، والتي اثارت بصدورها ضجة كبيرة. ان اهمية المقارنة تكمن في سببين، الاول يتعلق بالدستور العراقي الدائم ومفهوم معدّي ” القانون الاقليمي” لبنوده. وخصوصا المتعلقة بالنفط او كركوك، والتي استغلها هذا القانون الى اكبر ما يمكن الوصول له لصالح اقليم كردستان، علما ان غالبية هذا الفهم للدستور هو صحيح برأينا (وكما سنوضحه لاحقا). بهذا اصبح من المستحيل صدور القانونين في آن واحد للتناقضات الكبيرة بينهما، مما يتوجب تعديل الدستور او تعديل القانونين في آن واحد وبالاخص ” القانون الفيدرالي”.

اما السبب الثاني لاهمية دراسة مقارنة القانونين ، يكمن في ان ” القانون الاقليمي”، وبغض النظر عن الامور الدستورية ، هو قانون محكم جدا، (مقارنة بالقانون الاتحادي)، ومكتوب بلغة قانونية رصينة، وهو دقيق في تعاريفه وبنوده ويسد ثغرات كبيرة في القانون الاتحادي متعلقة بالفساد المالي والعقوبات المتعلقة بها وحقوق ابناء كردستان مما يحمي مصالحهم . كما ان العمل مع الشركات محدد بطريقة واضحة لا لبس فيها، وكما سنوضح لاحقا.

ان هذه الامور ستكون اكثر تعقيداً وتشابكاً، فيما لو ارتأت المحافظات او الاقاليم “المقبلة”!! الاخرى، ان تصدر قوانينها للنفط والخاصة بها اسوة بالقانون الاقليمي، وهو عملياً مايسمح به الدستور سواء للاقاليم او المحافظات. نود ان نضيف ان من الواضح لنا ان اي قانون للمحافظات او الاقاليم يجب ان لايناقض ” القانون الاتحادي”، والاّ ستكون هناك فوضى هائلة وتسابق في الانتاج وضياع ثروة العراقي للجيل الحالي والاجيال المقبلة. إن وجود ” قانون اتحادي”، تعتمد عليه القوانين الاخرى ، يتضمن بنود صريحة واضحة بان الحكومة المركزية هي المخططة لطريقة استغلال الثروة النفطية والغازية ، ولها الكلمة النهائية في جميع العقود الموقعة اتحادياً او اقليمياً هو امر واجب. وهذا ماحاول ان يصنعه ” القانون الاتحادي” ، ولكن السؤال المهم هل يستطيع ذلك في ضوء بنود الدستور الحالي؟!.

3) ماذا يقول الدستور العراقي بهذا الخصوص؟

حول الامر اعلاه نود توضيح مايلي:

3-1) لو نظرنا في الدستور المؤقت “قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية”، لوجدنا انه كان يضمن مركزية الثروة الوطنية. اذ في الباب الثالث “الحكومة العراقية الانتقالية”، تذكر المادة (25) حول الاختصاصات ” الحصرية” للحكومة الانتقالية، حيث جاءت الفقرة (هـ) لتضمن ان الثروات الطبيعية من صلاحية الحكومة الانتقالية “حصرا”. كما ان الفقرة (ب) من المادة (26) تقول ” ان التشريعات الصادرة من قبل السلطة التشريعية الاتحادية ستعلو على اية تشريعات اخرى صادرة من قبل سلطة تشريعية اخرى وذلك في حالة التعارض ، باستثناء مانصت عليه المادة (54 ب)”، وهي المتعلقة بكردستان. ولكن نص هذه الفقرة واضح ايضا اذ يؤكد عدم شمولها لما جاء في المادة (25) للصلاحيات الحصرية للحكومة المركزية.

3-2) ما جاء في الدستور الدائم مغاير لاعلاه تماماً، وكما موضح ادناه:

أ) تحت الباب الرابع “اختصاصات السلطة الاتحادية” ، تقول المادة (111): ” النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الاقاليم والمحافظات”. لااعرف لماذا اضاف المشرع ” في كل الاقاليم والمحافظات”، باقحامها وبدون حاجة اليها؟!.

ب) تقول المادة (112) اولاً: ” تقوم الحكومة الاتحادية بادارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الغازية مع حكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة، على ان توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع انحاء البلاد، مع تحديد حصة لمدة محددة للاقاليم المتضررة…. وينظم ذلك بقانون”.

اما المادة (112) ثانيا فتقول: ” تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة معا برسم السياسات الستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز، بما يحقق اعلى منفعة للشعب العراقي، معتمدة احدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار”. والجملة الاخيرة موضوعة، وباعتقادي ، للسماح للاستثمار الاجنبي والمحلي الخاص، ولكن بنفس الوقت قد لاتعني ذلك، اذ جاءت كاستثمار وقد يكون الاستثمار حكومي . اما “احدث تقنيات مبادئ السوق”، فيمكن تفسيرها بعدة اشكال، فهي لم تحدد سياسة السوق المفتوح لكي يمكن تفسيرها كذلك.

جـ) المادة (114) تتكلم عن الاختصاصات المشتركة بين السلطات الاتحادية وسلطات الاقليم . وتشمل الكمارك ، ومصادر الطاقة الكهربائية ورسم السياسة البيئية، ورسم سياسات التنمية والتخطيط العام، ورسم السياسة الصحية العامة، ورسم السياسة التعليمية والتربوية، ورسم سياسة الموارد المائية الداخلية.

جميع هذه الامور ” المشتركة ” مهمة جداً وبالاخص رسم سياسات التنمية والتخطيط العامة، وكذلك رسم سياسة الموارد المائية.

د) ولكن المادة (115) تحدد الصلاحيات بين المركز والاقاليم وتقول: ” كل ما لم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطات الانحادية ، يكون من صلاحية الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم، والصلاحيات المشتركة الاخرى بين الحكومة الاتحادية والاقاليم، تكون الاولوية فيها لقانون الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم في حالة الخلاف بينهما”.

علما ان الصلاحيات “الحصرية” للسلطات الاتحادية ، والتي حددت في المادة (110) لاتتضمن الثروات الطبيعية وبضمنها الثروة النفطية، وكذلك لاتتضمن سياسة التنمية والتخطيط وغيرها من الامور الواردة في (ج) اعلاه، للصلاحيات المشتركة والتي فيها الكلمة النهائية للاقاليم والمحافظات.

هـ) تحدد المادة (140) من الدستور، بحل مشكلة كركوك والمناطق الاخرى المتنازع عليها لتحديد ارادة مواطنيها في مدة اقصاها 31/12/2007. اما المادة (142) فتحدد مدة اربعة أشهر لتقديم التوصيات بالتعديلات الضرورية التي يمكن اجراؤها على الدستور لإقرارها من مجلس النواب بموافقة الاغلبية المطلقة لغرض عرضها على الشعب للاستفتاء عليها خلال مدة شهرين من تاريخ اقرار التعديلات في مجلس النواب. ان هذا الأمر لم يتم لحد الآن!!.

و) من هنا نرى ان للاقاليم والمحافظات الكلمة النهائية للسياسة النفطية ، وهو امر يثير الاستغراب ان لم نقل الشك والريبة. اذ كيف يمكن ان تسار الدولة والكلمة النهائية لثروتها التي تخص الاجيال الحالية والمستقبلية هي بيد الاقاليم والمحافظات. اضافة لذلك فان الكلمة النهائية لسياسات التنمية والتخطيط العامة ايضا للاقاليم والمحافظات، وهو من المضحك المبكي . الآن وحسب الدستور يستطبع اي اقليم (او حتى محافظة) ان يصدر قانونه النفطي الخاص، وسيكون تسابق لانتاج النفط اضافة الى الاحتمالات العالية للفساد المالي وستضيع ثروة العراق كاملة في هذه الفوضى.

4) حجم واهمية الثروة النفطية:

نرى ان نوضح للقارئ حجم الثروة النفطية التي يتكلم عليها ” القانون الاتحادي”، والظروف الحالية والمستقبلية لسوق النفط في العالم، لنرى مدى اهمية التدقيق بالقانون وعدم الاستعجال به أو تمريره تحت جنح الظلام لاسيما وان العراق محتل وتأثير المستفيد المحتمل الاكبر من القانون وهو المحتل أمر واقع، إضافة الى ان العراق في ظروف امنية وحياتية غير سليمة وتؤدي حتماً الى اتخاذ القرارات غير السليمة.

4-1) ماهي المبالغ التي يتكلم حولها القانون.

ان احتياطي العراق الثابت، والمكتشف لحد الان، يقدر بـ (115) مليار برميل، بضمنها الحقول المستغلة وغير المستغلة. علما ان تقديرات الخبراء تقول ان الاحتياطات المتوقعة عالية، وقد يصل احتياطي العراق بعد اكمال التحريات الى (250) مليار برميل.

نحن هنا سنتكلم عن (115) مليار برميل في (71) حقل منها (24) فقط مستغلة. وان الاحتياطي المثبت والمكتشف وغير المستغل يصل الى مايقارب من 70% من مجمل الاحتياطي. نود ان نضيف ان السيد وزير النفط صرح قبل ايام ان (87) حقل مكتشف ستسلم الى شركة النفط الوطنية لاستغلالها بموجب القانون الذي سيصدر .

ان الحقول المكتشفة منذ صدور قانون رقم (80) لسنة 1961 والذي امم جميع الاراضي غير المستغلة من قبل الشركات في حينه ، قد تم اكتشافها وتقييمها بايدي عراقية لوحدها أو بالتعاون مع الشركات الروسية والفرنسية وعدد آخر من الشركات الاجنبية من خلال عقود خدمة فنية اعتيادية. لقد حاولت ” اتفاقية بغداد” التي قـُبِرت في مهدها في اواخر الستينيات الالتفاف حول قانون رقم (80) واشراك الشركات الاجنبية مجدداً، وفي اعتقادنا، وكما سنبين لاحقاً، ان القانون الحالي المقترح يحاول مجددا الالتفاف حول قانون (80).

فيما يلي جدول يتضمن معلومات عن عشرة حقول مكتشفة وغير مستغلة، وستؤخذ كمثل على الثروة النفطية المعروضة للبيع حسب قانون النفط الاتحادي.

 

ت

اسم الحقل

الاحتياطي مليار
برميل

امكانية الانتاج
الف برميل/اليوم

الكلفة التقديرية
للتطوير مليار
دولار

1

مجنون

21

600

4

2

غربالقرنة

15

700

4

3

شرقبغداد

11

200

0.8

4

ابنعمر

6

470

3.4

5

الحلفاية

3.5

230

2

6

الرطاوى

2

180

1.3

7

الناصرية

2

300

1.9

8

طوبا

1

150

1.25

9

الغراف

1

100

0.7

10

الاحدب

0.2

100

1.3

 

 

62.7

3030

20.65

 

من الجدول نستطيع ان نرى حجم الثروة لهذه العشرة حقول فقط وغير المستغلة والتي سيتم الاعلان عنها حسب القانون.

لو اخذنا بالاسعار الحالية للنفط، يكون العائد (50) دولار/ البرميل (وهو اقل بعشرين دولار عن اوائل السنة الماضية)، فان قيمة العائد للحقول العشرة ستكون (3135) مليار دولار، وقيمة العائد السنوي لها (55.3) مليار دولار. ولو رفعنا العائد الى (60) دولار/ البرميل، وهو امر متوقع جداً، تصل قيمة هذه الحقول الى ( 3782) مليار دولار، وعائدها السنوي (66.4) مليار دولار . ان المنطق يقول علينا اخذ معدل عائد (80) دولار/ البرميل على عمر الانتاج الذي يبدأ في احسن الاحوال في العقد الثاني من هذا القرن، وبهذا العائد تكون قيمة هذه الحقول العشرة (5016) مليار دولار، وانتاجها السنوي بقيمة (88.5) مليار دولار. وهذه الارقام هي لاحتياطي يبلغ (62.7) مليار برميل وليس كل الاحتياطي المكتشف وغير المستغل.

