الصناعات الصغيرة والمتوسطة .. مفتاح التنمية في الهند

 

 

حسن القمحاوي

 

- يضم قطاع الصناعات الصغيرة والمتوسطة في الهند أكثر من 3 ملايين وحدة صناعية تشارك بنسبة 35% من حجم المنتجات الهندية.

- يبلغ معدل النمو السنوي لهذا القطاع 11.3% سنويًا وهو معدل يتجاوز بكثير ما حقق قطاع الصناعات الثقيلة في العام الماضي.

- تبلغ قوة التوظيف في قطاع الصناعات الصغيرة والمتوسطة حوالي 17 مليون عامل ينتجون ما يعادل 107 مليارات دولار بنسبة 10% من إجمالي الناتج القومي الهندي.

الصناعات الصغيرة والمتوسطة .. ما هي؟

النظرة الإجمالية السابقة لواقع الصناعات الصغيرة والمتوسطة في الهند تكشف منذ اللحظة الأولى أن هذا النجاح لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى مجموعة من العوامل التاريخية والطبيعية، إضافة إلى الإمكانات البشرية وحسن إدارة الموارد والتخطيط، ولكن ما المقصود بالصناعات الصغيرة؟!

استقر الرأي إلى الأخذ في الاعتبار بمبدأ حجم الاستثمارات عند تحديد مفهوم ماهية الصناعات الصغيرة والمتوسطة، ومن هنا أصبحت المشروعات المتوسطة في الهند تعرف بالمشروعات التي لا تتجاوز تكاليفها الاستثمارية 750 ألف دولار، والمشروعات الصغيرة بالمشروعات التي لا تتجاوز تكاليفها الاستثمارية 65 ألف دولار.

عناصر طبيعية وبشرية وراء النجاح

وفقاً لما تذكره البيانات والأرقام في هذا الشأن فإن عدد سكان الهند يقترب حاليًا من المليار نسمة، ويتسم الاقتصاد الهندي بأن نحو 250 مليون نسمة " 25% تقريبًا من جملة السكان" يدرجون ضمن فئة الدخل المتوسط المرتفع، ويلعب هذان العاملان عنصرًا فاعلاً في اتساع السوق ممثلاً في شريحة من السكان تتمتع بقوة شرائية عالية، وتشير التقديرات الدولية في هذا الصدد إلى أنه من المتوقع أن يتجاوز حجم السوق الهندي حجم السوق الصينية خلال العقود الثلاثة القادمة لتصبح الهند أكبر سوق اقتصادي في العالم.

ومن ناحية أخرى تعتبر الهند معملاً لتفريخ المهارات والخبرات البشرية الإدارية والفنية، حيث تنخفض بها تكلفة التعليم والتدريب لفرصة العمالة الواحدة (وبنفس الجودة) بنحو 10% عنها في الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، كما أن تكلفة إدخال الميكنة الحديثة والمعرفة المستندة على درجة عالية من التعليم تنخفض في بعض مناطق الهند الغربية عن مثيلتها في الولايات المتحدة بنحو 15%، وفوق هذا وذاك فإن الاقتصاد الهندي ينمو بمعدل يتراوح سنويًّا بين 4.8% و7.5% وهو معدل يعتمد أساسًا على النمو في القطاع الصناعي والتصديري، مما كان له أثره الملموس في تحسن موقف ميزان المدفوعات وزيادة الاحتياطيات الدولية من العملات الأجنبية.

الابن المدلل للحكومة

يمكن القول إن قطاع الصناعات الصغيرة والمتوسطة كان وما زال بمثابة الابن المدلل للحكومة الهندية على اختلاف أنواعها وتوجهاتها، ويبدو أن هناك نوعًا من المصالح أو الفوائد المتبادلة بين الطرفين حالت دون الانفصام بينهما؛ فمن ناحية لا تستطيع تلك الصناعات الصغيرة والمتوسطة التخلي عن الدعم الحكومي في ظل التطورات العالمية وسيادة مبادئ المنافسة وآليات السوق الحرة، ومن ناحية أخرى وجدت الحكومة في ذلك القطاع ضالتها المنشودة لتوفير فرص العمل اللازمة لمواجهة البطالة وهو بعد اجتماعي في غاية الأهمية خاصة في ظل استخدام الصناعات الثقيلة للتكنولوجيا قليلة العمالة، فضلاً عن تغطية الطلب المحلي على المنتجات، وتوفير العملة الصعبة والتصدير أيضًا، ومن هنا جاء الاهتمام الحكومي بذلك القطاع.

أربعة أشكال للدعم الحكومي

وقد تعددت أشكال الدعم الحكومي لقطاع الصناعات الصغيرة والمتوسطة لتشمل أربع قنوات رئيسية تتمثل في: 1  - الحماية : حيث أصدرت الحكومة قرارًا بتخصيص 80 سلعة استهلاكية تقوم بإنتاجها الصناعات الصغيرة والمتوسطة فقط؛ ومن ثم ضمنت لها عدم المنافسة من كيانات أكبر منها وبالتالي الحماية والاستقرار. 

2  - التمويل: بمعني السماح لتلك المشروعات بالحصول على قروض ائتمان بنسب فائدة منخفضة للغاية، لتلبية احتياجاتها التمويلية وتوفير السيولة اللازمة لها وبآجال مختلفة. 

