أكثـر غنى من أن نشعر بالقلق

 

 

ما لم تكن دروس الماضي غير ذات أهمية، فإنه لمن الخرافة الاعتقاد بأن الأسواق قادرة على تنظيم نفسها بنفسها

جاشت المشاعر في اجتماع الأسبوع الماضي لوزراء مالية الدول الصناعية السبع في إيسن بألمانيا. مسؤولو منطقة اليورو شعروا بالانزعاج إزاء زملائهم اليابانيين لأن قيمة الين انخفضت إلى مستويات غير مسبوقة مقابل اليورو، وهو ما يشير إلى مشاكل بالنسبة إلى المصدرين الأوروبيين.

ولكن طوكيو ردت عليهم بالقول إن اليورو معوم بصورة رئيسية بسبب رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة.

وزير الخزانة الأمريكي هانك بولسون انتقد الاتهامات الأوروبية لليابان، عازيا انخفاض سعر الين إلى قوى السوق. ولكن بولسون بعدئذ أشار بأصابع الاتهام إلى بكين لعدم قيامها برفع سعر قيمة عملتها بالسرعة اللازمة. باختصار، كان الجميع غاضبا، كل على الآخرين.

وربما كنت تعتقد أن وول ستريت ومدينة لندن وغيرهما من المراكز المالية كانت ستعير اهتماما أكبر لحرب الألعاب النارية في إيسن. فرغم كل شيء، فإن التوترات الخاصة بأسعار العملات يمكن أن تكون تنبيها مبكرا لمتاعب أكبر مقبلة. ففي نهاية ثمانينات القرن الماضي، على سبيل المثال، كانت النزاعات بين الولايات المتحدة واليابان وألمانيا على القيم النسبية للدولار والين والمارك البداية لانهيار سوق الأسهم العالمية عام 1987. هل يمكن أن يكون الأمر أن الممولين والتجار اليوم، الذين تمتعوا بالكثير من السنوات من دون وقوع أي أزمة اقتصادية، أصبح ينتابهم شعور بالرضا عن الـذات؟

أعتقد أن الأمر يعود إلى قضية أخرى، أن الأسواق باتت أكبر وأقوى بكثير من الحكومات نفسها. فحسب تقرير جديد لمؤسسة مكنزي، فإن حجم الأسواق المالية العالمية عام 1980 كان مساويا تقريبا لقيمة الناتج المحلي الإجمالي للعالم. ولكن عام 2005، ارتفع حجم الأسواق المالية إلى نحو ثلاثة أضعاف حجم إجمالي الناتج المحلي للعالم، أو ما يبلغ 140 تريليون دولار، وخلال ثلاث سنوات من الآن يتوقع لحجم هذه الأسواق أن يصل إلى 228 تريليون دولار. وإذا ما نظرنا إلى الموضوع بطريقة مختلفة، فإن حجم الأسواق المالية العالمية يزيد بـ70 مرة على حجم الأرصدة المالية الأجنبية للصين واليابان مجتمعتين، علما أن الصين واليابان هما أكبر دولتين في العالم في حجم أرصدتهما الأجنبية. وإضافة إلى ذلك، فقد كانت هناك زيادة هائلة في السنوات القليلة الماضية في كل فئة أرصدة تقريبا، بما في ذلك الأسهم والسندات، وصرف العملات الأجنبية والاستثمارات الأجنبية، والأسهم والأسهم المحولة، والأسهم الخاصة والصناديق الاستثمارية المختلطة.

إن هناك سببا آخر يدفع وول ستريت إلى عدم أخذ إعلانات الحكومة بجدية: هذا الانفصام بين الكلمات والأفعال. فالأسواق تعرف أنه حين يتعارك المسؤولون الحكوميون على أسعار الصرف، فإن ذلك ليس سوى ضجيج فارغ إلى أن تتدخل وزارات المالية والبنوك المركزية لرفع أو خفض أسعار العملات. وبالمثل، فحين يبدأ السياسيون في رفع أصواتهم تحذيرا من أخطار الاختلالات المالية، فإن ذلك لا يعني شيئا للتجار إلى أن يتبعهم المشرعون الذين يريدون تغيير نسب الضرائب. وحتى الآن لم يتم اتخاذ مثل هذه الإجراءات السياسية، إما بسبب انعدام الإرادة السياسية أو لأن الوزراء يشعرون بسرعة بسعادة مفاجئة إزاء الأوضاع القائمة.