من هنا نرى ان المبالغ التي نتكلم عنها والخاضعة للقانون المقترح هي مبالغ هائلة جداً، تجعلنا امام مسؤولية خطيرة وتأريخية لاتخاذ القرار الصحيح في القانون الذي سيصدر، خصوصا لو أخذنا الظروف السياسية والاقتصادية والامنية التعيسة التي يعيشها العراق، اضافة للعلاقات المالية الفاسدة التي تشمل جميع مرافق الحياة وكثير من المسؤولين في مراكز السلطة بشهادة لجان النزاهة وتصريحات كثير من المسؤولين بضمنهم السيد رئيس الوزراء. فوق كل هذه هناك الوضع الاهم، وهو ان العراق تحت الاحتلال والقرارات الناجمة عن مختلف السلطات العراقية ستكون تحت ضغط ورحمة المحتل وشركاته النفطية العملاقة ، والذي بالاضافة الى ضغوطه يبحث دائماً عمن يستطيع ان يرشيه من العراقيين الموجودين في مراكز السلطة لتمشية مصالحه الاقتصادية. لهذا في هكذا ظروف لايمكن ان يمرر قانون يخدم الشعب العراقي فعلاً، وعلينا المراقبة والتحذير من مطبـّات مثل هذا القانون.

4-2) من الواضح الآن لكل المعنيين السياسيين والاقتصاديين والمختصين ان النفط العالمي في طريقه الى النفاد، او الاضطرار لتقليل الانتاج العالمي بنسب عالية بسبب شحته، وذلك في اواسط هذا القرن. ان احتياطي النفط العالمي الثابت يبلغ في الوقت الحاضر حوالي (1100) مليار برميل، وهو لايكفي لاكثر من (40) سنة مقبلة بالمعدلات الحالية للاستهلاك. ان الغالبية العظمى من الاحتياطيات الجديدة اكتشفت قبل حوالي (30) سنة، وبرغم التحريات الهائلة والمستمرة فان ما يكتشف سنوياً في العقدين الاخيرين لا يسد حتى نصف الكمية المستهلكة سنويا، اي نحن نأكل من اكتشافاتنا السابقة. كما انه لايتوقع ان يتم اكتشاف اكثر من 20% من الاحتياطي الحالي. ان الجدل المثار منذ سنوات هو متى يبلغ الانتاج النفطي ذروته، اي الحالة التي يضطر فيها المنتجون الى تقليل الانتاج اليومي لعدم استطاعة الحقول النفطية تلبية الكميات المطلوبة، ويتوقع ان لاتتجاوز المدة لهذه الحالة سنوات (2010-2015)، ولو ان هناك من المتفائلين جداً من يوصل هذه الحالة الى سنة (2020). ان وجوب تطبيق اتفاقية كيوتو لتحديد الاحتباس الحراري، بتقليل حرق الفحم والمواد الهيدروكربونية عن استهلاك سنة 1990 قد يساعد في ايصال الفترة الى سنة (2020).

لهذا فان النفط سيكون مادة ثمينة، واذا استطاعت اوبك الصمود والتنسيق مع المصدرين المهمين الآخرين مثل روسيا، فإن الاسعار سترتفع ولايوجد خطر من انخفاضها، وذلك وفق سياسة تفنين الانتاج وتحديد حصص التصدير لدول اوبك. المهم عدم رضوخ دولة الى الدول الصناعية وعلى رأسها الولايات المتحدة لزيادة الكميات المطروحة الى السوق العالمي، كما كانت تفعل السعودية في السابق. الآن لاتستطيع السعودية ان تفعل ذلك لعدم وجود امكانية لديها لاغراق السوق فهي في قمة انتاجها ضمن المتشآت الحالية. إن الدولة الوحيدة التي تستطيع ذلك هي العراق، واذا قامت بهذا العمل فانها ستغرق نفسها كذلك، اذ ستؤثر على الاسعار بتخفيضها، وسوف لن تحصل على عوائد عالية رغم زيادة الانتاج. ان هذا الامر يجب ان يتجنبه العراق ويقاوم الضغوط التي ستكون عليه لزيادة انتاجه حفاظاً على احتياطاته، وعلى الاسعار وبالتالي على دخله السنوي.

5) الاستثمارات وتوفيرها والانتاج المطلوب:

بافتراض وجود حسن النية لدى العراقيين الذين يريدون تمشية قانون النفط والذي يتضمن الاستثمار الاجنبي والعراقي الخاص من خلال “عقود المشاركة بالانتاج”، وكما سنبين لاحقاً، فانهم يؤكدون على ان منطلقهم هذا يتأتى من الحاجة الكبيرة الى الاستثمارات العالية المطلوبة لتطوير الحقول العراقية والتي لايستطيع اقتصاد الدولة العراقية المتهالك توفيرها. وهم ايضاً يتكلمون عن التوسع السريع في الانتاج لحاجة الاقتصاد العراقي للسيولة اللازمة للتنمية ولتمشية الميزانية العراقية. لهذا يتطلب منا الآن تبيان الرأي في هذه المقولات من خلال الملاحظات التالية:

5-1) وضع أياد علاوي في تشرين ثاني 2004، وعندما كان رئيسا للوزراء، سياسته النفطية المعروفة، والتي توجز بأن الحقول الحالية تبقى لفترة معينة بيد الدولة العراقية ( من خلال شركة النفط الوطنية)، اما الحقول الجديدة فيتم استغلالها بمساعدة الاستثمار الاجنبي والمحلي الخاص وبدون اية مشاركة للرأسمال العام فيها. كذلك وضع خطة للانتاج، حيث أكد على ضرورة الوصول الى انتاج يومي للنفط الخام الى المستوى الذي كان عليه سابقاً وهو (3.5) مليون برميل/ اليوم من خلال الحقول الحالية وبأسرع فرصة ممكنة لا تتجاوز السنتين من تاريخ تقديمه لسياسته في تشرين الثاني /2004، ومن ثم الصعود الى طاقة انتاجية تصل الى (6-8) مليون برميل/ اليوم خلال (5-7) سنوات من ذلك التاريخ. لقد ماتت هذه السياسة في مهدها لرفض الغالبية من العراقيين والقوى السياسية الوطنية لها، وكذلك لرفض الشركات الاجنبية للدخول في استثمارات على ضوء سياسة لوزارة مؤقتة وبدون قانون صادر من مجلس النواب. صدرت اصوات لاحقة تتكلم حول خطط لتصعيد الانتاج ليصل الى (10) مليون برميل/اليوم خلال ثماني سنوات ابتداءاً من سنة 2005، ولنفس الاسباب المذكورة اعلاه.

عندما نتكلم عن زيادة الانتاج لا بد ان نتذكر المشاورات التي قامت بها وزارة الخارجية الاميركية قبيل الاحتلال مع ” خبراء” عراقيين، وغيرهم من الاجانب، وظهرت في الصحف العالمية مؤشرات الخطط الاميركية التي تلخص بالاستحواذ على النفط العراقي وكذلك تحطيم منظمة اوبك وكسر ما يسمونه السياسة السعرية “الاحتكارية” لمنظمة اوبك. ومن هذه المؤشرات ماقاله ارجي دنهام مدير الشركة النفطية الاميركية العملاقة كونكوفيلبس Conco Phillips ، قبيل الاحتلال بفترة وجيزة “نحن نعرف اين تقع احسن الحقول النفطية العراقية وننتهز الفرصة للحصول على قسم منها”. وكذلك تصريح شركة شيل بأن ” غايتها هو وضع اساس وحضور مادي في العراق”. لقد عارض عدد كبير من “الخبراء” العراقيون تحطيم اوبك، واكدوا ولضمان حقوق العراق الابقاء على هذه المنظمة لتقوية الاسعار، لهذا تركت السياسة الاميركية المحاولة العلنية لتحطيم اوبك، ولكنها تريد الآن الدخول من الشباك بتشجيع العراق على الانتاج العالي وقد يستطيع مع السعودية او لوحده اغراق السوق. وفي الوقت الحاضر تحاول الدول الصناعية الضغط على السعودية للوصول الى سعر (50) الى (55) دولار/ البرميل وبمعارضة شديدة من بقية اعضاء اوبك الذين يريدون (60) دولار او (70) دولار للبرميل كحد ادنى في الوقت الحاضر.

لايزال السوق النفطي حساس للعرض والطلب، اذ ان قيام اوبك بزيادة او نقصان في الامدادات بحدود (0.5 – 1.5) مليون برميل/اليوم تؤدي غرضها في تثبيت الاسعار. لقد وصل سعر النفط في اوائل 2006 الى (75)دولار/ البرميل وانخفض حاليا الى (52) دولار/البرميل، ولكن بقي لفترة طويلة يتراوح حول الـ (60-65) دولار/ البرميل.

لنتذكر ان في سنة (2000) كان السقف السعري للنفط لاوبك بين (22-28) دولار/البرميل، وذلك نتيجة لتدخلها لايقاف الانهيار السعري حيث كان في أواخر الثمانينيات بين (10-20) دولار/البرميل، وكان معدل السعر في التسعينيات (15) دولار/ البرميل، مع انخفاضه في بعض الاحيان الى اقل من (10) دولار/ البرميل. لقد حدثت طفرات في الاسعار في سنة (2004) حيث وصل الى (40-50) دولار، وارتفع في (2005) الى (60) دولار ومن ثم الى (70-75) دولار/ البرميل، ولم تستطع السعودية او غيرها اغراق السوق حيث وصلت قمة امكانياتها الانتاجية سنة 2005 ليصل الى (9.5-10)مليون برميل. اضافة لذلك إن زيادة الاسعار كانت نتيجة الزيادات الكبيرة والمستمرة بالاستيراد في الصين والهند، كذلك زيادات م.زونات وقود الطوارئ في الدول الصناعية خصوصاً في الولايات المتحدة.

لقد وضح للمعنيين خلال الثلاث السنوات الماضية محدودية الانتاج النفطي الآن وفي المستقبل ولا يمكن من الناحية العملية اغراق اDسوق كما كان يحدث سابقاً. ‘ن اDسعودية تعمل ,اهدة لزيادة ط’قتGا التصديرية الى (12) مليون (بدلاً من 10 مليون/اليوم حالياً) وذلك خلال ثلاث سنوات، كما تعمل دول الخليج في الزيادة بحدود(2) مليون برميل/اليوم، ولكن هذه الزيادات لا تكفي نتيجة التوسع في الاستهلاك، (خصوصا في الصين والهند)، ونضوب نفوط بحر الشمال والاسكا وعجز التوسع في اذربيجان وآسيا الوسطى.

5-2) ماهي السياسة الصحيحة لخطط الانتاج؟

ان كمية الانتاج والتصدير السنوية الصحيحة ، بنظرنا، هي التي تكفي لان توفر مبالغ سنوية باستطاعة حكومة العراق صرفها لاغراض تطوير انتاج النفط وخطط التنمية الوطنية وسد حاجة الميزانية العراقية.

لنأخذ مثلا طاقة تصديرية قدرها (3) مليون برميل/ اليوم، وبافتراض عائد (50) دولار/ البرميل، تصل المبالغ التي تستلمها الحكومة العراقية الى (54,750) مليار دولار سنوياً، واذا كان العائد (60) دولار/ البرميل، وهو مايجب ان نعمل عليه في اوبك وخصوصاً مع مجموعة (فنزويلا-ايران-ليبيا)، نصل الى عائد سنوي قدره (65,700) مليار سنوي. باعتقادي ان قابلية العراق للصرف لا تتجاوز هذا المبلغ للسنوات الخمسة المقبلة، خصوصاً ان ميزانية الدفاع، والتي كانت تأخذ اكثر من نصف ميزانية العراق ووصلت الى نسب اعلى بكثير ، ستقلـّص. اضافة لذلك وفي ظروف امنية جيدة، وبوجود قانون للاستثمار الاجنبي ، وكذلك فتح الاستثمارات الاجنبية امام العمليات النفطية لما بعد الانتاج مثل المصافي والتوزيع والبتروكيمياويات والاسمدة النتروجينية (والتي استثناها القانون الفيدرالي وابقاها القانون الاقليمي، وكما سنوضحه لاحقا)، سيكون هناك استثمار اجنبي ومحلي خاص وبمبالغ عالية بالاضافة الى المبالغ المذكورة اعلاه.

