الخيارات المتاحة لزيادة رأس مال الشركات

 

هنري عزام

 

اعتادت الشركات في منطقة الشرق الأوسط الاعتماد أكثر على الاقتراض من المصارف لتمويل أعمالها التوسعية، باعتبار ان مصدر التمويل هذا يكون عادة اقل كلفة من زيادة رأس المال ويسمح ببقاء القرار الإداري في يد المالكين الحاليين. غير ان الاعتماد المفرط على الاقتراض كمصدر تمويل رئيس للشركة يعتبر خطأ، فلا بد من توازن هيكلي بين الاقتراض و حقوق الملكية. فالشركة التي تكون لديها نسبة اقتراض الى حقوق ملكية مرتفعة، ستجد ان قسماً لا يستهان به من دخلها يذهب لخدمة الدين، ما ينعكس سلباً على ربحيتها.

وبعكس الاقتراض، فإن زيادة رأس مال الشركات، إما من طريق صناديق الاستثمار المباشر أو الطرح العام الأولي للأسهم في السوق المالية، يوفر التمويل الطويل الأجل المطـــلوب لبــناء أصول ثابتة، من دون ان يترتب عليه زيادة في خدمة الدين او شروط صارمة قد تفرضها المصارف المقرضة. وليس من شركات ذات فعــالية مالية تعتمد في هيكلية تمويلها على مصدر تمويل واحد هو زيادة حقوق الملكية. فمعروف أن كلفة رأس المال هي أعلى بكثير من كلفة الاقتراض، خصوصاً عندما تكون أسعار الفائدة مقبولة كما هي الحال الآن. فالطريقة المثلى لزيادة العائد على الاستثمار تكمن في إيجاد التوازن المطلوب بين المديونية وحقوق الملكية.

تستطيع الشركات الخاصة التي تهدف إلى زيادة رأسمالها، الاختيار بين التحول إلى شركات مساهمة عامة تمكنها من إصدار أسهم أولية، أو إدخال أحد صناديق الاستثمار المباشر أو الخاص كمستثمر استراتيجي معها. ويوجد اليوم عدد من صناديق الاستثمار الخاص تبحث دوماً عن شركات غير مدرجة في اسواق أسهم دول المنطقة ذات نموذج عمل ناجح يلزمها مزيداً من رأس المال للتوسع. أما الشركات التي تختار التحول إلى شركات مساهمة عامة فلا بد لها ان تقبل بمعايير الشفافية والإفصاح المطلوبة، وان تبقى تحت مجهر هيئات الرقابة وان يكون لها إستراتيجية عمل مدروسة وواضحة. وتشمل متطلبات التغيير أيضا تعيين أعضاء جدد من قبل مجلس الإدارة من غير المالكين الأصليين للشركة، وتصبح الإدارة العليا للشركة في أيدي مهنيين متمرسين.

وتستطيع الشركات المبتدئة التحول شركات مساهمة عامة من طريق الطرح العام الأولي للأسهم، أو من طريق الاستحواذ على شركات مساهمة عامة قائمة. وكي تنجح عملية الاصدارات الأولية، لا بد للشركات المصدرة من ان تكون تعاقدت مع فريق اداري وان يكون هناك مجموعة قوية من المؤسسين الداعمين إضافة إلى وجود خطة عمل جيدة وموثقة.

أما عملية الاستحواذ على شركة مدرجة قائمة فهي تعتبر أسرع من عملية الطرح العام الأولي، وهناك عدد من الشركات المدرجة التي تعثرت أو تقلصت أعمالها ولم يبق منها سوى هيكلها، فهذه تصبح هدفاً يمكن للشركة المبتدئة ان تستحوذ عليه بسعر مقبول. وبعد الاستحواذ يتم تغيير اسم الشركة وتعيين مجلس إدارة جديد وجمعية عمــوميـــة تقـــوم بإصدار أسهم جديدة لرفع رأس المال الشركة وإدخال مستثمرين آخرين. فعملية الاستحواذ هذه تتطلب وجود مستشار مالي أو مؤسسة تعمل في مجال مصارف الاستثمار، تعطي الشركة المبتدئة النصح والمشورة حول أفضل الطرق لتنفيذ مثل هذه العملية واختيار الشركة المستهدفة وتقويمها والمساعدة في تمويل عملية الاستحواذ هذه عند اللزوم.

شهدت السنوات الثلاث الماضية ظهور صناديق الاستثمار الخاص أو المباشر في شكلها الاحترافي في المنطقة، ويقدر إجمال رؤوس أموالها بعشرة بلايين دولار آخر عام 2006 تبحث كلها عن مجالات استثمار واعدة في دول المنطقة.

