"صفقات الوقود"...أداة شافير لـ"تصدير الاشتراكية"!

 

سارا ميلر لانا

 

لقد تحولت حافلات لندن إلى رمز ثقافي لعدة معان على امتداد الحقب والعقود. فإلى جانب كونها رمزاً وطنياً، فهي بمثابة شارة وبطاقة بريدية لنظام النقل البريطاني العام، إلى جانب ما ارتبط بها من مشاعر إحباط عام بسبب عدم دقة وانتظام خدمتها للركاب. ولكن هل يمكن أن تتحول هذه الحافلات إلى شعلة للثورة الاشتراكية العالمية؟! ربما يبدو هذا غريباً بعض الشيء، غير أنه ليس مستبعداً، على إثر العرض الأخير الذي تقدم به الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز، بمد بريطانيا بوقود منخفض التكلفة، بما يمكن نحو 250 ألف بريطاني ممن يشملهم نظام الرعاية الاجتماعية، من التنقل بنظام الحافلات اللندنية العامة بفئة تذاكر ينخفض سعرها بنسبة 50 في المئة عما كانت عليه سابقاً، وعلى امتداد العام، في إحدى أكثر مدن العالم غلاءً.

ولم تعد حافلات لندن الثنائية الطابق، الأثر الوحيد لما يسمى بـ"ثورة شافيز الاشتراكية للقرن الحادي والعشرين". فقد شهدت خلال الأعوام الماضية مدن أميركية عديدة منها، نيويورك وبوسطن وغيرهما من كبريات المدن، انخفاضاً كبيراً في أسعار تكلفة التدفئة المنزلية والمكتبية، بفضل انخفاض تكلفة الوقود المستورد من فنزويلا. وفي الوقت ذاته، أمدت كاراكاس عدداً من دول أميركا اللاتينية، من بينها كوبا ونيكاراجوا وما يزيد على عشر دول أخرى من دول المنطقة، بمنتجاتها النفطية المنخفضة التكلفة. بل الحقيقة أن عروض شافيز تجاوزت النفط والوقود كثيراً، وعبرت عن نفسها على نحو ملحوظ ولافت للانتباه، منذ فوزه بدورة رئاسية ثالثة في شهر ديسمبر المنصرم. ومن تلك العروض، تعهده بتمويل الإكوادور بمبلغ قدره 500 مليون دولار، وكذلك تعهده بتوفير مبلغ 135 مليون دولار لإحدى الشركات التعاونية العاملة في مجال منتجات الألبان في الأرجنتين. وإلى ذلك تتبنى "كراكاس" خطة تنموية في نيكاراجوا تتضمن توفير مولدات كهربائية للتخفيف من وطأة التأثيرات السالبة لانقطاع التيار الكهربائي بشكل متكرر إلى جانب تمويلها لإنشاء بنك تنموي هناك.

