مشروع قانون النفط والموارد الهايدروكربونية الجديد كيلا يتم تمريره على جثثنا العراقية !!

 

 

الدكتور سيّار الجميل

اعتراضات صارخة

مقدمة:

لقد سجل من قبلي العديد من الاصدقاء الخبراء العراقيين اعتراضاتهم ونقداتهم على مسودة قانون النفط والغاز والموارد الكابونية الذي وافقت الحكومة العراقية عليه وقدمّته مؤخرا الى المجلس النيابي للتصويت عليه واقراره من دون ان يفهم كل العراقيين ما الذي يتضمنه هذا " القانون "؟ ولماذا احتوى على فقرات مضادة للمشروع الوطني العراقي؟ ولماذا يتم الاستعجال فيه والعراق يمر باصعب مراحل تاريخه على الاطلاق! ولماذا يمّرر بسرعة ولم يبّت حتى يومنا هذا بالدستور الذي اتفق الجميع على اجراء تعديلات فيه؟ علما بأن هناك من اعترض على تشريع الدستور في العام 2005 باعتباره مصدر السلطات ولا يمكن ان يتم الاسراع في الاستفتاء عليه والعمل به والبلاد تمر في حالة مزرية يرثى لها.. ولما لم يستمع اولو الامر الى صرخات العراقيين ونقداتهم، ومضوا في طريقهم برغم كل الاعتراضات وبرغم كل ما يرون ويعايشون ما يحدث في العراق.. يتقدمون اليوم بمشروع قانون خطير اعتبره يجسد فناء طريق المستقبل، فاذا كان الدستور بكل ما حفل به من " المثالب " قد اعطى شرعية للعملية السياسية من دون الالتفات لأي مبادئ وطنية يكرسها مشروع وطني حقيقي، يأتي اليوم قانون النفط والغاز ليتم اقراره برغم كل الاعتراضات وما يحتويه من " مثالب" كي يعطي شرعية للعملية الاقتصادية التي ستحدد مصير العراق اقتصاديا.. وسيسجل تاريخ العراق الاقتصادي في المدى المنظور والبعيد أسوأ خطوة غبية في حياتنا ابان القرن الواحد والعشرين.

دعوة صادقة من اجل العراق: ضمير العراق الصامت :

واود ان يتسع صدر المسؤولين العراقيين، وعلى الاخ وزير النفط ان لا يتهم جزافا الذين انتقدوا القانون الجديد! متهما، دون تمييز، كل الذين كتبوا منتقدين بأنهم مدفوعين من قبل جهات لا تريد الخير للعراق! وهذا كلام مرفوض لا يمكن الاعتماد عليه ابدا وقد انتقده الصديق المهندس حمزة الجواهري في مقالاته النقدية لمشروع هذا " القانون " وهو خبير نفطي معروف.. وعليه أقول: ما دام الهدف هو مصلحة العراق العليا ايها السادة، وما دام المنتقدون ينتقدون القانون من دون المساس بوطنية أي عراقي، فعلى الاخوة المسؤولين العراقيين اليوم ان يتقبلوا ما يوجه اليهم من اعتراضات تعّبر عن ضمير العراقيين الصامت.. وعليهم ان يؤجلوا تشريع أي قانون يخص ثروات العراقيين ومستقبل احتياطاتهم، فهم ليسوا اوصياء علينا، ومن حق السلطة الرابعة (= الرأي العام ) ان يقف ضدكم ما دامت بقية السلطات مشغولة بمصالحها ومنافعها وتحقيق اهدافها ولا تدرك مكامن الخطر، او ان المصالح الشخصية والحزبية والكتلوية والجهوية والطائفية والشوفينية قد طغت على كل حياة العراق وعجزت في الدفاع عن مصالح البلاد العليا كما يفعل الاخرون في اسوأ المجتمعات بدائية وتخلفا.