من الصعب توجيه اللوم للمصرفيين والتجار والمستثمرين المؤسسيين لتقليلهم من أهمية ما تقوله الحكومات. فعلى الرغم من كل شيء، وفي حين يصرخ السياسيون محتجين بشأن الاختلالات التجارية، فإن النظام المالي التدويري قام بصورة سلسة بتدوير كميات هائلة من المدخرات من آسيا لإسناد العجز الأمريكي. وفيما يرفع المسؤولون أصواتهم عاليا ضد فرض الحماية، فإن الأسواق تقوم بإفساح المجال لضم الصين والهند وغيرهما من الأسواق الناشئة الأخرى إلى الاقتصاد العالمي بسرعة أكبر مما كان يتصوره أي شخص.

المشكلة هنا هي أن القوتين الخاصة والعامة هما في وضع غير متسق بالكامل، وهما تبتعدان إحداهما عن الأخرى يوميا. لا أحد يعرف حقا نوعية المسؤوليات الخطرة التي تتكوم في الأسواق المالية، وفي أي مؤسسات توجد هذه المسؤوليات، وما هو حجم مخاطرها. وسائل الاستثمار المعقدة الموزعة، مثل المبادلات الآلية وتعهدات الدين المحمية بالممتلكات الملموسة تتضاعف بسرعة تفوق قدرة أي منا على تتبعها. إن هناك احتمالا كبيرا في أنه في بحثنا اليائس اليوم عن الأرباح، تقوم الأسواق المالية بخفض أسعار جميع أنواع الإقراض، فيما تقوم في الوقت ذاته بالانتقال إلى الكثير من المجالات التي هي واقعة خارج مجال التنظيم الفعال. وما لم تكن دروس التاريخ غير ذات صلة بالمرة، فإنه لخرافة الاعتقاد أن الأسواق قادرة على تنظيم نفسها بنفسها.

ومن الأمور التي لا تساعد أن تكون لدى الحكومات القومية آراء مختلفة بشأن قضايا مهمة مثل معايير المحاسبة، قوانين السندات أو كيفية مراقبة الصناديق الاستثمارية المختلطة. إن انعدام الاتفاق بين هذه الدول هو مشكلة خطيرة، لأنه ستكون هناك حاجة لأكثر من عملية تنظيم قومية حكيمة للإشراف على النظام المالي العالمي المندمج. بل حقيقة الأمر أنه ستكون هناك حاجة إلى درجة من التعاون الدولي والقيادة المالية، وهما أمران ليسا موجودين الآن إطلاقا.

وإذا ما كانت اجتماعات وزراء خارجية الدول الصناعية السبع الأسبوع الماضي عرضا جانبيا هامشيا اليوم، فإنه من المرجح أن تصبح حتى أكثر هامشية في السنوات المقبلة. فالماضي يشير علينا بأنه ما لم تكن هناك أزمة اقتصادية كبيرة، فإن الحكومات لا تتحرك عادة للتوكيد على سلطتها التنظيمية المشروعة والضرورية. هذا ما حدث بعد الكساد العظيم، وبعد الحرب العالمية الثانية، وبعد أن فصلت الولايات المتحدة قيمة الدولار عن الذهب عام 1971، وهو ما أطلق العنان أمام حقبة من أسعار صرف العملات المعومة والترتيبات المالية الجديدة. وللأسف فإنه يبدو أن علينا أن ننتظر إلى حين وقوع كارثة أخرى لاستعادة التوازن ثانية بين سلطتي القطاعين العام والخاص.

غارتن هو أستاذ كرسي خوان تريب للتجارة الدولية والمال في كلية الإدارة بجامعة ييل

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: newsweek- المرسل:محمد علي-20-2-2007