اما لو اخذنا امكانيات تصديرية (5) مليون برميل/ اليوم، وذلك بعد تطوير حقول جديدة، اي توقع البدء بالانتاج منها بعد (5) سنوات، وبمعدل عائد (60) دولار/ البرميل، وهو رقم متواضع بعد خمس سنوات، نصل عائد سنوي يقارب من (110) مليار دولار، ويصل هذا الرقم الى (153.3) مليار دولار سنوياً اذا افترضنا العائد (70) دولار/ البرميل. ولو اردنا ان نسير وفق خطة رئيس الوزراء السابق أياد علاوي، وهو مايريده المحتل والشركات الاجنبية نصل الى ارقام خيالية للعائد السنوي تتاوح بين (175)و (204) مليار دولار. وهذه المبالغ السنوية، ومع الاستثمار الاجنبي في جميع القطاعات عدا الانتاج النفطي، لايمكن للدولة العراقية صرفها وتؤدي في احسن الاحوال الى وجود احتياطي نقدي عالٍ جداً. وهذا الوضع سيؤدي بالتأكيد الى ظهور تيارات تريد صرف مبالغ عالية للجيش والاجهزة الامنية (كما في عهد صدام)، والى التوسع في هدر الثروة في خدمات غير مقبولة، وكذلك الى تكالب “الدائنين” وغيرهم للحصول على “ديونهم المزعومة”، ومنها الكويت واحتمال كبير ايران. والاهم من ذلك قيام قوى الامبريالية في العالم بخلق الحروب وجر العراق للمساهمة بها، وهدر ثروته لاضعافه، كما حدث لدول الخليج في حروب الخليج المختلفة.

قد يجيبنا من وضع “القانون الاتحادي” ، اننا نتوسع في امكانية التصدير وبنفس الوقت توجد فقرة في القانون (وكما سنوضحه لاحقا) تقنن انتاج الشركات الاجنبية بحسب خطط وحاجة الدولة العراقية. وهذا امر مضحك، اذ لماذا نتوسع بالانتاج والذي يضطرنا الى ادخال الرأسمال الاجنبي في هذه الصناعة الحيوية وتعريض العراق لمديونية عالية، وبعد ذلك لانستخدم هذه الطاقة التصديرية العالية ، مع ملاحظة ان استخدامها سيقلل الاسعار العالمية للنفط وسنحصل على عائدات اقل يمكن تحصيلها بتقنين الانتاج. اضافة الى ذلك سنواجه مشاكل من الشركات الاجنبية ، ومن ورائها حكوماتها التي ستعارض تقليل الانتاج. وبالتأكيد سيكون هناك ضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية، وبذل الرشاوى السخية ونشر الفساد المالي للتاثير على الحكومة العراقية وذوي السلطة لاعطاء “مرونة” في التغاضي من فقرة تقنين الانتاج جزئياً او كلياً.

لهذا فان الحل الصحيح بنظرنا واضح، وهو ان في غير صالح العراق التوسع بالطاقة الانتاجية، ويجب السير بزيادتها التدريجية وفق جدول زمني يحدده امكانية الصرف العقلاني ، آخذين بنظر الاعتبار تشجيع الاستثمار الاجنبي (وبمشاركة عراقية عامة او خاصة) في قطاعات نفطية (خارج الانتاج) وغيرها في تطوير الصناعة والزراعة والخدمات. ويجب ان لاننسى تجربة روسيا التي فتحت طريق الاستثمار في الانتاج النفطي في زمن يلتسين، فانتشر الفساد والمافيات وسيطرت على قرارات الحكومة وادت الى فقر الشعب الروسي، وحاولت حكومة بوتين تعديل هذه الاEور وارجاع “تأميم” عمليات انتاج النفط، واضطر بوتين الى القول:”اننا سنسمح بالاستثمار الاجنبي عدا قطاع انتاج النفط او استخراج الذهب”!!.

من اعلاه نرى ان تعمل الحكومة العراقية ومن خلال مواردها الخاصة الى ارجاع الانتاج الى الوضع السابق، بحيث يمكن اثناء الثلاث سنوات القادمة زيادة التصدير تدريجيا من (1.9) الى (3.4) مليون برميل/ اليوم. ومن عوائد الكميات المصدرة. كذلك يتم تمويل تطوير الحقول المكتشفة وغير المطورة، وبدون مشاركة الشركات الاجنبية او القطاع الخاص العراقي للصعود تدريجيا الى (5-6) مليون برميل/ اليوم، وبتنسيق واضح مع اوبك للعمل وفق الحصة المخصصة للعراق، واقناعهم بزيادة حصة العراق على حساب حصص الدول الاخرى بسبب الظروف الخاصة التي مر بها. اما اذا كانت هناك حاجة الى مبالغ اضافية ، وهذا ما لا اتوقعه، فمن الممكن استقراض هذه المبالغ من البنوك او الافضل من الدول التي هي في امس الحاجة الى مصدر مضمون للنفط، مثل الصين والهند ودول آسيا وحتى اوروبا، وتكون هذه القروض مقابل تصدير مضمون للنفط للدول المقرضة، وكما سنوضحه في الفقرة (5-3) ادناه

5-3) مشكلة الاستثمارات المطلوبة:

اننا قد نحتاج الى اقل من (4) مليار دولار للوصول الى طاقة تصديرية قدرها (3.4) مليار دولار موزعة على سنتين او ثلاث، اي الحاجة السنوية بين (1.5-2) مليار دولار ممكن توفيرها من عوائد العراق الحالية. واثناء هذ الامر يتم التطوير التدريجي للحقول الاخرى من خلال شركة النفط الوطنية. وكما موضح في الجدول السابق سنحتاج الى (20.6) مليار دولار ، لزيادة الانتاج بـ (3) ملايين برميل/ اليوم اخرى، وقد تصل الى (25) مليار مقسمة على خمس او ست سنوات ، اي بمعدل (5) مليار دولار/ السنة، وهذه المبالغ يمكن توفيرها من خلال التصدير المتصاعد للعراق، بافتراض عدم اغراق السوق العالمية، او من خلال القروض من الدول التي تريد ضمان كميات نفطية تجهز بها.

هذا ونود ان نؤكد اننا ضد المشاركة الاجنبية أو الرأسمال المحلي الخاص، في عمليات انتاج النفط، ولكن اذا كان لابد من ادخال الاستثمار الاجنبي فيكون في العمليات الللاحقة للانتاج، او الاستثمار في حقول صغيرة مكتشفة أو في اراضي قد تكتشف فيها حقول نفطية لاحقاً. من الناحية الاقتصادية، وعند مقارنة العروض، لتوقيع عقود للمناطق النفطية، يكون من المفضل التعامل مع شركات حكومية من دول آسيوية او اوروبية في حاجة ماسة الى النفط، وبالاخص الصين والهند واليابان واندونيسيا وماليزيا. مثل هذه الدول تمثل السوق الطبيعي للنفط العراقي. ومن الناحية السياسية والامنية ففي اعتقادي الابتعاد عن الشركات الاميركية قدر المستطاع، اذ ستخلق هذه الشركات مشاكل دائمة للعراق، فلوبي الشركات النفطية قوي جدا في الولايات المتحدة ويحرك الحكومات ضد اية مطالبة مقبلة لاية حكومة عراقية ديمقراطية مقبلة في تعديل صيغ العقود لتحقيق مصالح العراق، ولايقبل بالحلول الوسطى وحل المنازعات سلميا، اذ دائما يفكر ان العسكرية الاميركية معه. في مثل هذه الظروف ستكون دائما هناك مشاكل مع اميركا وتهديد بالحرب او المقاطعة وخلق الفتن، فنحن في قلب الشرق الاوسط الملتهب، ومن يقرأ الكتاب الموسوعي القيـّم “الجائزة: النفط من بابل الى بوش” لمؤلفه دانييل يرغن ماتستطيع الشركات الاميركية النفطية عمله. علما ان هذه الشركات تركض وراء الحقول “العملاقة” التي ارتأينا ابقاءها كاملة بيد الدولة العراقية. وهي ستحاول ان تعمل شيء الآن، اي تتأكد من صدور قانون يتضمن الحقول العملاقة ضمن الاستثمار الاجنبي، ولكن برأينا الظروف الحالية تساعد العراقيين لاصدار القانون بدونها، اذ ان الحكومة الاميركية ضعيفة وتحاول ان تتجنب فضحها عالمياً انها دخلت العراق لاجل النفط. قد يقول قائل إن نظام صدام اعطى حقول “عملاقة” مثل مجنون لفرنسا وغرب القرنة لروسيا والاحدب للصين وامثلة اخرى. ان ذلك العمل خاطئ بنظرنا ولكن من جهة نظر الوزارة في حينه، ان هذه الحقول اعطيت الى حكومات تعتقد الحكومة العراقية بانها تستطيع التأثير على مجلس الامن، وحصولها على الحقول وتطويرها سيكسر الحصار على العراق، فالامر رشاوى “حكومية” لكسر الحصار. وفي كل الاحوال لم تنفذ العقود ولم يكسر الحصار.

احاول ادناه ان انهي هذه الفقرة، وانهي موضوع الحاجة الى الاستثمارات والكلام الكثير الذي يدور حول حاجة العراق له لتطوير حقوله النفطية، وضرورة وصعوبة الاستقراض لتطوير هذه المشاريع. لقد كنت قد ذكرت عابرا الحلول العديدة، ولكن ساتوسع في الحل المنطقي – في اعتقادي – والذي يجب ان تبحث عنه الادارات النفطية والدولة العراقية. الحل هو امر اعتيادي، يعمل وفق معادلة الاقتراض، عند وجود حاجة ماسة ومصالح متبادلة قوية بين المقرض والمقترض. وادناه سأضع الامر على شكل مثال:-

لنفترض ان الشخص “أ”، (وسيكون في هذا المثال العراق)، لديه مادة مهمة وستراتيجية مطلوبة دائما خصوصاً في المستقبل القريب (وستكون هذه المادة في هذا المثل هي النفط)، ولكن هذا الشخص /العراق ليس لديه المال الكافي لانتاج النفط، وعندما يبدأ الانتاج والتصدير ستتوفر له عوائد مالية عالية جداً. بنفس الوقت هناك شخص آخر في العالم “ب”، (وسيكون في هذا المثال الصين)، تتوفر لديها فوائض مالية عالية جداً، وهي تبحث عن ايجاد فرص لتشغيلها في الصين او في بقية انحاء العالم، لاسباب اقتصادية وسياسية، اذ تعرف سيكون لها موقع مهم بالعالم في المستقبل القريب. ولكن فوائضها اكثر من فرص الاستثمار فتضعها في البنوك المحلية والعالمية مع اخذ نسبة فائدة محددة عالمياً. بنفس الوقت انها في حاجة للمادة الموجودة في العراق ولايستطيع ان ينتجها بسبب شحة المال الموجود لديه. إن على الصين ان تستورد النفط بكميات كبيرة (فحاليا تستهلك حوالي 18% من الاستهلاك العالمي) وسيزداد هذا الاستهلاك حيث ستدخل “عهد الرفاه”، وستكون هناك حاجة الى السيارات ووسائل النقل والطاقة وغيرها، اضافة الى بناء خزين ستراتيجي. ماموجود لديها محدود وعليها الاعتماد على الاستيراد.انها حاليا تشتري النفط في الاسعار العالمية، واحيانا تبذل جهداً كبيراً للحصول عليه حتى بزيادة طفيفة عن الاسعار العالمية، وتعلم انها قد تضطر لسد حاجتها في المستقبل الى الشراء باسعار (او كلف) تتجاوز الاسعار العالمية نظراً للتركيبة السياسية الاقتصادية العالمية الحالية لشبكة النفط والمنحازة الى غريمتها وهي اميركا. لذا فانها في امس الحاجة لضمان استمرار تدفق النفط حالياً وفي المستقبل وبالاسعار العالمية. اضافة لذلك في حالة تقديم القروض الى العراق، فانها بحاجة الى التأكد من امكانية استرجاع القرض مع الفائدة المشابهة للبنوك العالمية، كذلك الى ضمان استمرار تدفق النفط اليها من العراق الذي اقرضته المال.

