قانونَ النفط والغاز"... لماذا يعارضه علماء ومهندسو العراق؟

 

 

محمد عارف

 

"شرُّ ما أعطي العبدُ شُحٌ هالعٌ وجبنٌ خالع"، قال ذلك الرسول صلى الله عليه وسلّم. وليس هناك أدق وصفاً من ذلك الحديث للحالة التي يعكسها مشروع قانون النفط والغاز المعروض حالياً على ما يسمى "المجلس الوطني" في بغداد. "شُحٌ هالعٌ وجبنٌ خالع" صاغا هذا القانون الذي يعارضه معظم علماء ومهندسي النفط العراقيين، بمن فيهم واحد على الأقل من ثلاثة خبراء وضعوا القانون. ويتساءل فؤاد قاسم الأمير، أحد أبرز مهندسي النفط العراقيين: كيف صادق "مجلس الوزراء" على مسوّدة قانون يخص أكثر من 90 في المئة من موارد البلد "تحت جنح الظلام، وبدون عرضها على الجماهير لمناقشتها"؟ وذكر الأمير الذي يُقال إنه وراء تسريب مسوّدة القانون عبر شبكة الإنترنت أن تمرير القانون كأنه "قانون اعتيادي يدعو ليس فقط للدهشة والاستغراب وإنما إلى الارتياب التام بالقائمين به في الحكومة العراقية". ولشرح دواعي هذا الارتياب كتب المهندس الأمير دراسة في أكثر من 11 ألف كلمة، منشورة في مجلة "الغد" اليسارية التي تصدر في بغداد.

والاتفاق عام بين العلماء والمهندسين على أن وضع الاحتلال لا يسمح بقيام قانون يتيح للشركات الأجنبية الاستثمار في احتياطيات النفط العراقية الهائلة. أكدّ ذلك البيان الختامي لندوة مناقشة القانون التي عُقدت في العاصمة الأردنية عمان الشهر الماضي، وشارك فيها عدد من قادة صناعة النفط العراقية. طارق شفيق الذي ساهم في وضع مسوّدة القانون انتقد تعديلات أدخلت على النص الأصلي تدمّر الوحدة الوطنية. ونفى قاسم تقي، وزير النفط العراقي الأسبق، الحاجة إلى قانون كهذا في الظروف الراهنة. وحذر سعد الله الفتحي، رئيس "مؤسسة مصافي النفط العراقية" سابقاً من خطورة القانون "الذي يلعب بنار النفط"، وحذر فالح الخياط، ومحمد علي زيني، اللذان توليا مسؤوليات مهمة في وزارة النفط العراقية، من الاستعجال في سَنِّ القانون في حين أن شركات النفط العالمية ليست على استعداد لتعريض حياة عامليها للخطر بإرسالهم إلى العراق. وعارض القانون حتى وزراء سابقون في عهد الاحتلال، كوزير التجارة محمد الجبوري، ووزير العدل مالك دوهان الحسن الذي انتقد "أسلوب صياغة القانون السيئة جداً، وغموض معظم فقراته".

وكان كامل مهدي، المحاضر بعلوم الاقتصاد في "جامعة أكستر" في بريطانيا، قد نبّه إلى مخاطر القانون منذ يناير الماضي في مقال نشرته صحيفة "الغارديان" أشار فيه إلى تزامن شنق صدّام حسين مع الإعلان عن الاتفاق على مسوّدة القانون. وذكر أن التعامل مع النفط "من المنظور الطائفي أو المناطقي، يهدف إلى إضعاف القدرة التفاوضية العراقية... وإضعاف صناعة النفط الوطنية... وفك الارتباط بين النفط والتنمية الاقتصادية". وندّد بالقانون "الاتحاد العام لعمال النفط"، والذي تأسس بعد الاحتلال، ومقره في مدينة البصرة، حيث أصدر بياناً أعلن فيه "أن القانون هدية من عملاء الاحتلال للاحتلال لقاء الخدمات التي قدمها لهم".

وعسى أن يغفر الله لوزير النفط الحالي حسين الشهرستاني الذي اعتبر القانون "إنجازاً كبيراً ومشروعاً وطنياً". ونفى الشهرستاني، المشهور في الغرب باسم "صانع قنبلة صدام" الموهومة، وجود خلافات على القانون "لا من الإخوة في كردستان ولا من غيرهم"! ويصعب اختيار وصف مهذب لادعاء زلماي خليلزاد، سفير واشنطن في بغداد، بأن القانون "يُدشن معايير عالمية للشفافية"! لقد حجبت شفافية مقاله في صحيفة "واشنطن بوست" عن "قانون الهيدروكربون العراقي" كلمة "النفط" التي اقترنت في أذهان ملايين الناس بالحرب على العراق. وتدمع العين غضباً من حديثه عن الحفاظ على البيئة، والعراقيون غرسوا غابة من الأشجار حول أكبر مصافي للنفط في المنطقة أنشأوها في مدينة "بيجي" في ثمانينيات القرن الماضي، عندما كانت صناعة النفط الأميركية تنزل كوارث ببيئة ألاسكا العذراء.