من وراء هذا "القانون"؟

انني اسأل السيد نوري المالكي رئيس الوزراء عن كيفية احالته قبل ايام لمشروع هذا "القانون" وهو على رأس جهاز سلطة تنفيذية؟ لا اريد ان اطعن بوطنية كل من يوافق على قانون لا يفهم مضامينه؟ ولكنني اسجل على كل مسؤول يستعجل الامور واتخاذ القرارات الصعبة عدم فهمه وادراكه لما يفعله او انه اداة لتنفيذ لمخططات الاخرين! ان من يجازف ليتلاعب بمصير وطن باكمله لا يمكنه أن يتلاعب بمصير ثروات شعبه على امتداد قرن كامل.. فالتراب العراقي ملكا لكل الاجيال القادمة، وثروات العراق ملكا لها ايضا وليس من حق كائن من كان ان يقرر مصير العراق وفق اهوائه ان لم تكتمل الارادة الوطنية لجميع السكان.. فكل قانون خطير يصدر لا يمكنه ان يكون جزءا من أي عملية سياسية، وان أي تشريع يبرم لا يمكنه ان يحتكر من قبل مجموعة تكتل او ائتلاف احزاب او دكتاتور دموي او جيش محتل.. الخ وان دستور البلاد لا يمكن ان يقحمه 75 شخصا كلهم فرضتهم احزابهم كي يتصارعوا سياسيا على مصالح فئوية وحزبية وطائفية وعرقية بعيدا عن المبادئ الوطنية التي ينبغي ان يلتزم بها الجميع كما هو حال كل امم الارض العاقلة!

ان قانون النفط واستثماراته سيحدد مصير العراقيين في بناء العراق كله من دون أي افتراق بين شبر وآخر من تراب العراق.. وينبغي على القانون ان لا يفّرق في المصالح بين بيئة واخرى او بين جيل وآخر ما دمنا نؤمن اننا مجتمع واحد ونعيش على تراب واحد.. فلا يمكن ان يبقى العراقيون يتشدقون بالوحدة الوطنية وهم يفترقون على اساس جهوي او عرقي او طائفي او غير ذلك.. وبعكسه فان القانون سيغدو معولا هداما جديدا آخرا في الصراع، بل وان الصراع سيأخذ له مديات اخرى من التشرذم والتشظي الذي سجله الخطاب السياسي حتى يومنا هذا!

الحملة الدولية: متى نقرأ ادانات العالم لمسودة "القانون"؟

لقد اكدت اغلب التقارير والمقالات التي نشرت على امتداد الاسبوع الماضي ومنذ اصدار هذه المسودة على صفحات الصحف العالمية الامريكية والبريطانية والهارولد تربيون وغيرها على سوء مسودة هذا " القانون "، ويمكن للقارئ الكريم ان يراجع جملة هائلة من تلك التقارير والتحليلات التي ركّزت على ان القانون الجديد جاء من قبل الحكومة العراقية ولكنه مدعوما من الولايات المتحدة الامريكية وان السفير الامريكي السيد خليل زاده كانت له اليد الطولى في بنود عدة.. كما ان القانون اعطى حقوقا كبرى من ثروات الشعب العراقي الى الشركات الاجنبية ( الامريكية والبريطانية بالذات ) باستثمار استخراج البترول لازمان طويلة الاجل مع ما يستوجب تنفيذه في سلامة اطار قانوني وبدعم تشريعي من قبل ممثلي الشعب العراقي، والشركات كانت ولم تزل تنتظر على الابواب منذ 9 نيسان / ابريل 2003!

وكما توضّح لي بأن حملة دولية تقوم اليوم وقد هزت العالم بسبب هذا القانون ومطالبة العالم كله ان يبقى انتاج النفط بايدي العراقيين لا بأيدي الشركات الاجنبية.. وان كل هذا يجري وكل العراقيين ساكتون يلتزمون الصمت من دون أي تعبير ناقد او تظاهر ساخط وكأن الامر لا يعنيهم فهم يعيشون اسوأ الاحوال ولا يفكرون في مستقبلهم اليوم ابدا بقدر ما يفكرون في الخلاص من واقعهم المميت!

