نحو سياسات جديدة لمساعدة فقراء أميركا اللاتينية

 

كارين فون هيبل

 

سافر الرئيس الأميركي جورج بوش إلى أميركا اللاتينية هذا الأسبوع رافعاً شعار العدالة الاجتماعية؛ حيث شدد ومعه مسؤولون آخرون من الإدارة الأميركية على أهمية المساعدات الأميركية لمنطقة يعاني فيها عشرات الملايين من الناس من الفقر، وأعلنوا عن سلة من المبادرات الجديدة التي تضم -من بين أمور أخرى- زيارة (سفينة-مستشفى) لعدد من مدن المنطقة، وتقديم دروس في اللغة الإنجليزية لشباب المنطقة. وفي هذا الإطار، قال الرئيس بوش "أود أن أُذكّر الناس في منطقتنا بأن أميركا تكترث لحالهم. كما أود أن ينال الشعب الأميركي الاعتراف بما أبداه من كرم وسخاء في أميركا الوسطى والجنوبية".

والواقع أن الإدارة تستحق الإشادة والثناء لأنها ركزت على مواضيع مثل التعليم والصحة، اللذين يكتسيان أهمية بالغة بالنسبة للأميركيين اللاتينيين؛ إلا أنه إذا كان تحقيقُ العدالة الاجتماعية هدفَ إدارة بوش حقاً، فإن المطالبة بالاعتراف بفضل دافع الضرائب الأميركي هو الطريقة الخطأ لتحقيق هذا الهدف. ثم إنه كلما كان الانتباه الذي يثيره الرئيس للمساعدات الأميركية كبيراً، كلما كانت دولاراتنا أقل فاعلية في مساعدة سكان أميركا اللاتينية على صعود سلم التنمية بأنفسهم.

ترمي مساعدات التنمية إلى تشجيع استقلالية المستفيد واعتماده على نفسه -أي مد المعوزين بالقدرة على مساعدة أنفسهم. وبالمقابل، فإن جل المانحين يأملون، على نحو يمكن تفهمه، أن يُكسبهم كرمهم السمعة الحسنة، ويخلق على المدى البعيد عالماً أكثر استقراراً بالنسبة للمانح وللمستفيد على حد سواء. غير أن البحوث في مجال العلوم الاجتماعية تشير إلى أن عملية تقديم المساعدات تنطوي على قدر كبير من الحساسية. ذلك أن المساعدة يمكنها أن تقلل من احترام المستفيد لنفسه، وتثير لديه مواقف سلبية إزاء من يرغب في مساعدته، وهو أمر يتوقف على كيفية منح المساعدات. وبالمقابل، تدفع المساعدة التي تُقدم من دون صخب ولا أضواء المستفيدَ إلى قبول المساعدة من دون شعور بجرح الكرامة؛ وبالتالي، فمن المرجح جداً أن يقبلها بامتنان، وأن تساهم في تحقيق الأهداف المنشودة.

وعليه، فإنه يتعين على الولايات المتحدة أن تأخذ في الحسبان هذه الجوانب الأساسية للطبيعة البشرية في مقاربتها لمساعدات التنمية. والحال أنه على رغم حسن النوايا، فإن إدارة بوش قامت بالعكس من ذلك تماماً -ليس فقط مثلما ظهر من خلال سعي الرئيس صراحة وراء الحصول على الاعتراف بفضل المساعدات الأميركية لأميركا اللاتينية، وإنما أيضاً من خلال حملة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في 2004، التي شددت على أن تحمل كل المساعدات الممولة من طرف حكومة الولايات المتحدة، بل وحتى تلك التي توزعها منظمات غير حكومية، علامة تشير إلى أن مصدر المساعدة هو الشعب الأميركي.

والحقيقة أنه من الطبيعي أن تحرص حكومة ما على أن يتم الاعتراف بكرمها في الخارج؛ غير أن ما تعنيه هذه الحملة عملياً هو أننا نُذكّر فقراء العالم، في الوقت الذي تسعى فيه بلادنا إلى مساعدتهم، بأن الولايات المتحدة تمول إنجازاتهم. علاوة على ذلك، فإن التشديد على ضرورة أن تحمل المساعدات علامات وملصقات تفيد بأنها هدية من الشعب الأميركي، تنطوي على أخطار لا يستهان بها بالنسبة للمنظمات غير الحكومية التي تعمل في مناطق حساسة سياسياً، حيث يعد الحياد شرطاً مسبقاً لكسب ثقة السكان.

وبطبيعة الحال، فإن الحل لا يكمن في تقليص حجم المساعدات الأميركية الخارجية، ذلك أن الدعم الأميركي لجهود محاربة الفقر العالمي يعد واجباً أخلاقياً واستراتيجياً في آن واحد، بل وعلى إدارة بوش أن تزيد منه. إلا أنه علينا في الوقت نفسه ألا نشغل أنفسنا كثيراً بضرورة إخفاء إسهاماتنا الإنسانية؛ ففي بعض الحالات، مثل عمليات الإغاثة أثناء الكوارث، تعد قدرات الولايات المتحدة فريدة وواضحة، مثلما ظهر من خلال رد فعلنا السريع والكريم والملحوظ عقب "تسونامي" الذي ضرب منطقة جنوب آسيا، والذي كان مناسباً ومحل تقدير وإشادة، وبالفعل، فقد زاد من تحسن صورة الولايات المتحدة في إندونيسيا، على المدى القصير على الأقل.

والواقع أنه يمكن تحسن مساعدات التنمية التي تقدمها الولايات المتحدة للبلدان النامية عن طريق التحلي بقليل من التواضع. ذلك أن أفضل طريقة لمساعدة الأميركيين اللاتينيين وغيرهم على محاربة الفقر و اللامساواة الاجتماعية تكمن في عدم التركيز على الاعتراف بفضل المساعدات. وذلك قد يعني التخلي بعض الشيء عن التحكم الأميركي عبر خطوات من قبيل السماح للفاعلين المحليين بتحديد أولوياتهم، وتمويل المبادرات المحلية بدلاً من فرض البرامج الأميركية، واللجوء إلى خدمات الاستشاريين المحليين بدلاً من استيراد المقاولين الأميركيين... الخ. وهذا يعني أيضاً مقاومة الرغبة في تسليط الأضواء على مساهماتنا.

ونتيجة لذلك، فسنساهم في الإحساس بالملكية المحلية، والمحاسبة، والالتزام بنجاح المشاريع -وهو ما من شأنه أيضاً أن يؤدي على المدى البعيد إلى تقوية وتعزيز مصالح الولايات المتحدة. والواقع أنه إذا كانت مساعداتنا ذات أهمية مثلما نحب أن نصدق، فإن المستفيدين منها سيقولون ذلك لأنفسهم مع مرور الوقت، وسيصل امتنانهم وشكرهم إلى القلب.

*زميلة "مشروع إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد النزاع" بمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة"لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست" -20-3-2007