وفي رأي المحللين والمراقبين أن هذه المشروعات التي يتبناها "شافيز" في حدود أميركا اللاتينية وما وراءها، تعد فريدة من نوعها، بالمقارنة إلى مبادرات رؤساء آخرين، تطفو أنظمتهم وحكوماتهم فوق سطح بركة من الأموال والنفط. غير أن لشافيز أهدافا أخرى غير المساعدات المقدمة لدول المنطقة وما وراءها، تتمثل في سعيه لمناهضة الهيمنة الأميركية بسيل مهول من الصفقات والعقود والهدايا والإجراءات التضامنية وإقامة المشروعات التنموية العملاقة. أما منتقدوه الأشد حدة، فيرون فيه "راش كبير"، يهدف إلى الترويج لنفسه وشراء تأييد الآخرين له، عبر الرشاوى النفطية. على أن الجميع يتفق تقريباً على أن هذه الحملة الواسعة التي ينظمها شافيز، ترقى إلى ما يمكن تسميته بـ"انقلاب علاقات عامة" على واشنطن، بينما يرى البعض، أن في وسع هذه الحملة والجهود، أن تثمر عن إعادة توازن جديد للقوى الإقليمية على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وضمن ذلك، فإن من رأي "ميجويل تنكر-سالاز"، خبير النفط والسياسيات في أميركا اللاتينية بكلية بومونا بولاية كاليفورنيا- أن تعمد شافيز وضع بلاده وتمديد يدها في علاقات التعاون الدولية والإقليمية بكل هذا القدر، إنما ينم عن رغبته في الحد من أثر الجهود التي تبذلها واشنطن لعزل فنزويلا إقليمياً ودولياً. ومما لا شك أن شعبية شافيز قد صعدت فعلاً، بسبب توفيره لوقود النفط المدعوم، وتمكينه آلاف المواطنين في مختلف أنحاء العالم من استغلال المركبات ووسائل النقل العام بأسعار مخفضة، وأن هذه المبادرات قد أضفت على دوره طابعاً خيرياً، على حد تعليق "لاري بيرنز"، مدير مركز دراسات أميركا اللاتينية في واشنطن. ومضى "بيرنز" للقول، إن مبادرات شافيز هذه، قد شكلت ضغوطاً وإحراجاً لقادة آخرين في القارة الجنوبية، بمن فيهم الرئيس البرازيلي "لولا دا سيلفا"، على سبيل المثال. ومهما كان أمر العلاقة والتوتر في بعض الأحيان، بين "لولا" و"شافيز"، إلا أنه كثيراً ما تكررت زيارات الأول لـ"كاركاس"، طلباً للوقود الذي تحتاجه البرازيل لأغراض استهلاكها المحلي. وعلى أية حال، فإن هذا النوع من تأثير السلوك التضامني، هو الذي يبقى تأثيره مسيطراً على النطاق الإقليمي في أميركا الجنوبية وما وراءها، على حد قول "تنكر-سالاز".

وحتى هذه اللحظة، فإن المعروف أن "كاراكاس" تقدم عروض النفط المدعوم بنسبة 40 في المئة من سعر التوصيل، لحوالي 16 دولة إقليمية وخارجية، أي إلى ضعف عدد الدول التي كانت تدعمها بهذه الصفقات في الماضي. وتشمل الصفقات نفسها، دعم 183 قبيلة من القبائل الأصلية المقيمة في أميركا الشمالية. وتعني هذه المساعدات بلغة الإحصاء والأرقام، نحواً من 100 مليون جالون نفط خلال موسم الشتاء الحالي. وبحسب المطبق الإعلاني المصاحب لهذا البرنامج، فهو يوصف بأنه "برنامج من الشعب إلى الشعب، وأنه ينبع من قلب فنزويلا مباشرة، لكي يصل إلى بيوت العائلات الأميركية غير القادرة على سداد فاتورة وقودها الباهظة". أما في مدينة نيويورك، فيبدي البعض دهشة واستغراباً من أن تضطر دولة أجنبية مجاورة لتسديد قسط كبير من فواتير المواطنين الأميركيين عنهم. وكما يتساءل "تنكر-سالاز": فلماذا لا تتولى هذا الواجب شركتا "شل" و""BP مثلاً؟ والإجابة عنده، أن ما يفعله "شافيز" بالإنابة، يكشف قصور حكومات الدول التي تصلها مساعداته، إزاء مواطنيها.

يذكر أن آخر صفقات النفط المدعوم التي أبرمها عمدة مدينة لندن "اليساري"، "كين لفنجستون"، في العشرين من فبراير المنصرم، سوف توفر للمدينة نحواً من 20 مليون دولار سنوياً. وفي المقابل يتوقع أن يزور العاصمة الفنزويلية "كاراكاس"، فريق من قطاع المواصلات البريطانية، لتقديم المشورة الفنية هناك، في مجالي إدارة المرور والتخطيط الحضري. لكن وتعليقاً منه على هذه الصفقة، قال "ريتشارد بارنز"، أحد أشد معارضي "ليفنجستون"، إن نسبة 38 في المئة من المواطنين الفنزويليين تعيش تحت حد الفقر، فكيف لكاراكاس أن تترك فقراءها لتمد يدها "الخيرة" إلى فقرائنا البريطانيين؟!

*مراسلة صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" في المكسيك

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"