ثمة من المحللين المستقلين ومجموعات عمل من بلدان مختلفة انتقدت عملية صياغة القانون وحذرت من العديد من بنوده التي ستقود الى الانحراف من الصالح الوطني العراقي العام الى صالح الشركات الاجنبية التي ستكون بحكم المسيطرة المالكة المسيطرة.. وهذا ما يمكن ان ينتهي الى تصعيد التوتر السياسي ليس في منطقة الشرق الاوسط بذاتها، بل في كل ارجاء العالم العربي وسينشر عدم الاستقرار في ارجائه كلها! ان من اخطر ما ينص عليه القانون مثلا وصول ثلثي الاحتياطيات المعروفة في العراق بأن تضعها الشركات بعقود دائمة لمدة 15 الى 20 سنة تحت تصرفها.

النص الاصلي لـ "القانون":

لقد استطعت ان اقرأ النص الاصلي من القانون وباللغة الانكليزية، اذ اعتقد ان النص المعّرب يختلف في بعض الاساسيات عن النص الاصلي ( وهذا ما يستوجب ان انبّه اليه كل العراقيين قاطبة ) ليعرفوا اين سيقودهم هذا القانون.. انه يقودهم الى الكارثة، فالسياسة التي سيعمل بها تمّثل الدوران للخلف بعيدا عن أي صناعة نفطية والتي كان بدأ بها العراق قبل غيره من البلدان، وان القانون لا يرجع بالعراق الى ما قبل 1974 – 1975 فقط، ولا الى قانون رقم 80 الذي اصدره الزعيم عبد الكريم قاسم، ولا حتى الى قانون مناصفة الارباح الذي كان اصدره نوري السعيد عام 1952.. ان هذا القانون سيحتكر العراق بمن فيه ولكن من خلال التعامل معه كاجزاء، واذا اراد الكل ( من خلال المركز ) ان يعترض على الجزء، فلا يستطيع ذلك ابدا، بحكم هيمنة الجزء على قراره بفعل بند سيئ السمعة في الدستور.. بمعنى ان العراق سيكون الاستثناء من بين كل دول المنطقة وخصوصا النفطية منها بحالته هذه التي استطيع ان اشبهها بصورة العراق، وهو الرجل ولكنه لا حكم له على بيته ابدا، فالعائلة مشرذمة كل واحد فيها يفعل ما يشاء في غرفته ولا يستطيع الاب ان يفعل شيئا ابدا.. وهذا ما نص عليه الدستور والذي اعترضنا على هذه المادة اعتراضا شديدا، لأنها ستمهد الطريق للتشرذم ليس سياسيا او اداريا، بل اقتصاديا وحضاريا، وهذه بداية المأساة التي سوف لا تقف عند العراق وحده، بل ستنتقل الى بلدان اخرى في المنطقة! واستنادا الى هذا القانون ان تّم تشريعه فسوف لا يبقى هناك عراق موحّد ابدا بحكم آليات العمل المحلية في الاقاليم، وكلنا نذكر كيف تّم تشريع قانون الاقاليم بسرعة قبل اشهر ليمّهد الى هذا التقسيم المميت، وسيّحول القانون ما يسمونه بالاقاليم والمحافظات الى زعامات متصارعة ذات ملكيات نفطية اوليغارية وميليشيات متوحشة تعتمد في حياتها على الشركات الاجنبية، والتي ستعطي ذريعة لاستمرار الوجود الامريكي بحجة ما تحتاجه الشركات من حماية.. وهذا ما جاء قبل ايام في بعض مقالات النيو نيويورك تايم الامريكية!