هنا نرى كيف تعمل المعادلة للاقتراض بين الصين والعراق. حيث تتم اتفاقية بين حكومتي البلدين ، يطلب فيها العراق قرضاً من الصين لتمويل قيام الصين بنفسها بتطوير احد الحقول الجيدة (مثل حقل الاحدب الذي كان قد اُعطي لها سابقا)، ويكون القرض بالفائدة العالمية مضافا لها نسبة صغيرة (مثلا 1-1.5%) كمكافأة لها. تتضمن الاتفاقية عقد خدمة فنية اعتيادي (اي شراء من الصين مواد وخدمات)، وهذا واعز آخر للصين، كذلك تتضمن الاتفاقية ان بعد اكمال العمل، يتم دفع الديون بالنفط لحين الاسترداد، وقد يكون من صالح العراق زيادة الكميات المصدرة للاسراع في تسديد ديونه، وبعد استكمال دفع كامل القرض، تضمن الاتفاقية ان العراق يستمر بالتصدير الى الصين بالاسعار العالمية (وهي بالواقع سوقه الطبيعية) ولمدة قد تصل الى (10-15) سنة. هنا حلت مشكلة العراق حيث سينفذ العمل بطريقة مباشرة ويحافظ على النفط المؤمم، ويتجنب عقود المشاركة (التي سنتكلم عنها لاحقا)، اذ سيكون عقد خدمة فنية اعتيادي. ان اختيار الصين، او اي دولة اخرى مشابهة، سيضمن للعراق تجنب تدخلات الشركات العالمية في شؤونه الداخلية ويضمن للصين تعامله مع بلد صغير مثل العراق، بدلاً من الشركات العالمية. وتقوم حاليا الصين بتطوير مثل هذه الاتفاقيات مع ايران او السعودية وكذلك فنزويلا والهند، وهي ايضا تحاول ان تجد النفط في افريقيا. تبقى هناك مشكلة ضمانة سداد القرض، اذ لااعتقد ستضمن البنوك العالمية العراق. في اسوأ الاحوال وفي حالة عدم الوصول الى نتيجة مرضية فمن الممكن ان يكون الحقل نفسه هو الضمانة. اي من الناحية العملية لايستطيع العراق ان ينتج ويصدر من هذا الحقل الاً بعد سداد الدين، وتستطيع الصين من خلال المحاكم الدولية الحجز على النفط العراقي المصدر في اي ناقلة نفط. بالرغم من ان الصين تحاول ان تجد حقول لمصادرها النفطية في جميع انحاء العالم، ولكن لن تجد مكانا افضل من العراق، وخصوصا عندما يكون هناك حقل مكتشف وجاهز وكبير مثل حقل الاحدب. بنفس الوقت سيجد العراق مصادر كثيرة للتمويل على هذا الاساس في آسيا، واوروبا الغربية، ولكن ستكون الصين هي الافضل في الاستثمار الاول. وان الحكومة العراقية ووزارة النفط ان ارادتا فعلا تطوير الحقول وبدون الدخول في عقود المشاركة، عليهما البحث عن هكذا مصادر تمويلية وانجاحها، وبذلك تحفظ حقول العراق، ولاتسمح بالدخول من الشبابيك للالتفاف على التأميم.

6) مسودة قانون النفط والغاز رقم (______) لعام 2007.

كما ذكرنا سابقا ان المسودة اعلاه سنسميها ” القانون الاتحادي” ، ومسودة قانون كردستان للنفط والغاز سنسميها “القانون الاقليمي”، وسنحاول في هذه الفقرة توضيح وتبيان الرأي بالقانون الاتحادي مع التطرق الى القانون الاقليمي كلما كان ذلك ضرورياً.

6-1) قبل الدخول في التفاصيل يجب ان نسأل لماذا “يجب” ان نضع قانون للمواد الهيدروكربونية (النفط والغاز) في هذا الوضع الطارئ للعراق، في الوقت الذي تستطيع الحكومة العراقية تحسين وتطوير حقولها النفطية الحالية، اضافة الى تطوير الحقول المكتشفة وغير المستغلة وايضا الاستمرار باكتشاف حقول جديدة وبدون اصدار قانون، وعلى شرط عدم جعل الاستثمار الاجنبي او المحلي الخاص “شريك” في هذه الحقول. السبب واضح وهو سياسي واقتصادي متعلق أساساً” بضرورة” مشاركة اجنبية او قطاع خاص عراقي وهذا ما لاتسمح به اDقوانين النافذة. فالنفط مؤمم، وجميع العمليات النفطية من المكمن الى المستهلك قطاع عام.

لانريد هنا ان ندخل في تفاصيل السبب الحقيقي للاحتلال الاميركي للعراق، وهو النفط، فلقد كتبت مئات الكتب والمقالات والتحليلات بهذا الخصوص واصبح امراً واضحاً لكل مدرك للعبة السياسية الاقتصادية. ان اميركا لاتستطيع ان تقول ان العراق “مستعمرة” رسمية لتستثمرفيه مباشرة، ولهذا كان من الضروري ان “يقرر” العراقيون بانفسهم السماح لهم بالمشاركة من خلال اصدار قانون ينقض قوانين التأميم السابقة التي تمت بعد نضال دموي دؤوب ضد الهيمنة الاجنبية وتحرير الثروة العراقية. إن المشكلة التي جابهت اميركا منذ الاحتلال حتى اليوم هو عدم استطاعتها اقناع العراقيين بذلك، ومن ضمن العراقيين القوى التي تعاونت معها اشد التعاون، والتي قبلت بالخصخصة، ولكن عدا قطاع انتاج النفط. لهذا عندما وضعت في ايلول/ 2003 ماسمّي “قانون الاستثمار الاجنبي” والذي مرّر تحت جنح الظلام في دهاليز مجلس الحكم السابق استثنى قطاع انتاج النفط وجاءت المادة (6أ) منه لتقول: ” يمكن القيام باستثمار اجنبي في القطاعات الاقتصادية في العراق كافة باستثناء التملك الاجنبي المباشر وغير المباشر لقطاع المصادر الطبيعية المتعلقة بالاستخراج الاوّلي والمعاملة الاوّلية يبقى ممنوعا ً. ورغم هذا الاستثناء لم يكتب لهذا “القانون” اي نجاح لرفض الجماهير العراقية له من خلال المقالات والاجتماعات والجرائد الوطنية العديدة، اضافة الى انه قانون غير شرعي اصلاً، إذ تم من خلال سلطة “عراقية” غير منتخبة ولذا غير شرعية، وفوق كل هذا فان الظروف الامنية السيئة والشاذة تجعل من المستحيل الاستثمار حتى للذين يريدون أن يعتبروا هذا “القانون” شرعياً. ثم جاء رئيس الوزراء العراقي المؤقت أياد علاوي ( والقريب جداً من الدوائر الاميركية) في تشرين الثاني/ 2004 ليضع ماسمّاه “الخطوط العامة للسياسة النفطية العراقية الجديدة”، والمشار اليها سابقاً، محاولاً البدء بتوقيع العقود مع الشركات الاجنبية باعتبار ذلك من صلاحية حكومته وباصرار كبير منه رغم اعتراض الكثير من الجماهير العراقية وكذلك الشركات الاجنبية نفسها باعتبار ان مايوقعه حبراً على ورق لعدم شرعية حكومته. وبعد م,يء “الحكومة ‘لEنتخبة” صدرت قوانين في النصف الثاني من سنة 2006 من مجلس نواب اقليم كردستان ومن مجلس النواب الاتحادي للسماح بالاستثمار الاجنبي عدا النفط. وكالعادة فان قانون الاستثمار الاجنبي مرّر في مجلس النواب الاتحادي وبدون مناقشة الجماهير له اذ لم تعلن مسودته الاّ بعد التصويت النهائي عليه، فلقد مرّر تحت جنح الظلام!. وبالنسبة للقوانين المتعلقة بالنفط فلقد اعلنت مسودة “القانون الاقليمي” للمناقشة للشهور الماضية، اما مسودة “القانون الاتحادي” فلم يعلن عنها لحد الآن فهي امر “سري للغاية” رغم انها تمثل حياة العراقيين الحاليين والاجيال المقبلة.

لم يتم اي استثمار اجنبي رغم صدور القوانين اللازمة، وكما يظهر للكل بوضوح لاتوجد اية بادرة أو نية أو رغبة بقيام الشركات الاجنبية بالاستثمار في العراق في هذه الظروف الامنية، وعدم استطاعة استقراء مستقبل البلد. وهنا يطرح السؤال نفسه لماذا الاستعجال الكبير لاصدار قانون النفط وتحديد السقوف الزمنية ” لضرورة” اصداره. اذا كان الامر لزيادة الطاقة التصديرية فمن الممكن العمل من خلال الحقول العاملة الحالية لارجاع الطاقة الى (3.5) مليون برميل/ اليوم وبدون الحاجة الى قانون او الى استثمار اجنبي وكما اوضحنا سابقاً. واذا كانت الحاجة الى مصافي جديدة، وهذا امر واضح، فمن الممكن ذلك بدون قانون او جعله من خلال قانون الاستثمار الاجنبي، وبتأييد كامل من الشعب العراقي، اذ هناك شحة قاتلة في المنتجات ونحن نستورد بأقيام تعادل بناء عدد من المصافي، ولاتوجد مشكلة امنية في إنشائها فهي قريبة من مصادر النفط في الشمال والجنوب، وعلى اية حال فان “القانون الفيدرالي” يستثني المصافي!!. إن الجواب يصبح واضحاً لو أخذنا تصريحات المسؤولين الاميركان مؤخراً، فلقد بدأها صندوق النقد الدولي في كانون ثاني/2005 قائلاً “يشدد عاملو صندوق النقد الدولي على اهمية الضغط باتجاه اصلاحات نقدية بنيوية، وتشمل الاصلاحات بشكل عاجل…. صياغة قانون جديد للنفط”. وأكد سام بودمان، وزير الطاقة الاميركي في تموز/2006، ” انهم بحاجة الى اصدار قانون للهيدروكربون يمكن الشركات الاجنبية ان تستثمر بموجبه”. وتستعجل كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الاميركية في تشرين الاول/2006 لتقول: ” ان مايحتاجون اليه هو قانون الهيدروكربون، لانه من الواضح، ان اكبر مصادر هذه الدولة هو البترول ويجب ان يتمكن جميع العراقيين من تصديق أن هذا المصدر سيتم استخدامه لما فيه مصلحتهم ، وليس لمصلحة الجهات الطائفية”.!! ومن الواضح أن غالبية العراقيين ترى ان هناك حاجيات ملحة عديدة يجب تنفيذها وتسبق الحاجة الى قانون الهيدروكربون، فكونداليزا في وادٍ والعراقيين في وادٍ آخر!!. ويدخل زلماي خليل زادة، سفير الولايات المتحدة في العراق، في تشرين ثاني/2006، على الخط ليقول: “اننا نعمل على مساعدة القادة العراقيين على اكمال ميثاقهم الوطني. على القوى السياسية الاساسية ان تأخذ قرارات صعبة في الاسابيع القادمة… سن قانون للنفط يعمل على اشتراك العراقيين في عوائد النفط بطريقة توحد البلاد.. وهذا الامر على قدر كبير من الاهمية”. استمر الاميركان بدون كلل لاكمال فرض اصدار قانون النفط، حيث صرح ديفيد ساترفيلد، مستشار وزيرة الخارجية الاميركية، ومنسق شؤون العراق، في تشرين الثاني/2006، بأنه “يتوجب على العراق ان يكمل التقدم في سن قانون وطني للهيدروكربون وأن يتابع العمل فيه والذي سيضمن توزيع المصادر الوطنية الحيوية بشكل مناسب بين العراقيين ويضمن اكبر قدر ممكن من الاستثمار الاجنبي في هذا القطاع”. واستمر الامر، حيث لم تنس لجنة بيكر (الجمهوري) وهاملتون (الديمقراطي) هذه المسألة. فلقد حاولت هذه اللجنة “العقلانية”!! والتي تمثل الحياة المؤسساتية للسلطة الاميركية، حفظ ماء الوجه وانقاذ مايمكن انقاذه من “المصالح الحيوية” الاميركية بسبب رعونة بوش والمحافظين الجدد، وذلك بوضع سلة من الاقتراحات تضمنت بالطبع النفط، فتقريرها ، الذي صدر في كانون اول 2006 يقول: ” على الحكومة الاميركية ان توفر باسرع وقت ممكن المساعدة الفنية للحكومة العراقية لاعداد مسودة لقانون النفط تحدد حقوق الحكومات الاقليمية والمحلية وتنشيء اطار عمل قانوني ومالي للاستثمار. فالوضوح القانوني ضروري لجذب الاستثمار”، ويضيف التقرير ” يجب ان تشجع الولايات المتحدة الاستثمار في قطاع النفط من قبل المجتمع الدولي ومن شركات الطاقة الدولية”، ويستمر ليقول “يجب ان يؤكد الرئيس من جديد ان الولايات المتحدة الاميركية لا تسعى للتحكم بنفط العراق”!!.

