الأمم المتحدة تحمي كاشفي الفساد

 

 

الف دين

 

بعد الاضطهاد الذي تعرضت له الأمانة العامة للأمم المتحدة سياسيا بسبب اتهامات بانتهاك القانون وسوء الإدارة ردت الأمانة العامة بـ"سياسة جديدة لحماية كاشفي الفساد"، تهدف إلى تشجيع أعضاء الهيئات والمستشارين بل وحتى الجمهور على المساعدة في كشف الفساد في هذه الهيئة الدولية.

 وتضمن هذه السياسة الجديدة، والتي يبدأ تفعيلها في يناير، تضمن لمن يقومون بكشف الفساد عدم حدوث انتقام بسبب تقديم تقارير بسوء الإدارة و"بسبب التعاون مع تدقيقات الحسابات والتحقيقات المخول بها والتي تتم في أوقاتها المحددة".

ولكن ميريل كاسيل، وهو مدير سابق للميزانية في وكالة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف"، لازال متشككا بشأن القواعد الجديدة.

حيث قال كاسيل في تصريح لآي بي إس: "إن الأمم المتحدة مشهورة بمعاقبة العاملين بطرق حذرة أخرى، مثل منع الترقية، والنقل إلى مراكز وظيفية صعبة، وإيجاد مبررات للتقاعد المبكر".

 وقال إن وظيفة الموارد البشرية سوف تحتاج إلى تنشيط آليات جديدة لتقوية أنظمة التقاضي وحماية العاملين عندما يبدأ تقديم التقارير بشأن الفساد.

 وقال كاسيل إن اتحادات العاملين بالأمم المتحدة ينبغي عليها دراسة القواعد الجديدة وتقديم النصائح للعاملين وفقا لها.

 حيث قال: "سيكون من الصعب للغاية على الأمم المتحدة أن تقوم بتطبيق هذه القواعد ما لم تتغير ثقافة المنظمة بشكل مفاجئ، حيث سيكون المشرفون بحاجة إلى إعادة تعلم تقييم التعبير عن الاختلاف، وخاصة من صغار العاملين، والنظر إلى هذه الآراء بشكل متميز وكريم، وبهذا يتم منع كشف الكثير من سوء الإدارة".

 قال أيضا إننه سيكون من الضروري للأمم المتحدة أن تقوم بإنشاء بنية ما حتى يمكن للعاملين تقديم الشكاوى بثقة أو بدون تحديد اسم صاحبها.

 وبحسب جاي جاندوسو، نائب رئيس اتحاد العاملين بالأمم المتحدة، فإن السياسة الجديدة تعتبر بداية جيدة وإنجازا كبيرا للمنظمة.

كما أضاف في حواره مع آي بي إس: "ولكن العاملين ينبغي أن يظلوا حذرين حتى نرى كيف سيتم تنفيذ هذه السياسة طبقا لمكتب الأخلاقيات الجديد، والذي سيتم إنشاؤه في عام 2006".

وأضاف أنه من المهم بالإضافة إلى هذه السياسة إصلاح النظام القضائي الداخلي الخاص في الأمم المتحدة، وتقديم أمان في الوظيفة للعاملين من خلال عقود مهنية.

وقد تم اختيار البرنامج الميت للأمم المتحدة، النفط مقابل الغذاء في العراق، والذي وصل إلى 64 بليون دولار، والذي كان يهدف إلى تخفيف معاناة العراقيين من الحصار الاقتصادي، تم اختياره باعتباره مثالا رئيسيا على سوء الإدارة الفادح من قبل الأمانة العامة.

فبعد 18 شهرا من التحقيقات انتهى بول فولكر، الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلى أن أكثر من 2200 من الشركات والأفراد قاموا جميعا بدفع رشاوى للرئيس العراقي السابق صدام حسين من أجل الفوز بعقود، وكل هذا تحت إشراف الأمانة العامة للأمم المتحدة.

وقد توصل التحقيق الذي قام به فولكر إلى وجود سلوك "محظور وغير أخلاقي وفاسد" في البرنامج الفاسد للنفط مقابل الغذاء، والذي تم إنشاؤه في أبريل عام 1995.

وقد تعرضت أمانة الأمم المتحدة أيضا إلى الهجوم بسبب سوء إدارة بعض بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الخارج، وذلك من خلال المبالغة في الإنفاق والتلاعب والتبديد والمحاباة في تخصيص العقود، وانعدام المحاسبة والشفافية في الإدارة.

وفي تصريح للصحفيين في الأسبوع الماضي قال كريستوفر بورنام، نائب الأمين العام للأمم المتحدة: "إذا أصبحت لدينا هنا ثقافة يقول فيها المرء ’لن أكذب، أو أغش، أو أسرق، أو أتسامح من يقومون بذلك‘ فعلينا عندئذ أن يكون لدينا سياسة حماية لمن يقومون بكشف الفساد".

