على العرب أن يستثمروا ثرواتهم

 

د. طارق سيف

 

 

منذ عقود من الزمن والكوارث والنكسات تمطر على الساحة العربية، والجميع يتحدث عن قوة الثروة التي يمتلكها العرب وضرورة استثمارها للخروج من الأزمات والنهوض من الكبوات وعبور النفق المظلم، ليأخذ العرب مكانهم وسط الأمم الأخرى، ولكن أحداً لم يواجه العرب بحقيقة دامغة: أنهم لم يفعلوا شيئاً حيال هذه الثروة رغم أنها واضحة للعيان.

وقبل أن تتجه الأفكار وتتركز نحو الثروة النفطية فقط، فإننا نود أن ننوه أننا نتحدث هنا عن كل الثروات التي يملكها العرب، ولها القدر نفسه من الأهمية الاستراتيجية لبناء الحاضر وصنع المستقبل، ولكننا لم نعرها الاهتمام الكافي، ولم ننجح في ترشيد استثمارها بالصورة التي يكون عائدها مماثلاً للثروات الطبيعية الأخرى.

فالوطن العربي يمتلك ثروات متنوعة؛ ما بين ثروة بشرية وطبيعية وجغرافية وسياحية، وكل ثروة منها تحتاج إلى استراتيجيات وسياسات وخطط وبرامج لاستثمارها، بحيث يكون عائدها مصدر دخل قومي يفوق كثيراً ما تجنيه الدول العربية منها الآن، والأمر لا يحتاج إلى تعقيدات تكنولوجية أو خطط جهنمية أو سياسات شيطانية، بل تخطيط استراتيجي دقيق، وإدراك واعٍ لهذه الثروة، وإرادة في اتخاذ قرار استثمارها، وإصرار والتزام دقيق في التنفيذ وفق خطط زمنية محددة، وحسم في مواجهة العوائق والتحديات.

المعادلة بسيطة، حيث استثمار الثروة يفرض ضرورة تحديد حجمها، والتعرف على أسلوب تنميتها أو تطويرها للاستفادة منها، بعد أن تتم دراسة السوق والتعرف على مدى احتياجاته من هذه الثروة، ومن ثم الشروع في خطط الاستثمار.

والثروة العربية متنوعة ومنتشرة على امتداد الوطن العربي، بعضها موجود في أكثر من دولة والبعض الآخر تنفرد به دولة بعينها، فهناك دول تتمتع بوجود قوة بشرية هائلة، ودول أخرى حباها الله بأرض زراعية ومياه كافية لزراعتها بمحاصيل لا تعد ولا تحصى، في حين تمتلك دول عربية ثالثة ثروة من الطاقة النفطية والغازية كبيرة، هذا بخلاف وجود رصيد تاريخي ديني وحضاري، وموقع استراتيجي لكثير من الدول العربية، وما يعكسه ذلك كله من ثروة تنتظر الاستثمار السياحي.

فمن ناحية الثروة البشرية، نجد أن أكثر من ست دول عربية يزيد مواطنوها على 20 مليون نسمة، وهي قوة استثمارية ضخمة يمكن الاستفادة منها لو أحسن تعليمها وتأهيلها وتدريبها بما يتناسب مع احتياجات أسواق العمل في الداخل والخارج، وإعداد الخطط اللازمة لتوجيهها وتشجيعها على زيادة خبراتها، ثم وضع سياسات تصديرها.

وليست التجارب الناجحة في الصين أو الهند أو ماليزيا أو سنغافورة، في استثمار القوة البشرية بعيدة المنال، حيث يمكن الاستفادة بخبراتها في هذا المجال، وهو أمر لا يكلف كثيراً من الجهد أو الوقت، بل يحتاج إلى عمل جاد وجهد صادق وإيمان عميق بالقدرة على تحقيق المستوى نفسه من النجاح. وبدلاً من أن تظل هذه الدول تشكو زيادة عدد السكان وضعف الدخل القومي وانتشار الأيدي العاطلة، تستطيع أن تجعل من هؤلاء السكان مصدراً للثروة الوطنية، وقوة مضافة للدخل.

وكذلك حال الثروة من النفط والغاز، والتي تملكها نحو سبع دول عربية تمتلك الإمكانيات التي تكفل لها مواصلة بناء تجمعات صناعية للنفط والغاز، وذلك بالإقدام الجسور على التنويع في هذه الصناعة، والدخول في صناعة منتجات متقدمة في مجال الغاز وتقنيات الطاقة الجديدة. ويمكن للجيل الجديد من تقنية إسالة الغاز وخلايا الوقود أن يوفر الفرصة لهذه الدول لخلق صناعات جديدة تضاف إلى القوى الاقتصادية للدول.