سقطت السياسة الاميركية في العراق، وعجزت قوتها الجبارة من تمرير مخططاتها الامبريالية، ولو انها نجحت في تدمير العراق ونشر الشقاق بين ابنائه. والآن تضطر لايجاد مخرج تسميه “مشرف” من العراق و ” يحفظ ماء وجهها”. باعتقادها ان الظروف مواتية لتمرير قانون للنفط يتطابق وماجاءت به اصلاً، وليس لديها وقت كاف للانتظار خصوصاً بوجود ضغوط اميركية داخلية عالية سواء في انتصار الديمقراطيين في الانتخابات النصفية للكونغرس (وبسبب العراق فقط)، او في ابتعاد الكثير من الجمهوريين عن سياسة بوش التي اطاحت بسمعة اميركا (ان كان لديها اصلاً سمعة). الوضع في العراق سيء جداً على العراقيين، وتزداد نقمتهم (حتى من قبل الذين جاؤوا مع الاحتلال او صفقوا له)، وهذا الوضع التعيس – قد يساعد في رأي الاميركان – في تمرير مثل هذا القانون وخصوصاً اذا تمت العملية في الدهاليز المظلمة وبتكتم شديد بعيد عن رأي الجماهير فيه. اضافة لذلك وجود حكومة وقوى سياسية وضعت مع الاسف مستقبلها ومستقبل العراق مع الاحتلال الاميركي ، وتريد ارضائه بالبقاء والمساندة، ومستعدة والى درجة كبيرة في التنازل عن امور حيوية، تعتقد في احسن الاحوال ممكن معالجتها لاحقاً. اضف الى ذلك فان الدوائر الاقتصادية العالمية المرتبطة بالولايات المتحدة ودوائر العولمة (الرأسمالية المنفلتة)، كصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي ووزارة الخزانة الاميركية، تعمل جميع هذه القوى على “فتح” الاقتصاد العراقي حتى في هذا الوضع الحالي البائس، والتهديد بعدم الغاء الديون وعدم المساعدة، علما ان الدين الاكبر جدا، هو تعويضات حرب الكويت لم يُلغ بالمرة ونحن ندفع ذلك، رغم ظروفنا المعيشية الصعبة. ويسأل العراقي من سيعوض عن اضرار العراقيين نتيجة الاحتلال؟!.

لهذا كله يريد بوش ان يحقق “نصراً”، وسيكون نصراً ستراتيجياً، وذلك بتمرير قانون يحقق – برأيه – الغاية التي جاءته الى العراق بغض النظر عما اعلنه من اسباب. فهو يعتقد انه سيحصل على النفط رغم خسارته العسكرية والسياسية، وان هذا الامر يجب ان يتم قبل اكمال ولايته، اي اصدار قانون نفط وجعله واقعاً من خلال توقيع عقود، قد لايمكن تنفيذها الآن ولكن يضمن في القانون انها يمكن تنفيذها لاحقاً، ولهذا جاءت المواد المتعلقة بمدد التنفيذ في “القانون الاتحادي” طويلة ومطاطة ويمكن تمديدها!!، وكما سنبين لاحقاً.اضافة لذلك يجب ان يمرر القانون من خلال الحكومة الحالية ومجلس النواب الحالي اذ قد يضطر الاميركان الى تبديل الحكومة عند فشل “الخطط الامنية” الحالية، وهو شيء متوقع، وعند ذلك يعلن عن حكومة “انقاذ وطني”، تعمل على تعطيل الدستور واعلان الاحكام العرفية لمدة سنتين وحل مجلس النواب، كما اعلن اياد علاوي والاجهزة الاعلامية الاميركية، وعند ذلك كيف يصدر قانون بدون مجلس نواب؟!. الآن رفع الحذر الذي كان عليه الاحتلال في سنة 2003 فيما يتعلق بعمليات استخراج النفط وتحديدها بالعراقيين في قانون الاستثمار/ 2003 في حينه، واوضح بوش بجلاء، هو والشركات النفطية الاميركية التي اتت به للحكم، انه يريد عمليات استخراج النفط بالذات، انه يريد “الجائزة”!!، ويذكرنا ذلك في افتتاحية لجريدة سنداي ستار تايمز في 18/2/2002 حيث تقول بصراحة، ” بالنسبة للشركات النفطية العالمية يبقى العراق الجوهرة غير الممسك بها في تاج الشرق الاوسط”. برأينا سوف لن يستطيع بوش والشركات النفطية الاميركية، ان يحصل على “الجائزة-الجوهرة”، فما سيمرر من قانون في هذه الظروف – ان مرّر – سيكون غير لائق بمصالح العراق وخبرة ابنائه في العمليات النفطية، ويتم في زمن ليس للعراقيين يد في تقرير مصيرهم ومصير اجيالهم، في زمن الاحتلال وعدم الامان وفقر العيش وانتشار الفساد المالي الى مداه الأبعد، ولذا سيعمل بشتى الطرق لاسقاطه والغاءه وذلك في ظرف افضل للعراق!!.

6-2) صيغ عقود مشاريع تطوير الحقول النفطية:-

لكي نفهم بنود القانون نرى اعطاء ايجاز صغير لصيغ الطرق التي يمكن بموجبها تنفيذ مشاريع تطوير الحقول النفطية. اذ بصورة عامة يمكن تقسيم هذه الطرق الى ثلاث انواع، وضمن هذه الانواع هناك اشكال مختلفة ومتداخلة، سنتطرق لها دون الدخول بالتفاصيل.

1)الصناعة المؤممة:

في هذه الطريقة تقوم الدولة باتخاذ جميع القرارات وتنفيذ الاعمال وتستلم جميع العائد النفطي. قد يكون هناك دور للشركات الاجنبية، ولكن لا يتجاوز تأجير خدماتها في مختلف الفعاليات في عقد واحد او عدة عقود اعتيادية تسمى “عقود الخدمة الفنية Technical Service Contracts” لعمل محدد في مدة محددة لقاء اجر محدد. وهذه الطريقة طبقت في العراق منذ تأميم النفط في اوائل السبعينيات وتنفذ حاليا في الغالبية العظمى من دول منطقة الخليج.

هناك اشكال مختلفة من عقود الخدمة الفنية، طورت نتيجة الحاجة الى المال او الخبرة او لظروف سياسية واقتصادية معينة وقد تقترب من الطريقة المبينة في (ج) ادناه.

اولاً/ عقد الخدمة مع المجازفة Risk Service Contract:

في هذا النوع من العقود تقوم الشركة الاجنبية بتقديم رأسمال للاستثمار في عمليات تطوير المشروع، وعندما يبدأ الانتاج، تعوض الشركة على الرأسمال المقدم مضافا اليه اجر محدد لكل برميل نفط منتج، وبهذا تستطيع الشركة ان تزيد ارباحها بزيادة الانتاج، وبنفس الوقت فان الشركة تتحمل مجازفة ان المشروع قد يفشل، خصوصاً عند عدم وجود تحريات واستكشافات مسبقة. استخدمت هذه الطريقة في الجزائر في اوائل انتاجها، وهو مفيد في الحقول غير المكتشفة، ولكن توجد مشاكل في تحديد انتاج الشركات لاحقاً لاسباب متعلقة بالدولة، مثل ضمان السير وفق حصة اوبك.

ثانيا/ عقود شراء المباع Buyback Contracts:

لقد طورت ايران هذا النوع من العقود في التسعينيات لتطوير عدد من الحقول النفطية. هذه العقود مشابهة لعقد الخدمة مع المجازفة المذكورة في الفقرة اعلاه، ولكن يكون لفترة اقصر تصل الى (5-3) سنة انتاج بعد (2-3) سنة للتطوير. بعد هذه الفترة تستلم شركة النفط الوطنية الحقل وتحتفظ بجميع العوائد. ان الاجر المستحق للشركات الاجنبية يدفع بالنفط وليس نقداً ويحتسب على نسبة الاستثمارات التي وضعتها الشركة الاجنبية، على ان يضمن نسبة عائد متفق عليها مع شرط الوصول الى معدلات انتاج متفق عليها ايضا في العقد. وبهذا ايضا تتحمل الشركة الاجنبية المجازفة في حالة عدم امكانية الانتاج او الوصول الى معدلات اقل مما متفق عليها.

ثالثاً/ عقود التطوير والانتاج Development & Production Contracts

وهذه العقود مشابهة للتي توصل اليها العراق في فترة الحصار في التسعينيات مع عدد من الدول لمحاولة لكسر الحصار والحصول على تأييد سياسي للحكم السابق، والتي لم تثمر بالنتيجة المرجوة، اذ لم تقم اية جهة بالعمليات اللازمة للتطوير وكسر الحصار. ومن هذه العقود، عقد حقل الاحدب (مع شركات صينية)، وعقد غرب القرنة (مع ائتلاف شركات روسية)، وعقد حقل العمارة (مع شركة فيتنامية)، مع محاولات اكمال عقود مشاركة بالانتاج مع شركات فرنسية مثل الف (حقل مجنون) وتوتال (حقل بن عمر)، ومع شركات ايطالية واسبانية (حقل الناصرية)، وائتلاف كوري صيني استرالي (حقل الحلفاية)، وكذلك مع شركات نمساوية ويابانية وصينية (حقل شرق بغداد)، Hائتلاف هندي جزائري اندونيسي (حقل الطوبة)، وغيرها، وكلها لم تصل الى اية نتيجة، ولم تستطع اية دولة العمل وكسر الحصار فالموضوع هو انتاج النفط وليس شيء آخر، فلقد كان انتاج النفط خطاً احمراً بالنسبة لاميركا.

ان عقود التطوير والانتاج مشابهة وقريبة جداً الى عقود المشاركة بالانتاج، وهي تكون في بعض الاحيان فقط تلاعب بالكلمات لتجنب ذكر عقود المشاركة بالانتاج، غير المرغوب بها في الصناعة المؤممة وخصوصاً في استغلال الحقول المكتشفة والموثقة والكبيرة مثل مجنون او غرب القرنة او شرق بغداد وغيرها.

في هذه العقود تقوم الشركات الاجنبية بالاستثمار في تطوير الحقول النفطية لفترة محددة (10-12) سنة، وبعدها تسلم الى شركة النفط الوطنية او الشركات النفطية العراقية، ولكن تستمر الشركة الاجنبية بتقديم خدماتها من خلال عقود الخدمة الفنية ولمدة تصل الى (15) سنة، خلال مدة العقد تستمر الشركة الاجنبية في حقها بشراء النفط بسعر السوق او بتخفيض متفق عليه. تحدد هذه العقود مشاركة الحكومة العراقية في رأسمال الشركة كما تحدد حصة الارباح التي تحصل عليها الشركات من خلال حصة في النفط المنتج. قد يمكن تحسين ميزات هذا النوع من العقود اذا تضمن بنود تبين امكانية اعادة النظر بها وبشروطها خلال مدة معقولة مثلا كل 4-5 سنوات.

2) الامتياز Concession: واحيانا يسمى نظام الضرائب والريع Tax and Royalty System، حيث تعطي الحكومات امتيازاً الى شركة او مجموعة شركات (كونسورتيوم)، قد تكون هذه الشركات خاصة او حكومية اجنبية، ويشمل الامتياز اعطاء رخصة License لاستخراج النفط والذي يكHن ملك الشركة عند استخراجه، والشركة تدفع بالمقابل ضرائب وريع متفق عليهما. قد تكون الدولة شريكة في الكونسورتيوم ، وهذا الامر هو تطوير لعقود الامتياز. حالياً لا يعمل بهذه الطريقة الاّ على نطاق ضيق جداً، اذ تعتبر من بقايا السيطرة الاستعمارية!!.

3) عقود اتفاقيات مشاركة الانتاج Production Sharing Agreement:

علينا ان ننظر بدقة وحذر الى هذا النوع من العقود (وكذلك العقود السابقة والمشابهة لهذه العقود، والمذكورة في الفقرة 6-2أ ثالثا اعلاه). فمعظم المشاكل والتساؤلات والاعتراضات على “قانون النفط والغاز” ستأتي بالاساس من مثل هذه العقود، وهي المحور الاساسي للقانون الاتحادي والقانون الاقليمي. في هذه العقود يعتبر النفط ملك الحكومة عندما يكون في المكمن، وكذلك يعتبر ملك الحكومة، عند الانتاج، “شكليا” ولكن للشركة حصة فيه عند استخراجه.