من الذي كتب " القانون "؟

انني اسأل الحكومة العراقية وعلى رأسها السيد نوري المالكي ان تجيبني صراحة: من الذي كان وراء كتابة هذا " القانون " بالانكليزية؟ ومن الذي قام بتعريبه؟ انني قد سمعت بأن ثلاثة من المسؤولين العراقيين كانوا وراء ذلك.. ولكنني غير مطمئن ابدا لعملهما، فان كانوا يعرفون ما الذي يقومون به فتلك مصيبة.. وان لم يكونوا على دراية بما يقوموا به فالمصيبة اعظم! وهل ناقش مجلس الوزراء بنود هذا " القانون " مناقشة مستفيضة؟ وهل قرأ السيد المالكي نفسه هذا " القانون " قراءة متأنية؟ هل عرفتم يا اعضاء مجلس الوزراء وبضمنهم السيدين نائبي رئيس المجلس والسيد وزير النفط بالذات على ماذا وقعّتم؟ انكم وقعّتم على اهداء انتاج نفط العراق واحتياطياته الى غير العراقيين.. وحتى ان كان ذلك باعلى الاثمان، فانكم لا تعرفون تموجات الزمن ولا تقلبات السياسات الدولية وما الذي سيحدثه الاخرون بثروات العراقيين؟ وعند ذاك لا ينفع الندم.. سوف لن يستمع احد الى أي من العراقيين لأن العراقيين انفسهم قد وقعوا على النص القانوني باللغة الانكليزية.. وستكون المأساة ان مرّر هذا " القانون " من خلال مجلس النواب العراقي الحالي..

هل تسمعون صوتي ايها العراقيون؟

وعليه، اصرخ بملأ صوتي ان لا يتم تشريع هكذا " قانون " ابدا! قانون لم يشترك في صنعه رجال العراق من المختصين المستقلين وما اكثرهم وما اروعهم.. ولم يعرض ابدا وعلى مهل شديد على جماعات المجتمع المدني الاخرى.. ولم يشارك في مناقشاته خبراء من العراق ومن غير العراق عليه.. ولم يتم اشراك نخبة من ابرز العراقيين في عملية الصياغة.. فهل هذا من الديمقراطية في شيئ ان نواجه يوما بعد آخر قانونا مصاغا لاغراض مرحلية وتكتيكية وانقسامية ومحلية على حساب مصالح العراق العليا وعلى حساب مستقبل اجيال العراق القادمة؟؟ ويجب ان يعلم الجميع بمن فيهم اعضاء الحكومة العراقية الموقرة التي اقرت مشروع القانون وقدمته للتشريع بأن هذا " القانون " يوجب اتفاقات لتقاسم الانتاج المنصوص عليها في مشروعه، يعلمنا بأن الشركات العالمية لن تدخل في اختصاص المحاكم العراقية في حال نشوب نزاع، ولا ايضا للمراجع العراقية العامة. بمعنى: ان العراق سيحتكر شئنا ام ابينا.. وهنا اطالب كل صاحب ضمير حي ان يفكر بما اقول ولا اريده ان يؤيدني في ما اذهب اليه!

الاقتصاد العراقي في سجن مؤبد

انني لا اقول بعدم الاتفاق مع الشركات ولكن ينبغي الزامها ببنود في القانون ان يتم خضوعها للقوانين التي تجري في المحاكم العراقية، وان تكون الادارة العراقية هي المرجعية العليا للمتعاقدين.. وهذا ما هو معمول به في كل البلدان النفطية حتى الخليجية. ثمة نقطة خطيرة يتلمسها المرء وهو يقرأ ما بين سطور النص بالانكليزية ذلك ان ملكية احتياطيات النفط وبموجب مشروع القانون ستبقى على حالها في الشكل لكن ليس في الجوهر.. وكان ثمة معترضين قد ارسلوا رسالة باللغة العربية مؤرخة في 8 شباط / فبراير 2007 الى الرئيس العراقي السيد جلال الطالباني يدعونه فيها الى اعادة النظر في هذا النوع من الاتفاق. وان اتفاقات تقاسم الانتاج هي سياسة بدائية من مخلفات الستينيات، وان المسؤولين العراقيين اليوم سيعيدون سجن الاقتصاد العراقي في زنزانة لا يستطيع ان يتنفس منها الا بشق الانفس، وان هذا الاتفاق سيكبّل سيادة العراق ويقيّد ارادة العراقيين ويعمل على شرذمتهم، بالوقت الذي سيحافظ على مصالح الشركات الاجنبية.. وانا بدوري وحرصا على العراق ومستقبله ومستقبل اولادنا واحفادنا احذر من الوقوع بهذا الفخ العميق الذي سيغرقنا وسيقطعنا اربا اربا!

