النفط قادر على الدفاع عن العراق

 

محمد عارف

 

إذا كانت أموال "النفط مقابل الغذاء" قد نُهبت بشكل لا مثيل له في تاريخ العراق، فكيف ستُنهب أموال النفط من أجل النفط؟ يجيب عن السؤال "قانون النفط والغاز" الذي يقنن النهب والفساد على مستويات محلية وإقليمية وعالمية. وكالدُمى الروسية المشهورة، يكشف القانون عند تفكيكه عن قوانين عدة "اتحادية" و"إقليمية"، إضافة إلى قوانين "مبيّتة" من عهد حاكم الاحتلال بول بريمر، بينها "قانون الاستثمار الأجنبي" الذي لم تُعلن مسوّدته إلا بعد المصادقة شبه السرية عليه من قبل "مجلس النواب". وفي الانتظار قوانين أخرى مجهولة، كقانون "إدارة الموارد المالية"، وأخرى لاحقة تؤسس إقطاعيات نفطية حاكمة في الأقاليم والمحافظات تملك وزارات للنفط خاصة بها، ومجالس نواب مستقلة عن الدولة. مُهمّة الإقطاعيات المذكورة تأمين الحماية الأمنية لضخ النفط إلى الخارج، مهتدية في ذلك بـ"قانون النفط الإقليمي" الذي وضعته شركة أميركية لحكومة كردستان. يتيح هذا القانون عقد اتفاقات مباشرة مع الشركات الأجنبية، وإيداع عوائد النفط من الحقول الشمالية في صندوق خاص بها، تعطي منه حصة للحكومة المركزية، وتأخذ بالمقابل حصتها من أموال الحقول الجنوبية. وهناك صناديق أخرى للنفط لم تُعرف بعد آلياتها، بينها "صندوق الموارد النفطية" و"صندوق المستقبل"!

ويتساءل الخبراء العراقيون والأجانب الذين عقبوا على القانون، عن سبب الإصرار على تمريره في الأوضاع الطارئة للعراق، والجواب حسب اعتقادي أن الأوضاع الطارئة وُجدت من أجل تمرير هذا القانون المسربل بدماء العراقيين من قمة رأسه إلى أخمص قدميه. وإذا أحصينا عدد الضحايا مقابل عدد كلمات القانون الذي يتكون من نحو عشرة آلاف كلمة، نجد أن كل كلمة كلّفت لحد الآن مئة قتيل، وخمسمائة جريح ومصاب بعاهات جسدية ونفسية، وما يعادل هذا العدد من مشردين ولاجئين داخل العراق وخارجه. ولتقريب ذلك من الذهن يذكر عالم الرياضيات الأميركي جون باولس في بحثه عن تكلفة حرب العراق، أن إنفاق تريليون دولار بمعدل ألف دولار كل ثانية يستغرق 30 عاماً. لكن كم يستغرق إنفاق عشرة آبار نفطية يعرضها القانون للبيع وتبلغ قيمتها خمسة تريليونات دولار؟

تكشف مقارنة النسختين الإنجليزية والعربية للقانون عن اختلافات عدة، لا تعود حسب اعتقادي إلى عدم كفاءة المترجمين، بل إلى "الترجمة الحٌرة" للتمويه على النص. المادة 1 في النص العربي على سبيل المثال تذكر "إن ملكية النفط والغاز تعود لكل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات"، فيما يقول النص الإنجليزي "ملكية النفط والغاز الطبيعي منوطة بالكامل بالمجلس الفيدرالي للنفط والغاز في جميع الأقاليم والمحافظات". يصل عدد أعضاء هذا "المجلس الفيدرالي" الذي يرأسه رئيس الوزراء إلى 25 شخصاً، بينهم 3 وزراء ومحافظ البنك المركزي، وخمسة مستشارين يعينهم مجلس الوزراء. ويساعد "المجلس الفيدرالي" مجلس استشاري يتكون من عراقيين وأجانب، يملكون أهم السلطات، كالنظر بالعقود و"تراخيص التنقيب والإنتاج" وهو الاسم المستعار لـ"اتفاقيات المشاركة بالإنتاج" التي تعني في الواقع تمليك الشركات الأجنبية آبار النفط. ويتوقع الخبراء أن يضم "مجلس المستشارين" ممثلي شركات النفط الكبرى التي وظّف بعضها منذ سنوات مديرين من أصل عراقي مهمتهم رسم "شجرة العائلة" لكل من هبّ ودبّ في الحكم!

