«البطالة» قنبلة موقوتة في المجتمعات

 

 

 

تراجعت في أوروبا ونمت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

البطالة ظاهرة، وجدت في أغلب المجتمعات في السابق والحاضر، ولا يكاد مجتمع من المجتمعات الإنسانية على مرّ العصور، يخلو من هذه الظاهرة أو المشكلة بشكل أو بآخر.

إلا أن النظرة الى البطالة، بوصفها مشكلة اجتماعية تخضع للدراسة والتحليل، وفق منظور المنهج العلمي للعلوم الاجتماعية، لمعرفة حجمها وتحديد أسبابها وآثارها الاجتماعية في المجتمع، لم تتشكّل إلا في عام ١٩٣٣ عندما عمد أحد الباحثين النمساويين في دراسة له الى وصف الآثار المدمّرة للبطالة في إحدى مدن النمسا.

وتزامنت هذه الدراسة مع حالة الركود الاقتصادي التي عاشتها دول أوروبا بشكل عام خلال فترة ١٩٣٠.

ومنذ تلك الحقبة الزمنية التي تشكّل فيها الاقتصاد بصورة دولية، أخذت المجتمعات البشرية المعاصرة تعاني مشكلة البطالة بين فترة وأخرى.

إلا أن نسب البطالة اختلفت من مجتمع الى آخر، كما أن كيفية التعامل مع العاطلين من العمل، أخذت أساليب مختلفة من التجاهل التام لهم الى الدعم الكلّي أو الجزئي لوضعهم.

ومن الأهمية الاشارة الى أن البطالة ترتبط عادة، وبشكل عام، بحالة الدورة الاقتصادية للدول، حيث تظهر البطالة جليّة، وتزداد نسبها في حال الركود الاقتصادي العام، وذلك عند حدوث أزمات اقتصادية مؤقتة ناتجة، إما بسبب عوامل داخلية تتعلّق بإجراءات العمل والتوظيف، أو سوء توافق بين مخرجات التعليم وسوق العمل، أو نتيجة لعوامل وضغوط خارجية تتعلّق بمنظومة الاقتصاد الدولي.

أما إذا كانت الدورة الاقتصادية نشطة، فإن ذلك سوف ينعكس على الاقتصاد المحلّي من حيث انتعاشه ونهوضه وتنوّعه، مما يؤدّي الى توافر فرص عمل عديدة ومتنوّعة، ومن ثم خفض نسبة العاطلين من العمل في المجتمع، وبذلك يتّضح أن للدورة الاقتصادية دوراً أساسياً في تشكيل اقتصادات المجتمعات المعاصرة ونشاط سوق العمل.

وللبطالة نتائج متناقضة على النظام الاقتصادي الرأسمالي، وعلى المجتمع البورجوازي، فهي من جهة تمكّن الرأسمالي من شراء قوّة العمل، بأقلّ ثمن ممكن، والوصول متى شاء الى يد عاملة رخيصة، كما تمكّن البورجوازية كطبقة سائدة، من الاحتفاظ بالطبقة العاملة خاضعة لاستغلالها وسلطتها، من خلال إغراق العاملين في رعب من مغبّة فقدان مورد عيشهم، إن هم طالبوا بأجور أعلى، لأنه يوجد من هو مستعد للعمل بأجر أقلّ.

ولا تقلّ البطالة كارثية على المستوى الاجتماعي، حيث أصبح من المؤكّد اليوم أن الجريمة والأمراض العضوية والنفسيّة واستهلاك المخدّرات والدعارة، تلعب البطالة بما يرافقها من بؤس، دوراً محوريّاً ومشجّعاً فيها.

ويفيد آخر تقرير لمكتب العمل الدولي، أن عدد العاطلين من العمل في العالم، بقي عام ٢٠٠٦ في أعلى مستوى تاريخي له، وهو ١٩٥.٢ مليون شخص، وذلك بالرغم من نموّ اقتصادي عالمي متواصل.

وفيما سجّل عدد الأشخاص فوق الخامسة عشرة من العمر العاملين في نهاية ٢٠٠٦، مستوى قياسياً أيضاً بلغ ٢.٩ مليار شخص، لم يسجّل أي تغيير في نسبة البطالة في العالم التي بقيت بمستوى ٦.٣٪.