لا تضيّعوا التاريخ الوطني النضالي للعراق والعراقيين!

ويشير العديد من المستشارين والخبراء البريطانيين والكنديين بأن هذه " المسألة " وطنية لا يمكن ان يكون الساسة مسؤولون عنها، انها مسألة تتعلق بمبادئ العراق اولا، وان لا تخرج عن طور تاريخ نضال وطني ضد الشركات الاجنبية شارك فيه كل المسؤولين سواء في العهد الملكي او العهد الجمهوري، فلقد ناضل نوري السعيد من اجل قانون مناصفة الارباح وحققه عام 1952 بشق الانفس، وناضل عبد الكريم قاسم من اجل قانون رقم 80 من اجل سيادة العراقيين على ثرواتهم وحققه بشق الانفس.. وصولا الى تأميم العراق نفطه الذي يعتبر تحصيل حاصل لتاريخ اقتصادي نظيف، كي يفترق الحكام الجدد عن تاريخهم، لا ليصمتوا، بل ليحرقوا كل الصفحات التاريخية الوطنية.. بل ولا ليؤسسوا للعراق شراكة جديدة كالتي تحياها دول الخليج بولادة شركات عراقية اجنبية مشتركة تكون القرارات فيها للعراقيين لا لغيرهم بغلبة واحد على النصف.. وثالثا: وهل يمكن للعراقيين ان يجردوا العراق من الصناعات البترولية التي اشتهر بها منذ اكثر من خمسين سنة؟؟

انني اعتقد بأن الاسراع في اصدار هذا " القانون " بحد ذاته يشكّل علامة استفهام كبيرة لابد ان يرسمها ابناء الشعب العراقي كلهم.. واذا اقدم مجلس النواب (= البرلمان ) للتصديق على القانون وتشريعه، فسيمثل ذلك ارادة فصائل لا ارادة شعب وستكون كارثة تاريخية بحق العراقيين ومستقبلهم لن يغفرها احد ابدا على طول المدى.. وليعلم الجميع ان الصراع لن ينتهي، بل انه سيبدأ من جديد وعلى امتداد القرن الواحد والعشرين، خصوصا اذا ما علمنا بأن المهيمن ممثلا بتسع شركات نفط بريطانية وامريكية فضلا عن صندوق النقد الدولي.. بمعنى احتكار امريكي واضح لاحتياطيات العراق الهائلة وابقاء المفاتيح بيدها ضد متطلبات الاخرين سواء في الشرق البعيد ام في اوروبا الغربية.

مطلوب التوّقف عن تمرير القانون

وهنا ادعو الى عدم الاستعجال ورد المشروع الى الحكومة العراقية لاعادة النظر فيه، وان كان هناك ثمة قرار امريكي بتشريع القانون، فاهيب بكل المسؤولين العراقيين ان يتمسكوا بالقرار العراقي اثر المشاورة مع خبراء النفط العراقيين قاطبة وارجاء تشريع أي قانون مهما كانت خطورته ام تفاهته الا بعد اعادة النظر ببنود الدستور.. وتخليص العراق من ان يغرق خصوصا وان القانون الجديد يضع الثروة النفطية العراقية الهائلة ثابتة ومتلاشية على طريق الخصخصة الكاملة. ان قانون الهايدروكربون يعكس عملية الاستعداد لخصخصة النفط العراقي والذي تتغلغل فيه ضمن اشكال سرية قوى اجنبية ليس بطريقة ديمقراطية وشفافية، بل تفرض نفسها بواسطة احتلال عسكري!