وتذكر فقرة خاصة عن الأسباب الموجبة حول منح التراخيص للأجانب والعراقيين: "أن التحديث والتطوير الإضافي للصناعة النفطية سيعززان بمشاركة مستثمرين دوليين ومحليين يتمتعون بمهارات عملية وإدارية وتقنية معتمدة بالإضافة إلى مصادر مالية نشطة". ويتساءل مهندس النفط فؤاد قاسم الأمير: "من هم الأشخاص والشركات العراقية التي تملك الاستثمارات وتتمتع بالمهارات الفنية"؟ لا أحد بالمرة، حسب قوله. و"إدخال العراقيين في هذا المضمار هو فقط وسيلة من الشركات الأجنبية لاستغلال العلاقات مع الأشخاص والجهات المعنية بإعطاء الرخصة، أو من لهم ارتباط بأشخاص وجهات وأحزاب سياسية لها نفوذ على السلطة العراقية".

ويشير المهندس الأمير الذي تستشهد به صحيفة "نيويورك تايمز" إلى فقرات عدة غير "دستورية" يتضمنها القانون، كالفقرة التي تذكر أن الكلمة العليا للسلطات الفيدرالية، أو لمجلس النواب. وينسحب هذا على جميع الفقرات والمواد الخاصة بصلاحيات السلطات، و"شركة النفط الوطنية"، ووزارة النفط، وتأهيل وتطوير الحقول، والتنقيب عن النفط والغاز، ومنح التراخيص، وتحديد مستويات الإنتاج. ويذكر أن هناك تناقضات كبيرة بين القانونين "الفيدرالي" و"الإقليمي" وبين "الدستور العراقي"، "بما يجعل من المستحيل صدورها".. و"مما يتوجب تعديل الدستور، أو تعديل القانونين في آن واحد".

وأعتقد أن غموض القانون وتناقضاته سببهما، كاحتلال العراق، عاهة مزمنة تعاني منها واشنطن ولندن. يصف هذه العاهة الشاعر وليم شكسبير في مسرحيته المشهورة "الملك لير": "لا طريق عندي، لذلك لا أريد عينين، فأنا أتعثر عندما أرى". وهل هناك أكثر عمى من قوانين مهينة للعراقيين الذين يملكون، حسب تأكيد كثير من الخبراء، أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم. وحس المالكين بالمسؤولية عما يملكون لا يعرفه الذين يخدمون الغزاة المحتلين. فالنفط ليس ملكية عقارية موروثة، بل هو صناعة وتكنولوجيا وإدارة وسياسة واقتصاد وتقاليد تجري في دماء سكان هذا البلد الذين فتحوا عيونهم قبل بدء التاريخ على "نار النفط الأزلية" في كركوك.

نفط العراق قادر على الدفاع عن نفسه، في تقدير سعدالله فتحي الذي ارتبط اسمه بإنشاء أكبر مصافي النفط في المنطقة بمدينة "بيجي" في ثمانينيات القرن الماضي. فالنفط دفع عام 1954 أقرب أصدقاء الغرب نوري السعيد لفرض المناصفة بالأرباح على شركات النفط التي كانت تملك أكثر من 95 في المئة من أراضي العراق. والنفط علّم العراقيين كيف يتجنبون فشل إيران في التأميم فقضوا في عام 1958 على نظام الحكم العاجز عن تحرير نفطهم من قبضة الاستعمار البريطاني، وسنّوا القانون رقم 80 الشهير، والذي حقق أول نصر لمالكي النفط العرب في استعادة ثرواتهم والتمتع بخيراتها. ومن مفارقات التاريخ أن القوى التي حققت عام 1963 حلم شركات النفط الاحتكارية في القضاء على ثورة عام 1958 عمدت في عام 1972 إلى تأميم النفط والسيطرة على كافة عملياته الاستخراجية والاستثمارية والتسويقية.

وللنفط في عيون العراقيين قيمة سامية؛ فهو -كنهري دجلة والفرات- ليس مجرد ثروة وطنية بل رمز لبلدهم. وقبل أيام وصلتني بالبريد الإلكتروني رسالة مؤثرة من أستاذة في علم الاقتصاد في جامعة بغداد، اضطرت هي وزوجها الطبيب الجراح إلى مغادرة العراق. تضمنت الرسالة شعراً بلهجة جنوب العراق، القريبة من لهجة سكان الخليج العربي. يروي الشعر قصة مهاجر عراقي غادر بلده حاملاً معه شنطة فيها "مناره وعذق نخله وشعله من عيون نفطه". أوقفه حرس الحدود مستغربين "هذي ما معقوله شنطه"؟!. لكنهم لم يجدوا عندما فتحوا الشنطة غير نجمة ورائحة حنطه... وعَلَم عراقي. فسألوه "هذا شيفيدك"؟ قال المهاجر: "غُربه...إحنه غُربه. ومن نموت هناك جا بيش نتغطّه"؟

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-22-3-2007