ولفت المكتب الى أن العمّال الفقراء لم يستفيدوا إلا بقدر ضئيل جدّاً من النموّ الاقتصادي، في حين لا يتعدّى دخل ١.٣٧ مليون عامل من الأكثر فقراً دولارين أميركيين في اليوم للشخص.

وأبدى المدير العام لمكتب العمل خوان سومافيا أسفه، لأن النموّ القوي المستمر منذ عشر سنوات لم يكن له سوى تأثير طفيف، وفي عدد ضئيل جداً من الدول فقط، على عدد العمّال الذين يعيشون في بؤس مع عائلاتهم، كما أن النموّ لم يؤدِّ الى خفض البطالة.

ويشير التقرير الى أن النموّ الاقتصادي خلال العقد الأخير، أدّى الى زيادة في العائدات الانتاجية تفوق نموّ الوظائف. وسجّلت الانتاجية العالمية زيادة بنسبة ٢٦٪، فيما لم تتعدّ زيادة الوظائف في العالم نسبة ١٦.٦٪.

ودعا التقرير الى زيادة الربط بين النموّ والوظائف، من أجل خفض نسبة البطالة الحالية أو إبقائها على مستواها، مشيراً الى أن خفض عدد العاطلين من العمل والعمّال الفقراء هو شرط مسبق للتطوّر والنموّ الاقتصادي في المستقبل.

وحذّر مكتب العمل من أن الوقت حان لتعمل الحكومات والأسرة الدولية، على أن ينعكس الوضع الاقتصادي الايجابي في معظم أنحاء العالم زيادة في الوظائف اللائقة.

وذكر التقرير «أن البطالة تطاول الشبّان أكثر من سواهم، حيث يبلغ عدد العاطلين من العمل بين الشبّان التي تراوح أعمارهم بين ١٨ و٢٤ عاماً، ٨٦.٣ مليوناً».

وفي سياق آخر، ما زال التفاوت قائماً بين الرجال والنساء على صعيد الوظائف، حيث بلغت نسبة الفتيات والنساء ما فوق الخامسة عشرة اللواتي يعملن، ٤٨.٩٪ عام ٢٠٠٦، مقارنة مع ٤٩.٦٪ عام ١٩٩٦، في حين ترتفع هذه النسب بين الرجال الى ٧٥.٧٪ عام ١٩٩٦ ونحو ٧٤٪ عام ٢٠٠٦.

ولأوّل مرّة تقدّم قطاع الخدمات عام ٢٠٠٦ على قطاع الزراعة كأول موفر للوظائف في العالم، حيث بات الأول يوظّف ٤٠٪ من العمّال، مقابل ٣٨.٧٪ في القطاع الزراعي. أما الصناعة، فتؤمن ٢١.٣٪ من الوظائف في العالم.

وسجّل أكبر مستوى تراجع في البطالة في الدول المتطوّرة اقتصادياً، ولا سيما في دول الاتحاد الأوروبي، حيث بلغت نسبة البطالة ٦.٢٪ في نهاية عام ٢٠٠٦، بعد تراجع بمقدار ٠.٦٪ بين عام ٢٠٠٥ و٢٠٠٦.

وبلغت البطالة أدنى مستوى لها في شرق آسيا، حيث سجّلت ٣.٦٪، وأعلى مستوى لها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث بلغت ١٢.٢٪ في نهاية ٢٠٠٦.

وسجّلت أفريقيا جنوب الصحراء ثاني أعلى نسبة بطالة في العالم ٩.٨٪، وأعلى نسبة من العمّال الفقراء، حيث يعيش ٨٠٪ من سكان هذه المنطقة بأقلّ من دولارين في اليوم للشخص.

وتفيد أرقام مكتب العمل الدولي، أن عدد العمّال الذين يعيشون دون مستوى الفقر المقدّر بدولار واحد في اليوم للشخص، تراجع في كل أنحاء العالم، باستثناء أفريقيا جنوب الصحراء، حيث ارتفع بمقدار ١٤ مليون نسمة، وأميركا اللاتينية وجزر الكاريبي والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث لم يتبدّل كثيراً.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:المشاهد السياسي- 3-2-2007