يستهدف تطوير صناعات النفط والغاز إحداث تطوير جديد في تقنيات الغاز والطاقة المتقدمة، من خلال تطوير تقنيات جديدة ومتقدمة للاستفادة من منتجات النفط، تتبعها استثمارات لتوسيع نطاق العمليات الاستكشافية والمشروعات الجديدة التي تستخدم هذه التقنيات، ثم يأتي من بعد ذلك الاستثمار في التكرير والتسويق والتوزيع.

وهنا تبرز الحاجة إلى تطوير مهارات تقنية الطاقة لتمكين المواطنين من تكوين وإدارة مرحلة تالية من مشروعات الطاقة الجديدة من خلال التدريب الذي توفره كليات التقنية العليا أو أي مؤسسة جديدة على درجة عالية من التخصص في تقنيات الغاز، وفي الوقت نفسه يلزم التمويل الاستثماري لمشروعات استكشافية في مجال تقنيات إسالة الغاز المتقدمة، والتركيز على الأسواق المرتبطة بالأنواع الجديدة من الوقود والطاقة بما في ذلك الكيماويات الصناعية مثل المواد الفاعلة ومواد حفظ الغذاء والمنتجات الاستهلاكية مثل الطلاء والأحبار والمواد اللاصقة، وربما أيضاً بصناعة المستحضرات الصيدلانية التي سيتم تدعيمها من خلال التنويع في هذا التجمع الصناعي.

أي إن المطلوب من الدول التي تمتلك الثروة الطبيعية من النفط والغاز أن توسع نطاق استثماراتها في نواتج هذه الثروة وليس قصرها على عملية الاستخراج والتصدير، ولا يوجد ما يمنع من شراكة عالمية في هذا المجال، ولكن من المؤكد أن العائد سيكون أضعاف ما يتم الحصول عليه الآن من بيع النفط الخام والغاز المسال.

أما في مجال الزراعة، فحدّث ولا حرج، فكثير من الدول العربية تشكو من وجود فجوة غذائية، وتعتمد في معظم وارداتها الزراعية على الخارج، في حين توجد أكثر من خمس دول عربية تملك مساحات شاسعة صالحة للزراعة طوال العام، ومتوافر لها مصادر طبيعية للمياه، يمكن عن طريق استثمارها أن تحقق الأمن الغذائي العربي بتكلفة مناسبة، وتسد الفجوة العربية في استيراد المواد الزراعية من الخارج، وفي الوقت ذاته توفر فرص عمل غير محدودة للثروة البشرية العربية غير الماهرة، كما يمكن التوسع في الصناعات المرتبطة بالزراعة، مما يتيح مصادر هائلة للدخل القومي.

أما إذا انتقلنا إلى مجال السياحة بأنواعها المتعارف عليها كلها، فنجد أن معظم الدول العربية يمكن أن تكون مزارات مهمة قادرة على الجذب السياحي التاريخي والديني والعلاجي والترفيهي والمؤتمرات، ولكن ما ينقصها هو توافر "الثقافة السياحية"، ونعني بها تثقيف الشعوب حول كيفية التعامل مع السياح، وتوفير متطلبات السياحة ومرتكزاتها الأساسية، من بنى تحتية واحترام للقانون واستقرار وأمن، ثم استراتيجية واقعية للترويج العالمي لهذه السياحة، وفق النوع الذي تراه الدولة مناسباً لها.

كل ما سبق عبارة عن غيض من فيض، فالدول العربية تملك ثروات ضخمة، ولكن سوء التخطيط وضعف الإدارة، والافتقار إلى الرؤى الشاملة للاستفادة منها بالصورة التي يكون فيها العائد مجزياً على المستويين المادي والمعنوي، جعل الحكومات تستسهل الاستفادة من الثروة الطبيعية المتوارثة عن الأجداد ولا ترغب في الاستفادة من ثرواتها الأخرى الأكثر ديمومة، وربما تكون أكثر فائدة وأكبر عائداً، والأمثلة في العالم كثيرة.

من المؤكد أن كثيرين غيري تحدثوا في هذا الموضوع، وأسهبوا في عرض مزاياه، وربما قتلوه بحثاً، ومن المؤكد أيضاً أنه سيأتي من بعدي آخرون يكررون الحديث ويكتبون حول الموضوع، ولكن المهم أن نتوقف عن الكلام والكتابة ونكف عن الشكوى، وننتقل إلى مرحلة الفعل ونتبنى استراتيجيات واقعية وجدية للتنفيذ، مثل حال كثير من الأمم التي استطاعت الاستفادة من ثروتها، فالظروف الاقتصادية والاجتماعية على المستويين الإقليمي والدولي باتت مواتية للتوسع الأفقي في الاستفادة من هذه الثروات، بما يجعل للعرب موطئ قدم في عالم الغد، فهل من مجيب؟!

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-4-3-2007