العراق احد البلدان التي اممت النفط بتضحيات جسام، وبنت قاعدة محلية قوية لامكانية تنفيذ تطوير وتوسيع الصناعة النفطية اعتماداً على قواها الذاتية، ولها احتياطي عالٍ جدا من النفط المكتشف غير المستغل وكذلك امكانيات عالية بوجود احتياطيات اخرى غير مكتشفة، ولو ان هذا الحتياطي سبب له كل المشاكل والمآسي التي يعاني منها الآن. لو كان العراق “بلد لتصدير الموز وبلا نفط لما اهتم به احد”، وهذه مقولة كررها اكثر من سياسي واختصاصي عالمي. لهذا السبب يرى مواطنيه وبالاخص الكادر النفطي إن من الخطأ والظلم الرجوع عن التأميم ومشاركة الشركات الاجنبية في ثروتهم النفطية، ويعملون دائما على مقاومة هذا الاتجاه، وهذا الامر ينطبق على جميع الدول المنتجة المهمة في العالم. كان على الشركات النفطية العالمية وحكوماتها ان تجد البديل، وكان البديل هكذا نوع من العقود.

ان نظام عقود مشاركة الانتاج (او القريبة منها)، هو من الناحية النظرية هو النظام الامثل للعلاقات النفطية، حيث الدولة تملك السيطرة الكاملة على النفط (اي لاتناقض التأميم والسيادة الوطنية)، بينما الشركات الاجنبية (بضمنهم الكونسورتيوم لمجموع شركات، قد تضم شركات حكومية اجنبية) تقوم بانتاج النفط تحت شروط عقود محددة. ولكن من الناحية العملية فإن عمل وإشراف الدولة يحدد كثيرا في هذه العقود. وينقل عن السيد برهم صالح، نائب رئيس الوزراء ورئيس لجنة قانون النفط بتصريح عنه في ابي ظبي في 10/9/2006 قوله: “انا شخصياً افضل اتفاقيات مشاركة الانتاج. علينا ان نضمن زيادة المنافع والايرادات لاقصى حد للشعب العراقي”، ولكن البروفيسور توماس والده من جامعة داندي يقول عن هذه العقود ” انها زواج مناسب… فهي تعطي الحكومة رضى سياسي وتعطى الشركة الاجنبية رضى تجاري. وتبدو الحكومة وكأنها تدير المشهد، ويمكن للشركة الاجنبية ان تديره من وراء تمويه التعبير القانوني الذي يرمز الى تأكيد السيادة الوطنية”. ولهذا يجب اتخاذ كافة الاحتياطات في القانون النفطي لكي يؤكد وجود عقود واضحة تحمي حقوقنا في حالة اعتماد عقود مشاركة الانتاج، وباعتقادنا – وكما سنرى لاحقا – إن ” القانون الاقليمي” نجح الى حد كبير بهذا الامر.

ان هذا النوع من العقود يعتمد على قيام الشركة الاجنبية بتوفير الاموال اللازمة للخطوة الاولى في عمليات التحري والاستكشاف، وللخطوة الثانية في عمليات الحفر واستكمال البنية الاساسية لحقل نفط جاهز للانتاج والتصدير. ويتم استرجاع المبالغ المصروفة من قبل الشركة، وذلك بتخصيص حصة للشركة من الانتاج النفطي الاول والذي يسمى “نفط الكلفة Cost Oil”، وبعد ان يكمل استرجاع المبالغ المصروفة من قبل الشركة فان النفط الباقي يسمى “نفط الربح Profit Oil”، والذي يقسم بين الدولة والشركة بنسب يتفق عليها. واعتياديا توضع ضرائب على حصة الشركة من “نفط الربح” ، كذلك تدفع الشركة “ريعاً Royalty” على النفط المنتج، ويمكن ان تدفع حوافز اخرى يحددها العقد. في احيان كثيرة جداً تساهم الدولة في رأسمال الشركة وتصبح جزء من تجمع الشركات (الكونسورتيوم) الذي يتعاقد مع الدولة.

ان تحديد الفترة الزمنية للتنفيذ، ونسبة الريع والحصص لنفط الانتاج ونفط الربح، وطريقة سيطرة الدولة على الكلف المصروفة او الخطط والعمليات الانتاجية كلها تحدد بالعقد. إن العقود الموقعة في العالم لهذا النوع في التسعينيات وما قبلها ذكرت ان الشركات تأخذ بين 40-100% من نفط الكلفة، لاسترجاع اموالها المصروفة، وتلقت الدولة بين 60-92% من نفط الربح. طبعا هذه النسب يجب دائما ان تتعدل في صالح الدولة خصوصاً فيما بعد سنة (2004) اذ ان اسعار النفط ارتفعت الى درجة عالية بحيث ان النسب المذكورة تبدو فوق درجة السخاء. وكمثال على ذلك ان الشركة التي تأخذ 30% من نفط الربح والدولة 70%، فعندما كان العائد للبرميل 20 دولار، تحصل الشركات على 6 دولار/ البرميل. وعندما يصل العائد للبرميل 50 دولار (حيث كلفة الانتاج تقريبا ثابتة) تحصل الشركات على (15) دولار/ البرميل بدلاً من (6) دولار، اي بزيادة مرتين ونصف، نتيجة زيادة اسعار النفط. لهذا من الواجب ادخال فقرة في العقود توجب اعادة النظر بهذه العقود بعد مضي فترة مناسبة، مثلاً كل (4-5 سنوات). هذا وكذلك فان العقود الحالية لا تتضمن بنود تقاسم لنفط الربح (اي الارباح)، وانما نسبة معدل عائد داخلي (IRR Internal Rate of Return) معقول. ان نسبة مشاركة الدولة في العقود الموقعة العالمية الماضية. وصلت الى 10-50% من رأسمال الشركة التي حصلت على العقد.

في الاخير نود ان نضيف ان دولاً ذات الاحتياطي النفطي العالي مثل السعودية وايران والكويت والامارات (والمفروض العراق)، لايوجد فيها عقود مشاركة الانتاج. كما ان عقود مشاركة الانتاج في فنزويلا وروسيا في انخفاض مستمر وهناك محاولات جدية لانهاء ماموجود منها.

على ضوء ذلك قد يكون من المفيد توقيع عقود مشاركة في العراق، للحقول المكتشفة الصغيرة جداً، او في قطع اراضي لم يتم فيها تحريات نفطية سابقاً، بعد التأكد من الصيغ العقدية، ونأمل ان يكون تصريح السيد برهم صالح المبين سابقا هو لمثل هذه الحقول او قسم من التي يتم العمل بها في كردستان حالياً، وإنه لايتكلم عن حقول مثل مجنون او القرنة او شرق بغداد وغيرها من الحقول العملاقة والمتوسطة.

حسب المعلومات المتوفرة لنا حالياً ان حكومة كردستان وقـّعت اربع اتفاقيات مشاركة بالانتاج، اذ وقـّعت في نيسان/2003 (مع بتراويل Petoil التركية)، وفي كانون الثاني 2004 (مع جينيل اينيرجي التركية)، وفي حزيران 2004 (مع DNO النرويجية)، وفي حزيران 2005 (مع ويسترن اويل ساندز Western Oilsands الكندية).

من المحتمل ان تضم جميعها كميات 5غيرة نسبيا من النفط، وجميعها تعطي شروطاً “سخية” للشركات.

6-3) مناقشة نصوص قانون النفط والغاز

آخذين بنظر الاعتبار رأيي الذي بينته سابقا بعدم وجود الحاجة والامكانية لإصدار قانون نفط في الظروف الحالية في العراق، ولكن رغم هذا سأبين بعض الملاحظات على مسودة القانون المطروحة.

فيما يلي اهم النقاط التي اود تبيانها:

1) المادة (2) نطاق التطبيق

استثنت الفقرة (2) من القانون “تكرير البترول وتصنيع الغاز واستخداماتهما الصناعية، وكذلك خزن ونقل وتوزيع المنتجات النفطية”. لم يبين القانون لماذا هذا الاستثناء، هل انها تبقى مؤممة، ام يتوقع صدور قانون آخر حولها. اذ من غير المنطقي بالمرة ان تشارك الشركات الاجنبية والقطاع الخاص في عمليات الانتاج، (وهي ذات الربح العالي جدا)، ولاتشارك في العمليات اللاحقة المبينة اعلاه والتي تتضمن ايضاً صناعة مختلف انواع البتروكيمياويات والاسمدة الكيمياوية، اضافة الى امكانية بناء مصافي كبيرة تغطي حاجة العراق والتصدير (والتي في مجملها ذات ربح محدود وضمن الربح المعقول في المشاريع الصناعية). المفروض العكس هو الصحيح، وهو عدم المشاركة الاجنبية والقطاع الخاص في الانتاج والمشاركة في البقية.

لهذا نرى اضافة جميع العمليات النفطية اللاحقة للانتاج الى القانون. علماً ان “القانون الاقليمي” لكردستان تضمن ذلك بموجب المادة (4) منه اذ ذكر ان القانون يطبق على جميع العمليات النفطية، ولم يستثني اي جزء منها.

2) المادة (1) :

يكرر في هذه المادة حرفيا ماجاء بالمادة (111) من الدستور بدون حذف او اضافة. وكما اوضحنا سابقا بالتفصيل في الفقرة (3) في هذه الملاحظات ان هناك مواد عديدة اخرى في الدستور، (اوردها القانون ايضا في باب الاسباب الموجبة)، نتيجتها ان الكلمة النهائية في السياسة النفطية هي للاقاليم والمحافظات المنتجة للنفط، لذا فان جميع الفقرات التي تشير الى ان السلطات الفيدرالية (بضمنها مجلس النواب) لها الكلمة العليا، هي فقرات غير دستورية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر جميع فقرات المادة (5) صلاحيات السلطات، والمادة (6) شركة النفط الوطنية والمادة (7) وزارة النفط والمادة (8) تأهيل وتطوير الحقول والتنقيب عن النفط والغاز والمادة (9) منح التراخيص، والمادة (20) القيود على مستويات الانتاج وغيرها من المواد التي تعطي الكلمة النهائية للسلطات الاتحادية.

هذا ومن المهم جداً ان يتضمن “القانون الاتحادي” مادة واضحة تبين عدم العمل باية مادة تناقض ما جاء في هذا القانون وعلى نطاق العراق ككل، علماً ان “القانون الاقليمي” لكردستان في المادة (77) يقول بهذا المعنى. والذي يعني ان “القانون الاقليمي” يعلو على “القانون الاتحادي”، وهذا الامر سيؤدي الى فوضى هائلة خصوصا فيما لو اصدرت الاقاليم والمحافظات الاخرى قوانين للنفط وكما اوضحنا سابقاً.

نؤكد لايمكن تمرير هذا القانون دستورياً، وبالتأكيد لايمكن امرار القانونين سوية فهما متناقضين، واذا تم ذلك، سيكون بنظرنا استهزاء بالمواطن العراقي وستنقضه اية محكمة دستورية مقبلة.

3) تشير المادة 6ب ثانيا، حول عمليات شركة النفط الوطنية، حيث يقول ان مسؤولية هذه الشركة تطوير وادارة وتشغيل الحقول المكتشفة وغير المطورة والمناطة بها والمذكورة في الملحق (2)، بالاضافة الى تشغيل الحقول العاملة حالياً.

لايوجد الملحق (2) وانما مايفهم منه هي الحقول المبينة في الفBرة (4-1) من هذه الملاحظات المكتشفة وغير المطورة والبالغة (71-24 المستغلة)، اي (47) حقل. قد يكون المقصود كل هذه الحقول او قسم منها. ان الفقرة أ من المادة (6) تقول ان شركة النفط الوطنية شركة قابضة ومملوكة بالكامل من قبل الدولة العراقية. ولما كان لاتوجد اية مادة في القانون تقول ان هذه الشركة لاتسمح بمشاركة رأسمال اجنبي او محلي خاص في تطوير هذه الحقول، بل قد يفهم العكس، خصوصا المادة (5جـ ثانيا)، بأن عملها يسير وفق هذا القانون، اي تستطيع المشاركة مع الاجنبي او القطاع الخاص، لذا ارى مايلي:

ان يحوي الملحق جميع الحقول المكتشفة وغير المستغلة.

ان ينص في القانون ان تطوير هذه الحقول يتم بالتنفيذ المباشر او وفق “عقود الخدمة الفنية” المشار اليها في الفقرة (6-2أ) من هذه الملاحظات. اي بدون مشاركة اي رأسمال اجنبي او قطاع خاص عراقي. إن هذه المسألة مهمة جدا وخصوصا بالنسبة للحقول العملاقة او المتوسطة المكتشفة سابقاً. وفي حالة عدم شمول جميع الحقول فعلى الاقل شمول اكبر (25) حقل منها.

