الشرق الأوسط... بين خبر سار وآخر محزن

 

 

روجر أوين

 

قصتان رئيسيتان تطغيان على سائرهما من القصص في الشرق الأوسط اليوم. أولاهما قصة الحروب، والحروب الأهلية، والإرهاب، والدمار. هذه القصة قد تضاف إلى صفحاتها صفحة قاتمة جديدة بسبب التمزق الذي يصيب العراق. أما القصة الثانية فهي تدور حول التأثير الناجم عن ارتفاع أسعار النفط على مدى السنوات الثلاث الأخيرة، والذي أدى بسبب تزامنه مع الطفرة الهائلة التي شهدتها أخيراً التجارة العالمية بفضل الأداء الاقتصادي المزدهر للصين والهند، إلى مستويات عالية جداً من النمو ليس فقط في دول الخليج المصدرة للنفط بل أيضا في بعض الدول التي لا تملك أي مصادر نفطية أو تلك التي تنتج القليل من النفط الخام، لاسيما مصر والأردن واسرائيل وتركيا.

هاتان القصتان تنطويان بالطبع على قدر كبير من الحقيقة. غير أن فصول القصة الثانية لا تزال محصورة بأولئك الغربيين المطلعين على الصحافة المالية أو الذين لديهم مصالح مباشرة في إدارة مئات المليارات الآتية من الشرق الأوسط والتي تمر بمصارف لندن أو جنيف، وحتى بالبنوك الموجودة في دول الخليج نفسها. وبأي حال، ان الأرقام المتوافرة تثير الذهول. فإذا نظرنا إلى الأمر من الزاوية الاقتصادية، نجد أن منطقة الشرق الأوسط وافريقيا الشمالية تشهد نموا متواصلا بمعدل 4 إلى 5 في المئة سنويا منذ سنة 2003، مع ارتفاع ملموس في الاستثمارات الأجنبية المباشرة في دول المنطقة كافة.

وتأتي في مقدم اللائحة أكبر الدول المنتجة للنفط، كالمملكة العربية السعودية، حيث ارتفع إجمالي الناتج المحلي بنسبة 23 في المئة خلال سنة 2003 وحدها. وقد سجلت بعض الدول الأخرى أيضا تقدماً ملحوظاً، كمصر، على سبيل المثال، التي شهد اقتصادها نموا يقارب 7 في المئة خلال السنة المالية الأخيرة، إلى جانب دخول ما يزيد عن 6 مليارات من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى البلاد، بعد أن كانت هذه الاستثمارات لا تتعدى النصف مليار في السنتين 2001 و2002. والوضع مماثل في بعض الدول غير العربية كإسرائيل وتركيا التي تمكنت من تجاوز الأزمات السياسية والمالية التي طبعت أوائل القرن الواحد والعشرين، مسجلة معدلات نمو جيدة خلال السنوات الأخيرة.

وبالنظر من الزاوية التاريخية، يمكننا التنويه بأهمية تطورين أساسيين. أولهما هو أن الدول المصدرة للنفط، وجيرانها من الدول غير المصدرة للنفط، لم تشهد خلال التسعينات إلا نمواً محدوداً أو بقيت على حالها بسبب انخفاض أسعار النفط، وبسبب الأزمة الاقتصادية الآسيوية سنة 1997، كما هي الحال بالنسبة إلى دولة الكويت والمملكة العربية السعودية اللتين استُنزفت مواردهما المالية بقوة بسبب اضطرارهما الى تسديد جزء كبير من فاتورة حرب الخليج الأولى. في تلك الحقبة، لم يسجّل الاقتصاد السعودي أي نمو ولم يكف الدخل الفردي السعودي عن التراجع، في حين أن النمو في أفضل الاقتصاديات أداء، أي إسرائيل وتركيا ومصر، لم يتخطَ نسبة 1 أو 1.5 في المئة سنويا.

أما التطور الثاني، فهو ناتج عن التطور الأول. إذ يبدو أنه لولا مرور معظم دول الشرق الأوسط بمثل هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة، لما كانت تبنت الخطوات التي تطبقها حالياً بهدف تصحيح الخلل في موازناتها، وتحسين الآليات الناظمة، والعمل على تشجيع الاستثمارات الأجنبية. والأمر ينطبق على دول الخليج (والدليل هو قانون الاستثمارات الأجنبية الذي صدر في الكويت سنة 1999 وسنة 2000 في السعودية) كما كان ينطبق في السابق على مصر مثلا، التي أصدرت سنة 2004 سلة من الإصلاحات الاقتصادية مهدت الطريق أمام الطفرة التي تشهدها البلاد اليوم. والقرار الذي اتخذه عدد لا يستهان به من البلدان بالانضمام إلى منظمات تجارية كبيرة كمشروع الاتحاد الأوروبي لدول حوض البحر الأبيض المتوسط ومنظمة التجارة العالمية، كان له أيضا وقع هام.

