قانون النفط وعقود "المشاركة في الأنتاج"

 

د. مهند البراك

 

في ظروف مفتوحة على كل الأحتمالات، تأتي قضية تنظيم الثروة النفطية التي تشكّل العمود الفقري لأقتصاد البلاد بلا منازع، بطرح " مسودة قانون النفط والغاز" التي يرى فيها مراقبون واقتصاديون محايدون انها تجعل العراق  يخوض صراع مفاوضات في ظروف غير مناسبة، نابعة من: عدم الأستقرار، ضعف القدرات المالية للدولة، ومحاولة كيانات نفطية كبرى حصد حقوق اكبر من المعقول ومن المعمول به، بدعوى انعدام الضمانات الأمنية . في وقت تقدر فيه الأحتكارات النفطية على توفير الأمن لتوظيفاتها الرأسمالية،  كما حصل ويحصل في الكونغو، رواندا، نايجيريا وغيرها من الدول التي يسير حصد ثرواتها على قدم وساق . . رغم الحروب والنزاعات الدموية المستمرة على الأشتعال فيها .   

وتأتي مسودة القانون بعد ان تناقلت وكالات الأنباء، الأعلان عن مشاريع عقود نفطية مع الحكومة العراقية بأسم " مشاريع عقود المشاركة في الأنتاج " (سميت في المسودة الجديدة بـ " عقود التطوير والأنتاج " ) التي اعدتها الأحتكارات النفطية الأميركية والغربية بتكليف شركة العقود الأميركية " بيرينغ بوينت "، والتي حذّرت اكثر من جهة من ان موافقة الحكومة العراقية بنتيجة الضغوط عليها، ستكون اضافة الى الأجحاف بحق العراق، ستكون سابقة تستند عليها الأحتكارات الأميركية والغربية وتضغط بها على موازين وعقود النفط في منطقة الخليج النفطية كلّها .

ويرى عديدون، ومن زاوية اعمار البلاد ونموها، ان الأحتكارات النفطية والشركات المتعدية الجنسية وفق مشاريع تلك العقود ان اعتمدت او اطلقت دون تخطيط وملموسيات مناسبة ، فأنها قد تهيمن بشكل غير معقول على الثروة النفطية ومشاريعها واقتصادياتها، لفترة تناهز النصف قرن، الأمر الذي يهدد بفقدان البلاد للكثير من حقوقها وسيادتها. خاصة وان تلك المشاريع لاتأخذ اي اعتبار للتغييرات المستمرة في قطاع النفط، القطاع الأكثر حيوية واهمية لأقتصاد البلاد من جهة، وللتبادل الأقتصادي الدولي وبالتالي لأمن واستقرار المنطقة والعالم، باعتبار ان العراق صاحب ثاني اكبر احتياطي نفطي في العالم ان لم يكن اوله !!

بل ان ماستستقطعه الأحتكارات النفطية وفق مشاريع تلك العقود ان أُقرّت، وفق نصّها، سيقلل بشكل خطير من ايرادات العراق ودخله الوطني، الأمر الذي ان يسدّ حاجة آنية ماسة، فأنه على المدى القريب والمتوسط سيجبر العراق على اللجوء الى القروض من مؤسسات مالية ودولية بعينها، التي ستفرض  نسباً عالية لايستطيع الأيفاء بها، في ظروفه الراهنة المعرضة الى ان تطول، او سيجبر العراق بسببها على الأذعان لشروط قاسية، على رأسها شروط توريد السلاح والتكنيك العسكري، او ان تُدفع  اثمانها اسلحة، تحرم العراق من حقه في العملات الصعبة مقابلها من جهة، ولاتشجّع الاّ سياسات الحروب من جهة اخرى . .  

وفيما يؤكد كثيرون على إن من حق الشركات النفطية الأجنبية أن تحقق ارباحاً مناسبة، من عقود  يهدف فيها الجانب العراقي من جهته تحقيق : نهاية الأحتلال وتواجد القوات الأجنبية على اراضيه، امنه وسلامه ونمو مجتمعه، الاّ ان مشاريع مثل تلك العقود ستحمّل العراق خسائر تتراوح  74 ـ 197 مليار دولار لمدة تصل الى نصف قرن كسنوات الأتفاق وفق تقدير " غلوبال بولس فورم " . بعبارة اخرى فأن المستفيد من مشاريع تلك العقود هو الشركات البترولية المتعدية الجنسية والشركات المرتبطة بها، اضافة الى الأفراد والجهات التي لعبت وتلعب دور اللوبي النشيط والفعال لهذه الشركات في العراق، فقط ! على حساب اوسع الفئات الكادحة من كل المكونات العراقية . .