4) جاء في الاسباب الموجبة ، “حيث ان القطاع الوطني المرتبط بصورة مباشرة او غير مباشرة بقطاع النفط بحاجة الى دعم وتشجيع حتى يتمكن من لعب دور بارز في تطوير هذا القطاع”، وكذلك “حيث ان التحديث والتطوير الاضافي للصناعة النفطية سوف يعززان بمشاركة مستثمرين دوليين ومحليين يتمتعون بمهارات عملية وادارية وتقنية معتمدة بالاضافة الى مصادر مالية نشطة…” وكذلك بقية فقرات القانون منها المادة (9) في منح التراخيص للاجانب والعراقيين (القطاع الخاص).

من كل اعلاه هو السماح للاستثمار الاجنبي والقطاع الخاص العراقي في الاستثمار في عمليات انتاج النفط. ان الادعاء بالسماح للاستثمار الاجنبي بالعمل هو للحاجة الى الاستثمارات المالية، والى التقنيات “الحديثة”. ولكن لا ارى سبباً لادخال الرأسمال العراقي في هذا الاستثمار، حيث ماجاء في الاسباب الموجبة المبينة اعلاه غير صحيح بالمرة، ويغاير الواقع العراقي. من هم الاشخاص او الشركات العراقية التي تملك الاستثمارات وتتمتع بالمهارات الفنية، التي تضيف الى امكانيات وزارة النفط او شركة النفط الوطنية المقبلة. لايوجد احد بالمرة. إن من يملك المال هم بالاساس ممن اغتنوا في زمن العهد السابق من خلال العمل مع النظام او استغلال فترة الحرب والحصار للاغتناء، ومبالغهم ليست بالمبالغ الضخمة. اما الخبرة “التقنية والادارية” المتعلقة بالنفط فهي فقط عمليات سرقة وتهريب النفط ومنتجاته. ان ادخال العراقيين في هذا المضمار هو فقط وسيلة من الشركات الاجنبية لاستغلال العلاقات مع الاشخاص والجهات المعنية باعطاء الرخصة، او من لهم ارتباط باشخاص وجهات واحزاب سياسية لها نفوذ على السلطة العراقية تساعد في اعطاء الرخصة، وبذلك نشر الرشاوى والفساد المالي. لعل الخبر الطريف الآتي يعطي بعض الصورة: في سنة 2004 ارادت شركة شيل النفطية العملاقة تعيين “مدير للعلاقات الخارجية مع العراق” لمساعدة الشركة للوصول الى صانعي القرار في الحكومة العراقية،وحددوا في اعلان طلب الوظيفة “شركة شيل بحاجة الى شخص ذو اصول عراقية، وله ارتباطات عائلية قوية ونظرة داخلية فاحصة في شبكة العوائل المهمة في العراق”!!.

نؤكد هنا نحن نتكلم عن مليارات الدولارات كاستثمارات او عوائد، ولايمنع الشركات الاجنبية من اعطاء حصص لعراقيين يساعدوهم في الحصول على تراخيص، وعلى مساهمة للقطاع العراقي الخاص في المشاريع. وهناك من يقول ان القطاع الخاص اقدر وانشط في جلب القروض النفطية الى العراق من القطاع العام، وهذا ماجاء في السياسة النفطية التي اصدرها رئيس الوزراء الاسبق اياد علاوي والمشار اليها سابقاً. وهذا طبعا امر غير منطقي بالمرة واجبت عليه في حينه بمقال عند مناقشة الخطة.

لذا ارى رفض دخول القطاع الخاص لعمليات الانتاج بالمرة، ويمكن ان يدخل في العمليات اللاحقة.

اما بالنسبة للاستثمار الاجنبي فلقد بينت رأيي بالموضوع في الفقرة (5-2) اعلاه برفض الاستثمار الاجنبي في الانتاج. واذا كان لابد من ادخال الاستثمار الاجنبي فيكون في العمليات النفطية اللاحقة للانتاج، او الاستثمار في حقول صغيرة مكتشفة او في اراضي قد تكتشف فيها حقول نفطية لاحقاً.

هـ) مشاركة الدولة (المادة 12)

ان المادة (12أ) تقول” ان حكومة جمهورية العراق تلتزم بالحصول على مشاركة وطنية حقيقية في ‘دارة وتطوير مصادرها النفطية على اساس المادة (111) من الدستور”. اما في النسخة الانكليزية من مسودة القانون الصادرة في تموز/2006، فبدلا من الاشارة الى الفقرة (111) من الدستور، فانها تضيف “لغرض تعزيز السيطرة الوطنية”.

والمادة (12ث) تقول ” تحتفظ جمهورية العراق بحق المشاركة في العمليات النفطية في أية مرحلة من مراحل العمليات النفطية حسب الفقرات والشروط القائمة بالعقد”.

هنا يتكلم القانون عن مشاركة “حقيقية” كما في المادة (12أ) و “الاحتفاظ بالحق” في المادة (12ث). ولاوجود أمر صريح في المشاركة المالية في رأسمال الشركة التي يحال عليها العطاء. المشاركة الحقيقية يعني وجود استثمار عالي في الشركة التي يحال عليها العطاء، وهذا يجب ان يثبت بوضوح في القانون، حيث يجب اضافة مادة تقول “ان مشاركة الحكومة العراقية في الشركة التي يحال عليها الترخيص امر واجب، وعلى ان لايقل عن..”.

هنا افضل وضع رقم معقول للمشاركة وهو ان لايقل عن 30%. ولو ان 30% لايعني امكانية السيطرة على الشركة. اما اذا اعطى احد الحقول المكتشفة وغير المنتجة المتوسطة الحجم (مثلا بوجود احتياطي 0.2 مليار برميل)، فيصعد الحد الادنى للمشاركة الى 45%. اما اذا وصل الاحتياطي 0.5 مليار برميل، فنرى ان لاتقل المشاركة عن 51% لتكون هناك سيطرة “حقيقية”.

ملاحظة:

الملاحظة التالية خارج نص المادة. فلقد رأينا عموما في المسودة عدم دقة الترقيم، والمادة (12) مثال جيد فهي تقسم الى أ،ب،ت،ث،ج. وعادة في العربية لاتقسم كذلك، اذ يستخدم ابجد،هوز،حطي… الخ. علما في مواد اخرى من نفس المسودة استخدمت الاخيرة، كأن كل مترجم استخدم اسلوب. كذلك تشير المادة (12ج) الى المادة (12-4) ولاتوجد مادة (12-4) والمقصود (12-ث).

ان استخدام الارقام هو الاسلوب الامثل في القوانين، ومثلاً في المادة (12) نقول

12-1، 12-2، 12-3، … الخ واذا في المادة 12-1 توجد عدة فقرات نقول 12-1-1، 12-1-2… الخ.

و) المادة 13 عقد التنقيب والانتاج:

اولاً/ الافضل لتوضيح هذه المادة ان نأخذ مثلاً عند اعطاء تراخيص في اراضي لم يتم فيها الاستكشاف والتنقيب سابقاً، لذا لايعرف ماهي كمية الاحتياطي.

الذي يفهم من فقرات هذه المادة كأن الاستكشاف والتنقيب، وكذلك التطوير والانتاج يتم في عقد واحد. يعطى فيه مهلة ابتدائية لاتتجاوز (4) سنوات، ثم منحه مهلة ثانية لاتتجاوز السنتين (بشروط برنامج عمل جوهري يحققه خلال هذه الفترة). ثم “للهيئة المختصة ان تمنح مهلة ثالثة للتنقيب.. ولمدة سنتان”، وذلك كما جاء في المواد (13ب 1و2و13ث). اما المادة (13-ج)، تقول “في حالة اكتشاف ما، فان مالك ترخيص التنقيب والانتاج سوف يحتفظ بالحق الحصري لاتمام العمليات.. لتقييم او تحديد القيمة التجارية للاكتشاف.. مع تمديد سنتين لاكتشاف نفطي واربعة سنوات لاكتشاف غازي” .

من اعلاه نرى المدة والتمديدات هي 4+2+2+2=10 سنوات لحد تحديد الكميات!! (وبدون انتاج). بالواقع حسب الصيغة العقدية يستطيع في الاربع سنوات الاولى ان لايعمل شيء يذكر.

ثانياً/ في المادة (13ج) يعطى فترة عقد لمدة لاتتجاوز الـ(20) سنةتمدد (5) سنوات من تاريخ الموافقة على تطوير الحقل، وبذا تصل مدة العقد الى (30) سنة قابلة للزيادة الى (35) سنة.

لم اجد في المواد مايجبر المتعاقد (بموجب العقد) على التنازل مثلاً عن 25% من الرقعة المخصصة بعد سنتين وباختياره و 25% اخرى بعد سنتين اخريتين وايضا باختياره، إلاّ اذا وجد نفط او غاز باكثر من 50% الباقية فلا يتم التنازل إلا عن الارض الزائدة.

ثالثا/ من هذا نرى ان المدد طويلة جداً، ولاتساعد على العمل الجدي منذ يوم اعطاء الرخصة. ان هكذا بنود فضفاضة تسمح للمرخص له ان لا يقوم بعمل في ظروف العراق الحالية، وعندها تنتفي الحاجة الى اصدار قانون للنفط والغاز الآن.

كما لااعرف كيف يمكن وضع شروط للعقد تحمي الجانب العراقي ، بدون معرفة قيمة الاحتياطي الموجود، اذ ستلح الشركة الاجنبية على وجود “مخاطر” لقاء احتمال عدم وجود احتياطي مقابل صرفها لمبالغ، وسيضطر الجانب العراقي الى التساهل في الشروط العقدية.

رابعاً/ لقد حلّت مسودة “القانون الاقليمي” لكردستان الامور المثارة اعلاه فهي تقسم العمل الى “استكشاف وتنقيب” وبمدد محددة ويتم التنازل خلالها عن الاراضي من المقاول وبنسبة 25% كل سنتين. كذلك القيام بعقد جديد (مع نفس الشركة)، لاغراض التطوير والانتاج، اذ تتوفرعند ذلك المعلومات اللازمة لاكمال عقد يحمي مصالح الطرفين. ولقد وضعت نصوص دقيقة وواضحة لهذه المراحل تحمي استمرارية وجدية وسرعة العمل، بالاضافة الى امكانية الجهات الحكومية في كردستان في الحصول على جميع المعلومات المطلوبة وبدون اخفاء اية معلومات وإلاّ يلغى الترخيص.

ارى الاخذ بالنصوص الموجودة في قانون اقليم كردستان بالكامل في هذا الخصوص، ولو من الاصلح برأيي تقليل المدد المذكورة في هذه النصوص.

ملاحظة:

وهنا ايضا اود ان اذكر ملاحظة مهمة تتعلق بالعقد كله، وهي المتعلقة بالتعاريف.

التعاريف مسألة اساسية جداً في وضع اي قانون، فهي توضع كمادة اولى في اي قانون، بينما في “القانون الاتحادي” وضعت في المادة (4)، وفي ” القانون الاقليمي” في المادة (1) لكي تشمل كل مواد القانون.

يجب ان تكون التعاريف شاملة، ولو تأخذ حيز كبير من القانون، عند مطالعة كل فقرة تستطيع ان تعرف ما المقصود بما بموجود بالرجوع الى التعريف. وكمثال بسيط، فان في المادة (13) التي نتكلم عنها الآن، تذكر “مالك الترخيص”، وهو شخص او جهة غير موجودة في التعاريف. والذي يزيد الامر ابهاماً ان المادة (33) المتعلقة بتطبيق قوانين مكافحة الفساد (وهي مادة مهمة جداً لم تكن موجودة في الصيغة الانكليزية للقانون الاتحادي، وادخلت مؤخراً)، تتكلم عن معاقبة “الشخص المخول”، ولكن من هو “الشخص المخول”، اذ لايوجد في التعاريف، وماموجود في التعاريف هو “الشخص العراقي”، ” والشخص الاجنبي”. هنا لااعرف كيف نطبق المادة المهمة المتعلقة بالفساد.

اضافة لذلك فان الكثير من التعاريف الموجودة في “القانون الاتحادي” غير واضحة وناقصة المعنى او الفحوى.

برأيي من الافضل والاسهل اخذ التعاريف الشاملة والدقيقة الموجودة في مسودة “القانون الاقليمي” لكردستان، واستعمالها بحذافيرها في القانون.