 وقال إن سياسة حماية من يكشفون الفساد سوف تكون المرحلة الأولى في مشروع من مرحلتين. وسوف تكون الخطوة الثانية هي إعادة فحص إدارة العدل والإجراءات والأصول في الأمم المتحدة، بداية من فبراير القادم وانتهاء بتقديم تقرير في يوليو 2006.

 وأضاف قائلا إن سياسة حماية من يكشفون الفساد سوف سوف تبدأ العمل في 1 يناير ريثما يتم إنشاء مكتب الأخلاقيات. ويلقي المكتب المقترح "تأييدا واسعا" بين أعضاء الجمعية العامة الذين يبلغ عددهم 199 عضوا، ولكن ثمة نقاشا يجري حول مستويات التوظيف، بحسب بورنام، وهو مسئول سابق بوزارة الخارجية الأمريكية.

وتابع بورنام قائلا إن السياسة الجديدة ينبغي أن تقدم تطمينا كاملا للأفراد العاملين، الذين على علم بالفساد والتلاعب، حتى يمكن سماع أصواتهم، وكي يتسنى حمايتهم من الانتقام.

وأردف قائلا: "إنها المرة الأولى التي أُعطي فيها العاملون معايير معينة لتقديم تقارير بسوء الإدارة. والالتزام الأول هو تقديم التقارير للسلطات المناسبة داخل الأمم المتحدة، ولكن تم توفير متنفسات أخرى لهم، من بينها محكمة الشعوب، وهي الصحافة، باعتبارها ملجأ أخيرا".

وفي نفس الوقت قال بورنام إنه كان من المهم أيضا "إيقاف هذه الثقافة الخاصة برسائل الاغتيال غير الموقّع عبر البريد الإلكتروني المنتشرة في هذا المكان، والتي يتهم فيها أشخاص بعضهم البعض بسلوك غير لائق".  وأضاف أنه طبقا للسياسة الجديدة لن يتم اعتبار نقل ونشر شائعات غير مثبتة نشاطا محميا، ولكنه يمثل في الحقيقة سلوكا سيئا. وفي غضون هذا أصدر مشروع محاسبة الحكومة، وهو منظمة للصالح العام في واشنطن تقوم بتعزيز محاسبة الحكومة والشركات، أصدر بيانا في الأسبوع الماضي يثني على الأمم المتحدة بسبب "مقياس جديد لحماية من يقومون بكشف الفساد، وهو سياسة مناهضة الانتقام".  ولكنه حذر من أن السياسة الجديدة ينبغي أن يتم النظر إليها في سياق أكبر من الإصلاحات الهيكلية التي لم تكتمل، والتي تنتظر موافقة الجمعية العام في 2006.

 ففي بيان صدر في الأسبوع الماضي قال توم دافيني، المدير القانوني لمشروع محاسبة الحكومة: "إن هذا هو المقياس الذهبي لحرية التعبير في المنظمات الدولية".

وقال إن سياسة الأمم المتحدة تستوفي 15 من بين 20 مقياسا في مجموعة مشروع محاسبة الحكومة الخاصة بالممارسات المُثلى لحماية من يقومون بكشف الفساد. وفي المقابل تتبنى سياسة البنك الدولي وقانون حماية كاشفي الفساد 12 فقط من بين الـ20 اختبارا.

ورغم أن البيان قد أثنى على الإصلاحات إلا أن مشروع محاسبة الحكومة قد أشار إلى أن الأمم المتحدة لم تقم حتى الآن بشكل نهائي بصياغة التفسيرات التي تتوافق مع الحدود القانونية القياسية لحقوق كاشفي الفساد، مثل الحماية ضد الإدانة بالارتباط، والاعتقاد الخاطئ لكشف الفساد، والضربات الوقائية عندما يتم كشف فرد ما يكون على حافة الاكتشاف من خلال إعداد أدلة للمعارضين.  وحذر دافيني من أنه "سيكون من السابق لأوانه تقرير أن كاشفي الفساد في الأمم المتحدة قد أصبحوا في أمان؛ حيث يمكن لأي من هذه الثغرات أن تمحو فوائد هذه السياسة، أو أن تحولها إلى مصيدة".

حيث قال إن هذه السياسة تخفق، حسب البنية الحالية، في الوفاء بمعايير الأداء الأمثل لفرض الحقوق من خلال تحقيق مستقل، والفصل في النزاعات الناشئة عن كشف الفساد.  وأضاف قائلا: "إن الأمين العام وحده هو الذي يضمن حماية كاملة لكاشفي الفساد من خلال البدء في إصلاحات هيكلية كبيرة لتوفير هذا الاستقلال الذي يمكن إثباته".

و كل ذلك بحسب رأي الف دين في المصدر المذكور.

المصدر: ICAWS-2-2-2006