والآن من يغامر بالاستثمار في بلد اغتيل علماؤه ومهندسوه، وهاجر معظم من بقي منهم على قيد الحياة؟ ومن يثق بدولة تحتل المرتبة العالمية الثالثة في احتياطياتها النفطية، وتستورد منتجاتها من الخارج، بعد أن أخفقت أربع حكومات توالت على الحكم خلال أربع سنوات في بناء طاقة تعيد مستوى الإنتاج إلى ما كان عليه قبل الاحتلال؟ لا يمكن تفسير ذلك بفقدان الأمن، فالأمن متوفر في مناطق إنتاج النفط في الشمال والجنوب، حيث يتدفق النفط "آمناً" دون عدّادات لقياس كمياته! التعلل بظروف الإرهاب والاحتلال ضحكٌ على الذقون في بلد كان منذ فرض الحظر عليه عام 1990 شبه محتل، وتحت قصف يومي تقريباً، وتآمر مموّل بموجب قانون الكونجرس الأميركي. والله وحده يعلم كيف كان يتحايل آنذاك علماء ومهندسو العراق للالتفاف على الحظر، وتدبير موارد لإدامة صناعة النفط.

كيف ستتدبر هذه الحكومة موارد بيع ثروات النفط، وهي عاجزة عن إنفاق مواردها المالية الحالية؟ وهل ستحقق الأموال الطائلة سوى مضاعفة فرص الفساد وفتح شهية دول "شقيقة" لم تشف غليلها بعد مليارات الدولارات التي تقتطعها من قوت العراقيين ودوائهم؟ والحديث هنا يجري حول عائد عشرة حقول نفطية يعرضها القانون عملياً للبيع تزيد قيمتها عن ثلاثة تريليونات دولار، وفق الأسعار المنخفضة الحالية البالغة 50 دولاراً للبرميل. ويرتفع المبلغ إلى أكثر من أربعة تريليونات دولار في حال عودة الأسعار إلى مستواها أوائل العام الماضي البالغ 70 دولاراً للبرميل، ويتجاوز 5 تريليونات دولار حسب توقعات الأسعار عند بدء الآبار العشرة بالإنتاج في العقد القادم. ولتصوير رقم التريليون نذكر أنه العدد وإلى يساره 12 صفراً. ويمكن إدراك حجمه "الأسطوري" عند مقارنته بالثواني، حيث تستغرق دقّات مليون ثانية أكثر من 11 يوماً، وتستغرق دقات مليار ثانية 32 عاماً، فيما تدق التريليون ثانية 32 ألف عام.

ومبلغ 5 تريليونات دولار يمثل قيمة الاحتياطيات في عشرة آبار فقط، تضم نحو 63 مليار برميل، وليس جميع احتياطيات النفط العراقي المستكشف وغير المستغل. استكشفت هذه الآبار منذ صدور القانون رقم 80 لسنة 1961 الذي حرّر نفط العراق من السيطرة الأجنبية، واستكشفها العلماء والمهندسون العراقيون أنفسهم، وأحياناً بالتعاون مع شركات روسية وفرنسية من خلال عقود خدمة فنية اعتيادية، أي من دون "اتفاقيات مشاركة الإنتاج" التي يفرضها هذا القانون.

ومقارنة النفط بالدولارات اعتباطية إذا تذكرنا أن النفط سلعة مادية "حقيقية"، والدولارات ليست سوى أوراق تملك قيمة رمزية قابلة للتغير، أو الاندثار تبعاً للتطورات السياسية والاقتصادية. ويمكن حدوث ذلك في أي لحظة، إذا تمخضت رجّة الأسواق المالية العالمية في الأسبوع الماضي عن انهيار اقتصادي. يتوقف الانهيار، حسب لاري إليوت، المحرر الاقتصادي لصحيفة "الغارديان" على ما إذا كانت واشنطن مقبلة على فيتنام أخرى في العراق. وهذه إحدى مفارقات التاريخ الذي وضع عنق القوة العظمى الغاشمة تحت نعال ضحاياها العراقيين! هل يفسر هذا سبب استماتة واشنطن وأعوانها في تمرير "قانون النفط والغاز" وسط المذابح الجماعية اليومية؟

وكل ذلك بحسب المصدر نصاً ودون تعليق .

http://www.alfayhaa.tv/main/showart.php?artID=762&catID=3