هل ستستثمر أميركا الإدمان الإيراني للنفط؟

 

 

توماس فريدمان

 

 

لعل هناك ما هو أغبى من إدمان المرء لاستهلاك النفط، ألا وهو إدمان بيعه وتسويقه. ذلك أن في هذا النوع الأخير من الإدمان بصفة خاصة، ما يضفي على الدولة سحنة خاصة. أما إذا حدث انخفاض مفاجئ لأسعار النفط العالمي، فإن في ذلك ما يهدد بتحول شعب الدولة المدمنة للبيع، إلى شعب ثوري. وتلك عينها هي قصة صعود وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق الذي أتخم بالنفط، وكان ممكناً له أن ينتهي إلى قصة إيرانية حقيقية، فيما لو تمتعنا نحن بما يكفي من الفطنة والذكاء.

وإنه ليصعب جداً على المرء أن يأتي زائراً للعاصمة الروسية موسكو، دون أن يلحظ ما فعلته السنوات الخمس الأخيرة من ارتفاع أسعار النفط، بشرائح الطبقات المتوسطة من مستهلكي النفط. فقبل خمس سنوات مضت، استغرقت مني رحلة الوصول من مبني الكرملين إلى مطار موسكو الدولي، 35 دقيقة فحسب. أما في زيارتي الأخيرة لموسكو، يوم الاثنين الماضي، فقد استغرقت مني الرحلة نفسها ساعتين ونصف الساعة! والسبب هو أن هذه المدينة التي صممت لكي تسع 3 آلاف سيارة، وكانت بها حوالى 300 ألف سيارة قبل عشر سنوات مضت، أضحت تجوب شوارعها اليوم 3 ملايين سيارة، بينما انتشرت حولها ضواحٍ جديدة لم يكن لها وجود من قبل.

والسؤال الذي يحيِّرني الآن هو: كيف لروسيا أن تتعامل مع ارتفاع عائدات منتجاتها من النفط والغاز الطبيعي؟ لاشك أنه سؤال كبير ومعقد بالطبع. ولكن الأهم من هذا السؤال هو الإقرار بحقيقة أن إدمان الاتحاد السوفييتي السابق للنفط، كان سهماً من السهام المسمومة القاتلة التي أدت إلى مصرعه دون ريب. وهذا المصير الذي لقيه الاتحاد السوفييتي، هو ما يلهمنا اليوم كيفية التصدي لطهران. فإدمانها للنفط هو بذرة الموت التي تحملها في أحشائها.

ورغم انكباب العلماء والباحثين الاقتصاديين على دراسة هذه الظاهرة منذ وقت، فإن نظري قد التفت إليها بصفة خاصة، أثناء مسامرتي هنا في موسكو، لـ"فلاديمير ماو"، رئيس "الأكاديمية الروسية للاقتصاد القومي". وكنت قد قلت لمحدثي، إن الاتحاد السوفييتي قد انهار نتيجة لانخفاض أسعار النفط الخام إلى 10 دولارات للبرميل، بعد مدة وجيزة من صعود ميخائيل جورباتشوف إلى سدة الحكم، وليس نتيجة للجهود التي بذلها الرئيس رونالد ريجان. غير أن محدثي "ماو" قال لي العكس تماماً: إن موت الاتحاد السوفييتي نجم عن الارتفاع الذي حدث في أسعار النفط! ومضى مستطرداً: لقد أغرى الارتفاع الحاد الذي شهدته أسعار النفط في السبعينيات، قادة الكرملين بزيادة حجم الدعم الحكومي للمواطنين، في حين انفتحت شهيتهم لغزو والتهام الجارة أفغانستان. ولذلك فالذي تمخض عن انخفاض أسعار النفط في عقد الثمانينيات، هو اضمحلال وتفكك الإمبراطورية المترهلة.

ها هنا نستطيع استخلاص القصة الحقيقية إذن، كما رواها لنا "ماو": فقد صمد الاقتصاد السوفييتي المعطوب، خلال العقود والفترات الأولى من تاريخه، بفضل انخفاض التكلفة الزراعية، وبإرغام الفلاحين على العمل في المزارع الحكومية العامة، وكذلك باستغلال انخفاض تكلفة عمالة السجون الشاقة التي كانت تستخدم في تشييد المرافق الصناعية بصفة خاصة. لكن ما أن حل عقد الستينيات، حتى أصبحت وسائل الإنتاج الزهيدة هذه غير متوفرة بما يكفي لسد حاجة النمو الاقتصادي، فاضطر الكرملين إلى استيراد القمح بدلاً من تصديره وإنتاجه محلياً. ثم تطورت الأحداث في عام 1973، إثر إعلان مقاطعة النفط العربية، وما تلاها من ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمي، مع ملاحظة أن الاتحاد السوفييتي كان حينها، الدولة الثانية عالمياً، بعد المملكة العربية السعودية، من حيث إنتاج وتصدير النفط. وبذلك فقد تمدد عمر الاتحاد السوفييتي 15 عاماً أخرى.

وقد وفرت تلك العائدات النفطية الهائلة، لحكومة الرئيس الأسبق بريجنيف، فائضاً مالياً يكفي لشراء دعم شتى الفئات ذات المصلحة، وكذلك لشراء دعم الفلاحين، ولاستيراد بعض السلع الحيوية، فضلاً عن إنشاء المجمعات الصناعية العسكرية العملاقة. كيف لا وقد قفز حجم مساهمة العائدات النفطية من إجمالي الصادرات السوفييتية، إلى نسبة 40 في المئة، بدلاً من تراوحه بين نسبة 10 و15 في المئة فحسب، طوال السنوات السابقة لعام 1973؟ ومع بدء تراجع أسعار النفط العالمي بحلول عقد الثمانينيات، وما أن حاول الرئيس جورباتشوف، إصلاح النظام الشيوعي، وتجنيبه خطر الانهيار الوشيك، حتى كان كل شيء قد انتهى بالفعل.

ثم يمضي "ماو"، لمقارنة هذه القصة بما حدث في إيران. لقد وظف الشاه، معظم عائدات النفط الإيراني فيما بعد عام 1973، للدفع بعجلة الحداثة والتنمية داخل بلاده. ولكن سرعان ما حلت بنظامه صفعة الثورة الإسلامية عام 1979. وقد استخدم قادة النظام الجديد، العائدات نفسها لتوطيد أركان حكمهم.

وحسبما نشر موقع "بلومبرج دوت كوم"، فقد بلغت عائدات النفط الإيراني 44.6 مليار دولار في عام 2005، أنففت منها 25 مليار دولار في دعم الوظائف والإسكان والأغذية للمواطنين، إضافة إلى خفض سعر الجالون للاستهلاك المحلي، ليصل إلى 34 سنتاً فحسب. وكل هذه الإجراءات قصد بها شراء وكسب الدعم الشعبي للنظام. وهذا هو السلوك نفسه الذي يواصله اليوم، الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد. لكن هل يكرر النظام الإيراني تجربة انهيار الاتحاد السوفييتي، عندما تنخفض أسعار النفط ويخسر المواطنون كل هذه "البحبوحة" التي يغدقها عليهم النظام؟ إن الوسيلة الناجعة لقصقصة أجنحة النظام الإيراني، ليست "الاحتواء" ولا "المواجهة"، وإنما خفض أسعار النفط. وعلينا أن نبدأ لاستثمار إدمان طهران للنفط، بوضع حد لإدماننا نحن أولاً.

*كاتب ومحلل سياسي أميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"-3-2-2007