نحو استراتيجيات جديدة لمواجهة الاحتباس الحراري

 

كين كالديرا

 

ثاني أكسيد الكربون يؤدي إلى تسخين كوكب الأرض، والغطاء الثلجي في القطب الشمالي مستمر في الذوبان، ومستويات المياه في المحيطات ترتفع، والأعاصير تزداد عدداً، والأمراض تزداد انتشاراً ومعها مخاطر انتشار الجفاف والفيضانات والمجاعات. والسؤال الذي يطرح نفسه علينا عندما نعرف ذلك هو: هل يمكن لزراعة الأشجار أن تحول دون حدوث كل تلك الأضرار؟

بالنسبة للبعض لا تحتاج الإجابة على هذا السؤال إلى ذكاء كبير لأن من الحقائق المعروفة أننا نضيف المزيد من ثاني أكسيد الكربون للجو في كل مرة نقوم فيها باستهلاك الطاقة التي يتم توليدها من الفحم أو البترول أو الغاز، وأن كل شجرة من الأشجار لديها القدرة على إزالة ما يزيد عن طن من الكربون من الجو خلال فترة حياتها.

وإذا ما استندنا على هذا المنطق، فإنه قد يبدو من المفيد لنا وللكوكب أن نزرع شجرة للتخفيف من حدة الاحتباس الحراري.

وإذا لم يكن لدينا وقت، فإن هناك العديد من المشروعات التي نشأت في مختلف أنحاء العالم، والتي تدعي أنها قادرة على تقديم المساعدة من أجل تبريد الأرض، وأنها على استعداد لتوظيف أموالك وزراعة شجرة باسمك في كل مكان. وهناك أيضاً أنباء مفادها أن شركة "دل" للكمبيوتر ستتبرع بدولارين مقابل كل جهاز كمبيوتر جديد من إنتاجها تقوم ببيعه، وذلك في محاولة من جانبها لمعادلة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي تنتج من محطات توليد الطاقة بمختلف أنواعها والتي تستخدم في النهاية في تشغيل تلك الأجهزة، وأنباء أخرى مفادها أن شركة "باسيفيك جاس آند أليكتريك" ستضيف نسبة تتراوح ما بين 2 إلى 4 في المئة على كل فاتورة من فواتيرها، للمساعدة على تعويض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي يتسبب بها عملاؤها من خلال وضع هذه الزيادة في صندوق، ثم تخصيصها فيما بعد للمحافظة على غابات كاليفورنيا التي تقوم بحبس الغازات داخلها.

وعلى الرغم من أن المحافظة على الغابات القائمة وإعادة زراعة الغابات التي تم استئصالها، أمر يعد من السياسات الجيدة التي تساعد في المحافظة على البيئة الطبيعية، فإن هناك دراسات علمية توصلت إلى نتائج مؤداها أن المحافظة على الغابات القائمة، وإعادة زراعة الغابات التي تم استئصالها خارج المنطقة المدارية لن تفيد شيئاً، أو قد لا تفيد سوى قليل في إبطاء عملية التغير المناخي التي تحدث في العالم بوتيرة متسارعة.

بيد أن الشيء الجديد هو أن تلك الدراسات قد توصلت إلى نتيجة غريبة، وهي أن بعض المشروعات التي تسعى إلى إبطاء وتيرة الاحتباس الحراري تقوم بزيادة هذه الوتيرة في حقيقة الأمر.

فالأشجار لا تمتص ثاني أكسيد الكربون فقط، ولكنها تمتص إلى جانبها أشعة الشمس التي تؤدي إلى زيادة درجة حرارة الكوكب.

كما أنه ونظراً لأن لون الغابات أكثر دُكنة من لون المزارع والمراعي، فإن ذلك يجعلها أكثر قدرة على امتصاص المزيد من ضوء الشمس.

ولكل ذلك تأثير حراري، يبدو بشكل عام وكأنه يلغي التأثير التبريدي للغابات بسبب احتجازها لثاني أكسيد الكربون. وتبدو الغابات المدارية وكأنها أكثر أهمية بمقدار الضعف تقريباً لمنظومة المناخ في كوكب الأرض مقارنة بالغابات الواقعة خارج المنطقة المدارية. ولا يرجع ذلك لحقيقة أن تلك الغابات تختزن كميات ضخمة من الكربون فقط، ولكنه يرجع إلى أن جذور الأشجار المدارية تمتد عميقاً في باطن الأرض، وتسحب المياه التي تقوم الأشجار بعد ذلك بالتخلص منها بالتبخير من خلال أوراقها. وعندما يتصاعد هذا البخار من أوراق الأشجار في طبقات الجو، فإنه يُكوّن السحب التي تعكس ضوء الشمس مرة ثانية للفضاء، وهو ما يساعد في نهاية المطاف على تبريد كوكب الأرض.

أما فيما يتعلق بالاقتراح الخاص بإزالة بعض الجبال للإبطاء من وتيرة التغير المناخي، فهو يمثل ضرباً من الجنون. فالهدف الأكبر الذي يجب أن نضعه نصب أعيننا هنا ليس إبطاء وتيرة زيادة كميات ثاني أكسيد الكربون في الجو، ولا إبطاء وتيرة الاحتباس الحراري، وإنما يجب أن يكون المحافظة على التوازن الطبيعي الذي لا يمكن الاستغناء عنه، والذي يساعد على إدامة الحياة التي نعرفها وعرفناها دائماً على سطح هذا الكوكب، وتوريثها للأجيال اللاحقة.

وعلى الرغم من أن المحافظة على الغابات الحالية تعتبر نشاطاً ذا قيمة كبيرة –بصرف النظر عن تأثيره على المناخ- وأننا نحتاج إلى المزيد من الأشجار، فإن الفكرة القائلة بأننا نستطيع أن ننقذ الكوكب من خلال زراعة الأشجار هي مجرد وهم. فلكي نحافظ على بيئتنا، فإنه يتوجب علينا أن نعمل على تخفيض مستويات انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون بشكل جذري وهو ما يتطلب منا في الأساس تغيير نظام الطاقة الذي نعتمد عليه. لذا فإن الهدف الذي يجب أن يأتي على رأس قائمة أولوياتنا في نصف القرن القادم هو تحويل نظام الطاقة الحالي إلى نظام آخر يعتمد على استخدام مصادر الطاقة النظيفة والآمنة، والمصادر المقبولة بيئياً مثل طاقة الرياح والشمس بل والطاقة النووية.

لم نعد نمتلك ترف الاعتماد على جهود حسنة النية لا تحقق لنا الكثير فيما يتعلق بحل المشكلات التي نعاني منها، وإنما يجب علينا القيام بما هو أكبر من ذلك بكثير من خلال مطالبة قادتنا السياسيين بالقيام بالمزيد من التثوير لمنظوماتنا في مجال الطاقة للمحافظة على إرثنا البيئي للأجيال القادمة.

وبعد أن نقوم بكل ذلك، يمكننا عندها أن نزرع شجرة.

*كاتبة أميركية متخصصة في شؤون العلوم والتقنية

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور.

المصدر:الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"- 23-1-2007