وهنا سيكون " القانون " وسيلة حرب، وسيجد كل العراقيين انفسهم تحت نفوذ قوى ليست غير شرعية فقط، بل تمارس الجريمة والحرب باسم قانون اصدره العراقيون انفسهم في زمن كسيح وفي بلد تمزقه الحرب وتشظياتها! صحيح ان القانون يضمن توزيع العائدات على الاقاليم والمحافظات الـ 18 على اساس عدد السكان وان السلطة الفعلية ستكون بايدي الادارات الاقليمية، ولكن القانون يمنحها الحق في ابرام عقود مع شركات البترول العالمية. ولا ادري كيف نفّسر بنود القانون مع مقولة السيد وزير النفط الدكتور حسين الشهرستاني الذي يذكر بأن هذا القانون يضمن للعراقيين، ليس فقط الان، وانما للاجيال القادمة ايضا كامل السيطرة الوطنية على هذه الثروة الطبيعية! في النقطة السابعة ضمن بند 6 ينص القانون على ان يراعي في تمثيل المجلس الاتحادي مكونات الشعب العراقي.. انه تأكيد على الطائفية بشكل مفضوح.. ان التمثيل ينبغي ان يكون فنيا وعلميا وسلوكيا وعكس هذا كله، لا يمكن ان نشّكل مجلس اتحادي يفجر تناقضات جديدة لا اول لها ولا آخر خصوصا وانها تتعلق بالموارد الوطنية..

ما الذي نريده؟ ما الذي نطالب به؟ ما الذي يصلح للعراق والعراقيين؟

لقد سمعنا بأن المسودات الاولية للقانون قد شهدت منذ ثمانية اشهر اختلافات ومشاجرات بين الفصائل المتحالفة في حكم العراق، من اجل التنافس على اكبر حصة من الثروة النفطية في البلاد والمقدرة بـ 115 مليار برميل، والتي ستزداد مع توالي السنين الى رقم متقدم ربما خيالي.. ولكنها اتفقت في النهاية على التقاسم ضمن الصيغ التي اتاحها هذا " القانون ". انني انصح كل من يعترض على كلامي مراجعة قوانين النفط في الدول النفطية كلها في المنطقة: ايران والسعودية والكويت والامارات وغيرها ليقارنها مع هذا القانون الجديد، فسيجد ان اختلافات جسيمة وكبيرة بين ما نحن بصدده وبينها. اذ ليس هناك بلد واحد في الشرق الاوسط كله قد وقّع على اتفاق تقاسم الانتاج من الاحتياطيات.. ان أي بلد من هذه البلدان لم يوقع على أي شكل من اشكال الخصخصة، لأنه ليس في مصلحتهم ابدا. دعوني أحدد ما اريد عمله من المسؤولين العراقيين، واتمنى ان لا يعترض علي أحد بالقول انني اقدّم تنظيرات بعيدة عن الواقع، وكأن الواقع اصبح مقدسّا لا يمكننا تغييره بأي ثمن من الاثمان:

اولا: التعديلات الدستورية اولا

انني ادعو الى تأجيل او تجميد او الغاء مشروع اقرار هذا " القانون " الى حين اجراء التعديلات على الدستور بما يضمن تأسيس حياة دستورية وطنية ديمقراطية عراقية تقوم على الانتخابات ضمن الدوائر لا على الاحزاب والتكتلات، وان تكون بعيدة عن الطائفية ويعتمدها مشروع وطني عراقي يؤسس من جديد للوحدة الوطنية، وان تتم التعديلات بعيدة عن اللجنة التي ارتكبت اخطاء جسيمة كونها بعيدة كل البعد عن الفهم الدستوري ومبادئ العراق مع احترامي لكل اعضائها الذين اختارتهم كتلهم واحزابهم السياسية ولم يعيّنوا على اساس كفاءتهم وتخصصاتهم، وما دامت هذه " اللجنة " قد فشلت في مهمتها، فالمطلوب اعادة النظر بكل بنود الدستور من جديد من خلال الاعتماد على لجنة متخصصة، اقترح ان تتألف من سبعة من الشخصيات العراقية المستقلة التي لا علاقة لها بالسلطة او ان لها طموحها لأي منصب كان.