3  - توفير البنية الأساسية لتلك المشروعات وفي مقدمتها التدريب وتطوير مهارات الإدارة والتكنولوجيا؛ وإقامة المجمعات الصناعية، فضلاً عن المساعدة في عنصر التسويق، والربط بين أصحاب الصناعات الصغيرة وبعضهم البعض، ومساعدتهم على أن يكونوا صناعات مغذية للمشروعات الكبرى؛ بتوفير البيانات والمعلومات والفرص المتاحة من خلال قاعدة بيانات متكاملة. 

4  - السماح للصناعات الكبيرة بتصنيع السلع المخصصة للصناعات الصغيرة بشرط تصدير 50% من منتجاتها للخارج مما يساهم في تحسين موقف ميزان المدفوعات والميزان التجاري، وتوفير العملة الصعبة والتواجد في الأسواق العالمية مثلما يحدث في صناعة البرمجيات. 

جهاز مستقل

وتتولى الحكومة الإشراف على هذا القطاع ومتابعته من خلال جهاز خاص يسمى "إدارة الصناعات الصغيرة والريفية"، وعلى الرغم من أنه جهاز حكومي إلا أنه يتبنى وجهة نظر أصحاب الصناعات الصغيرة، ويعالج مشاكلهم من خلال إعادة صياغة القوانين لصالح تلك الصناعات وتقديم الدعم المادي والفني لها، كما يقوم هذا الجهاز بإنشاء المعاهد الخدمية لتوفير الخدمات لها والقيام بعمليات التدريب فضلاً عن إنشاء محطات اختبار الجودة ومراكز البحث والتطوير لتوفير التكنولوجيا اللازمة ودراسات الجدوى المتخصصة .. كما يقوم هذا الجهاز أيضًا بصياغة السياسات الخاصة بالصناعات الصغيرة والمتوسطة، خاصة وأن المنتجات لم تعد تقتصر على السلع الصغيرة فقط بل شملت أيضًا السلع الأساسية والتكنولوجية المتطورة.

وإذا كان هناك البعض يشعر أحيانًا في دول أخرى بأن قطاع الصناعات الصغيرة ينتج المنتجات الرخيصة .. فإن هذا غير صحيح تمامًا في التجربة الهندية حيث تمثل نسبة 35% من منتجات الصناعات الصغيرة هناك سلعًا هندسيًّا فائقة الجودة، وتقوم الفلسفة الهندية في هذا الصدد على فكرة أساسية تتمثل في فتح السوق أمام المنافسة لمنح هذه الصناعة فرصة الاحتكاك مع المنتجات العالمية، ومن ثم تطوير نفسها باستمرار خاصة أن الحكومة لا تستطيع حمايتها في ظل مبادئ تحرر التجارة العالمية .. ومن ثم فإن فلسفة الحكومة في هذا الصدد تقوم على فتح المجال أمام تلك الصناعات كي تنتج ما تريد، فإذا فشلت في تحقيق أهدافها قدمت لها دعمًا من خلال ميزانية أعدت لهذا الغرض قوامها 125 مليون دولار بهدف تصحيح هياكل تلك الصناعات المتعثرة وتحديث أساليب إنتاجها والأخذ بيدها على الطريق الصحيح.

صندوق لتطوير التكنولوجيا

في الوقت نفسه أنشأت الحكومة صندوقًا آخر للمساعدة في تطوير تكنولوجيا المشروعات الصغيرة، وتحسين مستوى العمالة بها رصدت له 50 مليون دولار، وبذلك استبدلت الحكومة الحماية من فرض رسوم وضرائب على المنتجات المستوردة إلى تقديم الدعم المادي والفني لتطوير المنتجات، وهذا بلا شك أكثر جدوى بالنسبة للاقتصاد القومي في الأجلين القصير والطويل.

كما تقوم الحكومة الهندية أيضًا بتوفير البنية الأساسية للمشروعات الصغيرة من خلال إقامة المجمعات الصناعية الضخمة التي تشمل شبكات توزيع القوى والمياه والاتصالات ومعامل مراقبة الصرف والتلوث، والطرق والبنوك والمواد الخام، ومنافذ التسويق والخدمات التكنولوجية .. وفي هذا الصدد تقرر مؤخرًا إنشاء مجمع صناعي ضخم تصل تكاليفه الاستثمارية إلى 1.250 مليار دولار يضم 50 معهدًا فرعيًّا للصناعات الصغيرة، وتتحمل تكاليفه الحكومة بالتعاون مع بنك تنمية الصناعات الصغيرة هناك.

ويتضح جليًّا من سياسة الحكومة في هذا المجال عدم تحديد مواقع بعينها للصناعات الصغيرة، ولكن الحكومة تقدم مزايا وإعفاءات وخدمات معينة في مناطق محددة لتشجيع القطاع الخاص على تنميتها، وتحقيق التوازن في التنمية بين كافة أقاليم الدولة.

مشاكل رئيسية مزمنة

ولا يعني هذا الدعم الحكومي للصناعات الصغيرة في الهند خلو التجربة من المشاكل فما زالت العقبات الرئيسية التي تواجه هذا القطاع، والمشاكل التي تحد من انطلاقه في معظم الدول النامية موجودة كذلك في الهند ولعل من أهم هذه المشاكل والعقبات: نقص التمويل، ونقص المعلومات، ونقص المهارات، بالإضافة إلى غياب عنصر التسويق الجيد والمنافسة للقطاع الصناعي المنظم في الداخل والخارج.

وأخيرًا فإن الزعيم الهندي غاندي كان يردد دائماً كلمة "شوماخا" والتي تعني أن أصل كل ما هو صغير جميل.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: إسلام أون لاين