ز) قبل الاستمرار في مناقشة “القانون الاتحادي”، نرى من الافضل ابداء ملاحظات حول “القانون الاقليمي” لكردستان. وكما يلي:

اولاً/ من الواضح ان من اعدّ “القانون الاقليمي” هي جهة مختصة مهنية، محترفة وقادرة وذات معرفة كاملة بالتعابير الفنية والقانونية المطلوبة، ويقال ان من اعدّه هي مؤسسة ” بي اف سي انرجيز ادفايزور” الاستشارية الاميركية. اما من اعدّ “القانون الاتحادي” فهم السادة الذي سبق ان ذكرنا اسماؤهم. ومع اعتزازي الكبير بهؤلاء السادة وامكانياتهم الفنية والادارية العالية، مع امكانيات قانونية كافية لفهم نصوص القوانين او حتى وضع قسم منها، ولكن باعتقادي ليس بامكانهم وضع قانون مهم جدا ينتظره العالم كله مثل “قانون النفط والغاز”. وهذا القول ليس تصغيراً لهم بل بالعكس تكريماً لهم، فلكلٍ العمل الذي يبدع به.

لهذا فان “القانون الاقليمي”، (وما موجود لدي باللغة الانكليزية)، محكم ودقيق وشامل ويحافظ على المصلحة الكردية، اما “القانون الفيدرالي”، (وماموجود لدي باللغة العربية للمسودة النهائية في 15/1/2007، والمسودة الانكليزية في تموز/2006)، فلقد جاء بشكل يتطلب دقة اكثر وشمول اوضح.

ثانيا/ ان “القانون الاقليمي” ينسجم مع بنود الدستور، فيما عدا فقرة اعتقدها لاتنسجم مع الدستور، وهي قضية كركوك ومايتبعها، مما سمّاها “القانون الاقليمي” بـ “الاراضي المختلف عليها Disputed Territories” ، حيث تشير في التعريف الى المادة (58) من الدستور المؤقت، (والذي يربط الفترة الزمنية بحل القضية الى الدستور الدائم)، وكذلك يشير الى المادة (140) من الدستور الدائم، والذي ناقشناه في الفقرة (3) من هذه الملاحظات، حيث حددت آخر مدة لحل القضية في 31/12/2007، لهذا يكون من غير الصحيح وضعها في “القانون الاقليمي”، ولو بشكل مؤقت الى حين حلِها نهائياً. علماً شملت من الناحية العملية كل الحقول الشمالية مع البنية التحتية والمكملة لها مثل انابيب التصدير الى الموانئ. بالرغم من ان هذا الحل مؤقت، ولكن يعطي الصورة العامة كأنه يريد ان يغير من سياسة الواقع الحالي، ولاسيما تضمن المادة (22-2) التي قد تقرأ كتهديد بضرورة التزام الحكومة الاتحادية المركزية خلال (3) اشهر بالاتفاق مع اقليم كردستان والاّ تعتبر جميع الفقرات نافذة. ومن الناحية العملية لم يضع للحكومة الاتحادية المركزية ووزارة النفط الاتحادية اي دور يـُذكر مستغلا النصوص العقدية، ويفسرها بتعسف بكثير منها. جميع هذه الامور استفزت وتستفز القارئ الذي يفهم الفيدرالية وخصوصا مسألة النفط بشكل آخر، ومنهم كاتب هذه الملاحظات. ولو اتخذ “القانون الاقليمي” اسلوب آخر وترك مسألة كركوك وحقولها الى مابعد 31/12/2007، لظهر القانون بصورة اكثر تميزاً. علما ان هذا الامر لم يكن ليضُر باي شكل “الحكومة الاقليمية وشعب كردستان”.

ثالثا/ برأيي من الاصلح في الوقت الحاضر اعتماد “القانون الاقليمي”، كقانون اتحادي مع رفع الفقرات المتعلقة بكردستان فقط وتعديل الصيغ (وهي محدودة جدا)، لتحل السلطات الاتحادية محل السلطات الاقليمية. علما اؤكد من جديد ان وضع “قانون اتحادي” يكون المرجع لكل “القوانين الاقليمية” او “قوانين المحافظات” في امر النفط يتطلب تعديل الدستور.

ح) جاءت المادة (5) من “القانون الاتحادي” لتحدد صلاحيات السلطات. فكانت صلاحية مجلس النواب في المادة (5أ) هو فقط اصدار هذا القانون واي قوانين اخرى مرتبطة بالنفط والغاز وكذلك تصديق الاتفاقيات الدولية بهذا الخصوص.

فمثلا بالنسبة لهذا القانون تنتهي مهمته بالمرة بتصديقه. ولو صدر القانون بشكله الحالي، فهذا يعني ان ثروة العراق جميعا بيد السلطة التنفيذية، وبالاحرى بيد “المجلس الاتحادي للنفط والغاز” ، والذي يرأسه رئيس الوزراء، وعدد اعضاء المجلس قد يصل الى (25) شخص بينهم ثلاثة وزراء ومحافظ البنك المركزي وخمسة مستشارين يعينهم مجلس الوزراء. وهذا المجلس قد يصادق على اتفاقيات وعقود لتطوير حقول وفق “مشاركة الانتاج” التي تكلمنا عليها سابقا وقد تشمل حقل مجنون ذو (21) مليار برميل وتقدر قيمته بالاسعار الحالية بين (1050-1260) مليار دولار، او غرب القرنة الذي تقدر قيمته بالاسعار الحالية بين (750-900) مليار دولار، او شرق بغداد الذي تقدر قيمته بالاسعار الحالية بين (550-660) مليار دولار ، وبدون ان يصادق او حتى يطلع عليها مجلس النواب. بينما في “القانون الاقليمي” في المادة (31-5)، فان الوزارة لاتعطي عقد مايتجاوز قيمته الـ (50) مليون دولار الاّ بموافقة لجنة من مجلس النواب ومصادقة مجلس الوزراء. وهناك في قوانين لكثير من الدول النفطية ان عقود النفط وبالذات عقود الامتياز وعقود مشاركة الانتاج تتطلب مصادقة مجلس النواب.

ط) لم يذكر القانون ارقاما حول نسب العوائد مع الشركات الاجنبية، والذي نُشر في الصحف العالمية ووكالات الانباء، قد تظهر هذه الارقام في احدى الملاحق، وباعتقادي سوف لن تظهر، لذا لااستطيع التعليق عليها، مع ملاحظة مايلي:

اولا/ يتكلم “القانون الاتحادي” عن عقود “التنقيب والانتاج”، ولايذكر اسم “عقود المشاركة بالانتاج” ، بينما المفهوم الواضح بالقانون عن عقود التنقيب والانتاج هي نفس مفهوم “عقود المشاركة بالانتاج” المعروفة عالميا. بينما “القانون الاقليمي” كان واضحا وبدون لف، واستعمل التعبير الصحيح وهو “عقود المشاركة بالانتاج”. نرى وضع مايراد بصراحة واذا كان عقود “التنقيب والانتاج” تختلف عن المشاركة بالانتاج، فالمفروض يوضّح المعنى او الفرق بالقانون.

ثانيا/ وضع “القانون الاتحادي”، ريعاً (Royalty) ثابتاً لكل انواع النفوط وهو 12.5% من الانتاج الاجمالي، وذلك في المادة (34)، وهو رقم معقول وعالمي للنفوط المتوسطة والخفيفة. اما القانون “الفيدرالي” ضمن المادة(42) فلقد وضع الريع حسب كثافة النفوط، فكان 7.5% للنفط الثقيل جدا ( اقل من 20 API) ، و 8.5% بين النفوط الثقيلة والمتوسطة (بين 20-30 API) والحد الاعلى 10% للنفوط المتوسطة والخفيفة (اكثر من 30 API). وهي ارقام واطئة وخصوصا للنفوط المتوسطة والخفيفة. اما تقليل الريع عن النفوط الثقيلة فهو امر جيد للمساهمة في تطويرها ايضا، اذ نحن في العراق نهمل مثل هذه النفوط اعتياديا، عدا نفط القيارة الذي يستهلك بكميات محدودة. كذلك وفي نفس المادة وضع الحدود العليا لاستقطاع نفط الكلفة في عقود المشاركة لتتراوح بين 70% كحد اعلى لنفوط (14 API فما دون وهي نفوط ثقيلة جدا) الى 55% (لنفوط اعلى من 30 API) اي متوسطة وخفيفة. كما ذكرنا في “القانون الاتحادي” لم تحدد ارقام بهذا المعنى ونحن نرى تحديدها في القانون.

ثالثا/ كما ذكرنا بان “القانون الاتحادي” لم يتكلم عن ارقام ونسب متعلقة بالمشاركة او الارباح وغيرها. ولكن “القانون الاقليمي” حدد بطريقة احتساب الارباح على اساس اعطاء نسبة معقولة لمعدل الاستراد الداخلي IRR ، اعتمادا على الحقل وسعته وذلك بعد ان يتم تقييمه. بنظرنا المعدل المعقول لايتجاوز الـ 15%.

ي) الامور المتعلقة بحماية المواطن العراقي والسيادة العراقية:

ان الصيغة الانكلزية كانت قد خلت تقريبا من هذه الفقرات الاّ ماندر، ولكن في الصيغة النهائية العربية تضمنت قسما منها، وجاءت مشابهة ولو بشكل اقل وضوحا مما في “القانون الاقليمي”. والظاهر ان هذا الامر تم نتيجة لعرض المسودة الانكليزية على عدد من الاشخاص لابداء الرأي، واطلع هؤلاء الاشخاص على “القانون الاقليمي”، وطلب بعد ذلك ادخال قسم منها في مسودة القانون العربية، والفقرات التي نقصدها هي المتعلقة في الشفافية ومحاربة الفساد وانهاء العقود، وتطبيق القوانين العراقية ووضع صندوق دائمي لحماية البيئة، وتطبيق قوانين وتعليمات مختلف دوائر الدولة وعدم الاستثناء منها مثل الصحة والبيئة والبلديات والضرائب والحفاظ على الآثار، وتنفيذ قرارات وزارة النفط (او شركة النفط الوطنية) فيما يتعلق بالاعلان ومراقبة الاستكشاف والانتاج والسماح بالتدخل في حالة وجود خلل فني او مالي او قانوني.

هذه الامور مكتوبة بصيغة واضحة في “القانون الاقليمي”، ونرى الاخذ بها.

ك) هناك مشكلة كبيرة لم اجد لها حل في حالة تطبيق القانون الاتحادي بشكله الحالي وبدون اخذ ملاحظاتي السابقة بنظر الاعتبار. سيكون هناك عمل كبير وستتوفر كميات كبيرة جدا من النفط في وقت واحد تقريباً، وذلك بافتراض ان الظروف ساعدت في العمل. ستكون هذه الكمية بالتأكيد فوق ماتخصصه اوبك، والمفروض تقنين وتقليل الكميات من كل الحقول، وقد تصل نسب التخفيض اللازم الى مستويات كبيرة، قد تؤدي الى تأخر الشركة الاجنبية في استرجاع مبالغها التي صرفت ويقلل ارباحها المتوقعة الى درجة كبيرة ماذا سيكون موقف الجانب العراقي. هل يعوض الشركات ام يعتبر ذلك جزء من مجازفة الشركة، او يخضع للضغوط للسماح بتصدير عالي خارج حصة اوبك، وبالتالي تنخفض الاسعار وتبدأ معارك تنافسية بين دول اوبك، وستكون النتيجة تخفيضات اخرى في الاسعار وربما انهيارها.

ان الحل واضح وهو عدم التوقيع على مشاريع نفطية جديدة الاّ على ضوء خطة من الوزارة المركزية تعمل في وضعها وتنفيذها آخذة بنظر الاعتبار تطورات الانتاج والاستهلاك العالمي بالتنسيق مع اوبك. لهذا نرى وضع الامر بصورة واضحة في القانون باضافة فقرة بهذا المعنى.

*****

من كل ماجاء اعلاه، نرى ان وجوب اصدار قانون اتحادي” للنفط والغاز الان لا يمثل اجندة عراقية ملحة، وانما يتم بضغوط مختلفة تخدم اجندة اجنبية. من المهم اصدار “قانون اتحادي”، ولكن بعد حل المشاكل التي طرحت في هذه الملاحظات، وفي ظروف طبيعية يكون فيها العراقي في وضع امني ونفسي سليم للوصول الى قانون سليم.

* متخصص في شؤون النفط والصناعات البتروكيمياوي

وكل ذلك المصدر حسب نصاً ودون تعليق .

الغد 13/2/2007 -  شبكة البصرة