ثانيا: ابعاد موضوع النفط عن العملية السياسية

انني ادعو الى التفكير والمكاشفة في اصدار " قانون " النفط والغاز والموارد الهايدوكربونية في العراق، واذا كان العراق بحاجة ماسة الى قانون جديد لهذا المضمار الحيوي الذي يعتبر اخطر ما يخص العراق ومستقبله، فلابد ان يحرص المسؤولون على ان يكون موضوع النفط والغاز وكل المصادر الهايدوكربونية العراقية بعيدا جدا عن مفاهيم العملية السياسية الجارية القائمة على مبادئ المكونات والاقاليم والتقاسيم.. أي بمعنى: ان تكون الثروات ملكا لكل العراقيين من دون أي تمييز، فالجميع شركاء على هذا التراب، فلا يمكن ان نعتبر تراب هذا الاقليم اثمن من تراب اقليم آخر، والا يكون " القانون " سكينا حادا يذبح العراق، او ليعلن عن تقسيم العراق من دون لف او دوران.

ثالثا: نفط العراق لا يحتكره احد

انني ادعو الى الاستفادة من الرأي العام العالمي اليوم، فالعراق مجال حيوي وسيبقى تزداد استراتيجيته طوال القرن الواحد والعشرين.. فهو اثمن مناطق العالم. وعليه، لا يمكن ان ترتهن ثرواته تسع شركات معروفة في العالم وهي امريكية وبريطانية.. تريد احتكار احتياطيات العراق لنفسها وتتحكم فيها ضد كل الاخرين كفرنسا والصين وغيرهما.. علما بأن العراقيين قد ناضلوا منذ عقود طوال من الزمن كي يكونوا اسيادا على ثرواتهم ومصالحهم، واذا كانت انظمة الحكم السياسية السابقة قد اضرت بثروات العراق بكل تطبيقاتها واشعال حروبها وعدم توزيع ثروات العراق بشكل عادل وخصوصا النظام السابق، فليس معنى ذلك اننا نبيع مبادئنا كشعب يمر باصعب مرحلة قاسية كي نراهن من جديد على الاخرين.. خصوصا وان العراق في القرن الواحد والعشرين هو اثمن بكثير من عراق القرن العشرين. فهل من المعقول ان نجازف بجنون بكل مصالح العراق العليا وان نتعاقد وبشكل متشرذم مع شركات يكون لها اليد الطولى في ثروات العراقيين؟

رابعا: هل لنا الاستفادة من غيرنا في المنطقة؟

انني ادعو الى اتفاقات مرحلية مع كل من نعتقد انه يفيد العراق اكثر مما يستفيد هو، فالعراق لا يمكنه ان ينعزل عن العالم، ولكن العالم لا تمثله شركات محددة وبتاريخها.. المسألة عرض وطلب من اجل مصلحتنا العراقية قبل ان نراعي مصالح الاخرين.. أي بجعل القرار بيد العراقيين ومن خلال تأسيس شركات عراقية على غرار الشركات المعتمدة في العديد من دول الخليج.. بحيث نضمن خطوط الرجعة وان تخضع كل ما يخص النفط والغاز للقوانين العراقية والمحاكم القضائية العراقية.. وان تكون النصوص واضحة تمام الوضوح كي يدرك كل العراقيين حقوقهم في مسألة ثرواتهم وان يكون الحرص على مصالح العراقيين القادمين من الجيلين التاليين بشكل خاص.