وتوفر هذه الصناديق مصدر تمويل لرفع رؤوس أموال الشركات العائلية أو الخاصة التي تحتاج الى زيادة حقوق ملكيتها لتحقيق عملية التوسع. وقام عدد كبير من الشركات العالمية للاستثمار المباشر بإطلاق صناديق خاصة بها في منطقة الشرق الأوسط برأس مال يزيد على 500 مليون دولار لكل منها، مثل كارلايل غروب (Carlyle Group) و بلاك ستون (Black Stone)، إضافة إلى صناديق محلية وإقليمية كبرى مثل صندوق الاستثمار المباشر ل «إنفستكورب» و»أبراج كابيتال» و»غلوبال» و»دبي انترناشونال كابيتال» و»استثمار» وغيرها.

شهدت منطقة الشرق الأوسط السنة الماضية نشاطات طرح عام أولي استطاعت من خلالها الشركات جمع رؤوس أموال فاقت 8.2 بليون دولار، مقارنة بـ 6.5 بليون دولار في عام 2005 وأقل من 4 بلايين دولار عام 2004. وتشكل هذه العمليات ما نسبته 2.7 في المئة من إجمالي عمليــات الطرح العـــام الأولي في العالم والتي بلغت 302 بليون دولار في عام 2006. وسجل السنة الماضـــية نحــو 23 عمــلية اكتـــتاب أولي في منطــقة الخليــج العربي وصل حجمها الإجمالي الى 7.5 بليون دولار، و17 عملية أخرى في بقية الدول العربية بقيمة إجمالية تجاوزت 700 مليون دولار. واستطاع عدد من الشركات جمع ما يزيد على 500 مليون دولار من خلال عمليات الاكتتاب العام مثل شركة الاتصالات المتكاملة الإماراتية (Du)، و»مدينة اعمار الاقتصادية» و»الشركة السعودية العالمية للبتروكيماويات» في المملكة العربية السعودية، و»بنك البركة» في البحرين، و»بنك الريان» في قطر.

ووصلت الاكتتابات في أسواق دول المنطقة إلى أضعاف ما هو معروض في الطرح العام الأولي اذ تعدى الإجمالي 345.6 بليون دولار أو 46 ضعف قيمة ما كان معروضاً من أسهم للاكتتاب العام.

وسجل أعلى فائض اكتتاب في سوق أسهم الإمارات حيث فاق الاكتتاب في أسهم سوق دبي المالية التي خصص جزء منها السنة الماضية، 300 ضعف ما هو معروض، تلاها شركة الاتصالات المتكاملة الإماراتية (Du) بحوالى 167 ضعفاً.

وقام مكتتبون كثر بالاقتراض لزيادة عدد الأسهم التي ستخصص لهم في عمليات الطرح العام الأولي. ولقد أصبحت عمليات التمويل هذه تشكل مصدراً هاماً لدخل المصارف العاملة في دول المنطقة، غير أن الفائدة التي يدفعها المستثمر زادت كلفة أسهم الاكتتاب. إذ أنه لا يخصص عادة سوى نسبة صغيرة من مبلغ الاكتتاب ، وفي كثير من الأحيان كان تعويض المستثمرين من خلال ارتفاع سعر السهم بأضعاف قيمة الاكتتاب خلال الأيام القليلة الأولى من تداوله في السوق الثانوية. غير ان ما حدث اخيراً قد يكون بداية لعملية تصحيح في سوق الاكتتاب الأولية، اذ هبطت أسعار بعض الأسهم إلى ما دون سعر الاكتتاب عندما بدأ تداولها في السوق الثانوية، كما حدث مع الشركة السعودية العالمية للبتروكيماويات و «مجموعة فواز الحكير» السعودية. فخابت آمال المستثمرين واقتنع كثر منهم بأن الاكتتابات الأولية ليست بالضرورة وصفة أكيدة للثراء السريع، كما ان عوامل المخاطرة المرتبطة في الاستثمار في سوق الأسهم موجودة أيضاً في سوق الاكتتاب الأولية.

ان التـــنوع في الإصدارات سيشكل السمة التي تمــيز السوق الأولـــية في الفترة المقبلة. ومـــن القطاعات التي يترقبها المستثمرون قطاع التـــأمين حيـــث ستطرح أسهم معظم شركــات التأمــين الثلاث عشر التي حصلت على تراخيص للعمل في السوق السعودية، إضافة إلى شركات تعمل في قطاع التعدين والعقارات والصناعة وتكنولوجيا المعلومات، وغيرها من الشركات التي تمتلك مقومات نمو قوية وستــطرح أسهمها بأسعار معقولة.

ومن المتوقع ان تصبح آلية الطرح العام واستجابة المستثمرين لها أكثر نضجاً، كما ان الأسعار قد تصبح أكثر واقعية بعد ان يبدأ تداولها في السوق الثانوية، بعكس ما كانت عليه الحال سابقاً.

*مؤسس «أموال إنفست» ورئيسها التنفيذي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبفي المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الحياة اللندنية-22-3-2007