كذلك لعب الركود الاقتصادي الذي شهدته حقبة التسعينات، ورد الفعل الدولي على أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 دوراً كبيراً في تحديد كيفية استخدام ثروة الشرق الأوسط الجديدة، إذ رأى البعض في ذلك فرصة للتعويض عن الإهمال الدولي للاستثمار في الحقول النفطية وتطويرها، ما أدى إلى انخفاض المردود النفطي في هذه الفترة. وعليه، أعلنت المملكة العربية السعودية أخيراً عن خطة لتوسيع منشآتها النفطية بهدف تعزيز قدرتها الإنتاجية لتصل إلى 12.5 مليون برميل في اليوم بحلول 2009. وفي سياق آخر، ساهمت موجة سحب حجم كبير من الأموال الخليجية من الولايات المتحدة بعد الهجمات الإرهابية على مركز التجارة العالمي، ومن أوروبا إلى حد ما، خوفاً من تجميد الحسابات، في بروز مناخ استثماري جديد أبدى العرب فيه ثقتهم بقدراتهم على إدارة أموالهم من دون أي مساعدة غربية، كما أثبتوا رغبتهم الكبيرة في البحث عن وسائل لتوظيف أموالهم في الشرق الأوسط بالذات، وليس في مشاريع أوروبية وأميركية.

ويبدو أن الأيام التي كانت سمحت للغربيين المعادين للعالمين العربي والإسلامي بتأليف كتب على غرار كتاب برنارد لويس الشهير، «أين حصل الخطأ؟ الصراع بين الإسلام والحداثة في الشرق الأوسط»، قد ولت. لكن على الرغم من أن أداء الاقتصاد العربي تحسن كثيرا في تلك الدول التي تمكنت من تفادي الحرب الأهلية أو الغزو الأجنبي، فلا يمكن القول إن الأمور قد حسمت. إذ يبدو في المستقبل المنظور أن النفط وأسعار النفط ستستمر في رسم معالم مستقبل الشرق الأوسط الى حد كبير، ما من شأنه وضع عقبات إضافية أمام الجهود الآيلة الى تطبيق تنويع اقتصادي. من جهة أخرى، يبرز سؤال حول طريقة استثمار المبالغ الطائلة الجديدة في القطاعين العام والخاص لتدر أرباحاً على المنطقة، وهو تحد كبير ومؤشر يُنذر بقدوم ساعة في المستقبل، ولسبب من الأسباب، تنفجر فيها الفقاعة فجأة أو على الأقل تتسبب بصدمة محلية خطيرة، على غرار انهيار أسعار الأسهم في السعودية سنة 2006.

وثمة مشاكل أخرى قد يستحيل تفاديها، نذكر أحد أبرزها على سبيل المثال، وهو احتدام المنافسة الأجنبية بسبب انتشار حركة العولمة في أقطار العالم كافة، بدعم من منظمة التجارة العالمية والاتحاد الاوروبي. وستترتب على ذلك على الأرجح نتيجة أخرى ألا وهي اتساع الهوة بين مختلف المداخيل المحلية القائمة كما هو الحال في تركيا وإسرائيل، ومصر مؤخرا، حيث بلغت هذه المداخيل مستويات تجعل منها الأكثر تفاوتا في العالم.

علاوة على ذلك، هنالك احتمال جدي بأن تترتب آثار جانبية عن عدم الاستقرار والدمار والحروب الدائرة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، ليس فقط في العراق بل أيضا في جنوب لبنان وقطاع غزة ودارفور.

والغريب المذهل في هاتين القصتين التوأمين عن الشرق الأوسط، حيث تتناول الأولى أخبار العنف المستفحل في بعض المناطق، في حين تدور الثانية حول الازدهار القائم في مناطق أخرى، هو أنه ليس هنالك حتى الآن أي إشارة تدل على أن ثمة تفاعلاً بينهما، أكان للأحسن أو للأسوأ، وهو أمر من الأسهل تصوره. ومن يدري الى متى يمكن لهذه الحالة غير الطبيعية أن تستمر؟

*اكاديمي بريطاني متخصص في قضايا الشرق الاوسط - جامعة هارفارد

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الحياة اللندنية-18-1-2007