سبل مكافحة الفساد وردع الفاسدين

 

 

سميح مسعود

 

عُقد في الأردن في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، المؤتمر الأول للدول الأطراف في اتفاق الأمم المتحدة لمكافحة الفساد الذي اعتمد عام 2003، ووقعته 140 دولة، فيما صادق عليه حتى الآن 80 دولة فقط ودخل حيز النفاذ قبل سنة.

وتنبع أهمية هذا الاتفاق من كونه الأداة القانونية الدولية الأولى التي استحدثتها الأمم المتحدة لتأطير مكافحة الفساد بين الدول باتفاقات وقوانين ناظمة. وتتضمن هذه الاتفاقات نقاطاً مهمة يتعلق أبرزها بتحديد كيفية حماية الدول للأموال من الفساد والفاسدين، وكيفية تقديم الدعم اللوجستي والتطبيقي لمكافحة الفساد، والتشديد على محاربة الفاسدين وتقديمهم للعدالة.

يلفت في الاتفاق خلوه من تعريف واضح للفساد، إذ ترك لكل دولة تعريفه بحسب واقعها القانوني، وحدد فقط صور الفساد المختلفة وأشكاله وطالب بتجريمها، مثل الرشوة وسرقة الأموال العامة والاختلاسات وغسل الأموال وسوء استغلال السلطة التي تكلف دول العالم الكثير من الأموال.

ويشار الى أن السنوات الماضية شهدت على المستوى العالمي قبل إخراج هذا الاتفاق اهتماماً كبيراً بظاهرة الفساد، وآثارها السلبية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ولعل من المفيد ذكر الجهود الكبيرة التي بذلها البنك الدولي مبكراً في هذا المجال، وحدد فيها أرقاماً للرشوة في العالم، تفوق ما يعادل عشرة أضعاف كل ما هو متوافر من مساعدات مالية دولية. ووضع استراتيجية خاصة به لمكافحة الفساد، استهدفت منع كل أشكال الاحتيال والفساد في المشاريع التي يمولها، وتقديم العون للدول النامية التي تكافح الفساد. وطالبها بتطبيق حزمة من البرامج الإصلاحية سياسياً واقتصادياً وادارياً، بهدف إصلاح الخدمة العامة بزيادة الأجور وتقييد المحسوبية السياسية في التوظيف والترقية واستقلال القضاء، والفصل الفاعل بين السلطات، وضمان تنفيذ قانون العقوبات، وتفعيل الأجهزة التشريعية ومؤسسات المجتمع المدني في هذا الخصوص.

كذلك اهتم صندوق النقد الدولي مبكراً أيضاً بقضايا الفساد، وقدر قيمة تبييض الأموال في العالم بنحو 500 بليون دولار سنوياً، ووضع ضوابط تتعلق بتقديم القروض والمساعدات، واعتمد سياسة ناجحة بتعليق المساعدات المالية لأي دولة يثبت أن الفساد الحكومي فيها يعوِّق الجهود المبذولة في حل مشاكلها الاقتصادية. وحصر الصندوق في أدبياته حالات الفساد بالممارسات التي تحول الأموال العامة إلى غير مجالاتها، والتحايل الجمركي والضريبي وإساءة استخدام احتياط العملات الصعبة من قبل مسؤولي الأجهزة الرسمية، إضافة إلى رشوة الموظفين واستغلال السلطة من قبل المسؤولين على المصارف، والممارسات الفاسدة في مجال الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الدول النامية.

ولا أغفل في هذا السياق جهوداً كثيرة بذلتها جهات أخرى في مجال مكافحة الفساد، كمنظمة التجارة العالمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة الشفافية الدولية، التي تعتبر أكثر المنظمات الأهلية نشاطاً وتأثيراً. وتتميز بأنها استحدثت مؤشراً خاصاً بها لقياس مدى تفشي الفساد في مختلف دول العالم، وتصدر تقاريرها تباعاً في هذا الشأن، تبين به مرتبات الدول على هذا المؤشر.

وعلى المستوى العربي اهتم عدد كبير من منظمات المجتمع المدني مبكراً بمكافحة الفساد. كما عقد مركز دراسات الوحدة العربية ندوة كبيرة عن الفساد والحكم الصالح في الدول العربية، قدمت فيها دراسات جدية عن حالات الفساد في بعض الدول العربية، أظهرت مدى تغلغل هذه الظاهرة وأثرها السلبي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وعلى ضوء هذه الندوة تأسست مؤسسة عربية لمكافحة الفساد.

إن الاهتمام بظاهرة الفساد على جانب كبير من الأهمية، لأنه يشكل أحد أهم معوقات التنمية، وله آثاره السلبية في سلامة النظام الاقتصادي والسياسي في شكل أساس. فهو يعمل على تقويض معايير القواعد الأخلاقية والقانونية وصدقية السلطة التشريعية، ويدخل المجتمعات في حال من القلاقل والفوضى السياسية والاجتماعية، ويعمل على زيادة التكاليف الاقتصادية في المشاريع والمؤسسات بسبب الهدر في الإنتاج والموارد. كما يعمل على تحويل الإنفاق الحكومي بعيداً من الأهداف الموجه إليها، إضافة إلى خفض الاستثمار وزيادة عدم المساواة في توزيع المداخيل، وزيادة تفشي الفقر والبطالة.

ولا شك في أن اتفاق الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، على جانب كبير من الأهمية ، لكن تنقصه جوانب كثيرة ناقشها المؤتمر الذي أشرت إليه في بداية هذه السطور، وأقر أهمية توافرها، وأوجزها بالاتفاق على آلية تنفيذية في ملاحقة الفساد دولياً، واسترداد الأموال التي تتسرب من الدول نتيجة أعمال الفساد، وكيفية التنسيق بين الدول من أجل أفضل سبل الاسترداد الممكنة، إضافة الى ضرورة الاتفاق على آليات تنفيذية لضمان تطبيق الاتفاق وتوفير المساعدة التقنية اللازمة للدول.

إن الدول العربية معنية كثيراً بتوحيد مواقفها، خصوصاً في مجال التشريعات التي تحكم عملية مكافحة الفساد، وفي مجال تبادل المعلومات الفنية والتقنية المتعلقة باتفاق الأمم المتحدة. وكذلك في مجال تعزيز دور منظمات المجتمع المدني المختصة بمكافحة الفساد، والاستجابة لتقاريرها ومقترحاتها في مجال مشاريع القوانين وآليات العمل التي تضمن ملاحقة الفاسدين قضائياً، وهذا كله يستوجب توافر الإرادة السياسية العربية اللازمة لمكافحة الفساد ووضعه على سلم أولويات الاهتمام.

*خبير اقتصادي في المركز الكندي لدراسات الشرق الأوسط

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-14-1-2006