خامسا: لماذا خصخصة النفط العراقي بهذه الطريقة؟

انني ادعو الى ان لا ينفرد العراق بهكذا " قانون " سيكون نشازا واستثناءا في كل المنطقة، اذ لا يمكننا ان نجد هكذا خصخصة لاهم سلعة وطنية في البلاد وبهكذا التواءات لا تخدم العراق والعراقيين ابدا. وهنا، اطلب من كل المهتمين ان يرجعوا كي يقارنوا طبيعة هذا الاستثناء العراقي اليوم مع جيراننا العرب والايرانيين.. اذ لم تفرّط قوانينهم هكذا بمصالحهم كما يفّرط به العراقيون اليوم.. وهنا اطالب من كل السادة اعضاء البرلمان العراقي رفض حتى مناقشة هذا " القانون "، وان يناشدوا ضميرهم الوطني قبل ان يستمعوا لاحزابهم ليمثلوا ارادة انقسام العراق. وفي الحقيقة، انا لست ضد الخصخصة كاحد ظواهر القرن الواحد والعشرين الاقتصادية، ولكن ليس لثروات وطنية لا يمتلكها الاخرون، خصوصا وان العراق قد خرج من مرحلة اقتصاد اشتراكي محطم او سلطوي متحكم، فليس من العقل ان ندخل في نقيضه والعراق يمر ببناء اقتصاده من جديد، علينا ان نسعى لاحياء نقيض النقيض. ولابد ان اشير ايضا الى ان اوضاع العراق الاقتصادية لا يمكن ان تقارن باوضاع امريكا او كندا في مجمل استراتيجياتها في الخصخصة.. لا تجعلوا مصير العراق الاقتصادي كمصير روسيا الاتحادية حاليا تعبث فيه المافيات وتنهكها احتكارات الكارتلات والشركات.

وأخيرا: ماذا اقول؟

اين نحن من تشريع قوانين خطيرة والعراق يمر بأصعب مرحلة دموية في تاريخه؟ هل الاستقرار موجود؟ هل الامن موجود؟ هل المحتل قد رحل؟ هل يمتلك أي عراقي ارادته؟ هل يمتلك أي مسؤول سلطته؟ هل يأمن أي عراقي على حياته؟ هل قضينا على الاختلاسات والرشاوى والمحسوبيات والميليشيات والجماعات الارهابية؟ هل أمن كل عراقي على حياته ومصيره؟ هل قضي على الارهاب ومشروعات القتل والتفجيرات والتفخيخات التي يمارسها القتلة ضد الابرياء؟ هل استقرت اوضاع العراق؟ هل اتفق العراقيون على طريق المستقبل؟ هل حسمت مشاكلنا الداخلية؟ هل انتصرنا في المصالحة الوطنية ليس من خلال اساليب سياسية ومناورات باسم الديمقراطية.. هل حافظنا على ما يسرق من ثرواتنا عبر الحدود البرية والمياه المتشاطئة؟ بل هل انتصرنا في الاتفاق على مبادئنا الوطنية؟ هل استطعنا ان نحسم مشاكلنا في الاقليم؟ هل استطعنا ان نرسم طريقنا في انقاذ اقتصاد العراق باصدار قوانين اقتصادية تخص حياتنا الاقتصادية العراقية قبل ان نقدم على تشريع اخطر قانون في حياتنا الاقتصادية؟ هل انتصرنا بتقديم الحدود الدنيا من الخدمات الاساسية للعراقيين كل العراقيين من اسالة ماء وكهرباء وشوارع وسكن ومدارس ومستشفيات.. الخ حتى نشّرع قانونا يبعدنا عن الصناعة النفطية ولا يعنى الا بتسليم الاستثمارات لعدد من الشركات؟ انني ادعو الى تجميد العمل حالا بهذا " المشروع " المستعجل، لأنه سيأخذ العراق رهينة بايدي الاخرين.. وهذه هي دعوتي دعوة شخصية صادقة لا اتهم أي عراقي في وطنيته، فلا تتهربون من " الموضوع " بالقاء التهم جزافا على منتقديكم، اذ لا يهمني الاشخاص ولا التكتلات بقدر ما يهمني تراب العراق ومن يسكن عليه من كل العراقيين. فهل وصلت رسالتي الى كل عراقي في هذا الوجود؟ اتمنى ذلك من صميم القلب.

http://www.iraqoftomorrow.org