لذلك ولغيره وخاصة لما يتعلّق بوجود ترابط وثيق بين " مسودة قانون النفط والغاز " وبين التعديلات المرتقبة على الدستور التي لم تحسم بعد، وبالذات فقراته المتعلقة بالثروة النفطية وبناء البلاد الأتحادي . .  فأن الأمر يتطلب اعادة صياغة مواد مسودة القانون المتعلقة بإدارة الحقول والمسؤولية عن تشغيلها، التي تعتمد على وجود وعمل تلك التشكيلات الإدارية في الواقع المعاش الذي لن يتم الاّ بعد ان يجري اقرارها والعمل بها .

وبالتالي فأن تشريع الصلاحيات التي تتوزع بين الحكومة الاتحادية ومكوناتها، ستحتاج هي الأخرى إلى إعادة صياغة بما يضمن تحقيق كفاءة الأداء و المردود ، وتحقيق المصالح الواضحة للمكونات العراقية، على اساس مشروع وطني عراقي بعيداً عن المحاصصة الطائفية، وعلى اساس ان الثروة النفطية وكل ثروات البلاد، شأن وطني ستراتيجي يتعلق بوجود وكينونة البلاد وكل مكونات شعبها وتساويها على اساس المواطنة . . وليس شأناً حزبياً او طائفياً او عرقياً انانياً ضيقاً .

من جانب آخر يرى متخصصون وخبراء، ضرورة التريث بالبت بمسودة القانون، والعمل على تنضيجه على اساس التخصص والمهنية، وتفعيل الشفافية فيه بدرجات اعلى، بما يضمن اعادة مراجعته وصياغته، فنياً وقانونياً ولغوياً ليكون صالحاً للتطبيقً بعيداً عن الغموض واللبس والتوهان من جهة، ولتحقيق اشراك وبالتالي تفعيل الخبرة الفنية الوطنية في وقت تُفتقد فيه كثير من الخبرات العراقية لأسباب متنوعة من جهة اخرى . . في سبيل ايجاد حلول تحقق الصالح الوطني على اساس الواقعية وفي السعي الناجح لجذب الأستثمار الأجنبي، للمساهمة في تحسين الوضع الأقتصادي العراقي . .

وتحذّر اوساط أخرى من ضبابية ومخاطر اطلاقية فقرات من مسودة القانون، وعلى سبيل المثال لا الحصر المادة (40) من مسودة القانون التي يترتب عليها ان جميع الاتفاقيات والعقود النفطية السابقة في اقليم كوردستان والمحافظات قبل نفاد هذا القانون، صارت موضع مراجعة لـ " تكون منسجمة مع الأهداف و الأحكام العامة لهذا القانون " ، الذي ان لم يجر تحديد ووضوح اكثر فيه، فانه قد يعني او يهدد بالغاء ومصادرة قوانين كانت قد سُنّت لصالح الأقتصاد العراقي وعملية التنمية الوطنية، في فترات وعقود سابقة  .

ان وجود إشارة واضحة بخصوص العقود في مسودة قانون النفط تشير إلى " ان وزارة النفط ستعد نماذج لعقود الاستكشاف والإنتاج يقرها المجلس الاتحادي للنفط و الغاز تلحق بهذا القانون "، يجعل من الضروري التأكيد على عرض نماذج العقود مع مسودة القانون لتقترن بمصادقة مجلس النواب، اضافة الى ضرورة مصادقة مجلس النواب على عقود الاستثمار الأجنبي . في وقت تؤكد اوساط خبيرة فيه على انه برغم ضرورة التخلص من العقود البالية، فأن العراق يستطيع تطوير حقوله النفطية وبمعونة عالمية أيضا،  ليس من خلال عقود المشاركة بل من خلال عقود الخدمة فقط  !!

http://www.iraqcp.org