إدارة التنظيمات غير الرسميّة داخل التنظيمات الرسمية

 

 

 

مشاكل التنظيمات الغير رسمية

للإدارة في مختلف المؤسسات أدوار كثيرة تتعلق في جانب منها بالنواحي التنظيميّة المتعارف عليها من تحديد لأهداف المؤسسة، ورسم الخطط التي تقود لتحقيق هذه الأهداف، والقيام بأدوار الرقابة والإشراف، وإجراء عمليات التطوير والتحديث والتدريب، وتحقيق أقصى فاعليّة للعمليّة الإنتاجيّة والاستغلال الأمثل لموارد المؤسسة.

ولا يتوقف دور الإدارة عند هذا الحد، وهو الشكل التقليدي للإدارة بل يتعدى إلى النواحي الإنسانيّة والعلاقات الاجتماعيّة بين الرؤساء والمرؤوسين داخل وخارج المؤسسة، بهدف التحكّم وإدارة العلاقات غير الرسميّة التي لم تدخل الإدارة في تحديدها، وإنما تنشأ نتيجة للصلات الاجتماعيّة لأفراد المؤسسة ونتيجة للتفاعل الاجتماعي للأفراد.

وإذا كانت تلك العلاقات -وهي ما نطلق عليه التنظيمات غير الرسميّة- أمراً لا غنى عنه، فمن الأهمية بمكان أن توضع الضوابط التي تحكم تلك العلاقات ليتم تسخيرها لخدمة الشركة أو المؤسسة وتحقيق أهدافها، حتى لا تكون عائقاً أمام تطور المؤسسة، ولتتحول المؤسسة إلى مجتمع مصغر يترابط أفراده ويتّحدون لتحقيق الأهداف والغايات، دون الجور على حقوقهم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وهو أشبه ما يكون بوحدة الروح بمعنوّياتها والجسد بمادّيته.

خصائص التنظيمات غير الرسميّة

الاتصال المباشر بين الأفراد داخل المؤسسة أو الشركة من جانب وبين الرؤساء والمرؤوسين من جانب آخر هو أفضل بيئة لظهور التنظيمات غير الرسميّة، ويعود ذلك لطبيعة البشر الذين يعملون عملاً متشابهاً أو مهنة واحدة، كما يتجنب الأفراد الشعور بالعزلة، بالإضافة إلى رغبتهم في الانتماء والرغبة في الشعور بالأمن والحماية الخاصة إذا ما وقع خطأ فيتم تصحيحه دوت الإبلاغ عنه.

وللتنظيمات غير الرسمية عدة خصائص لعل أهمها أن هذا الشكل من العلاقات يمثل الرقابة الاجتماعية، وينشئ معايير سلوكيّة معينة، والتي تتطلب بدورها الامتثال من أعضاء المجموعة، وقد تتعارض هذه المعايير مع القيم الموضوعة من جانب التنظيم الرسمي.

وتختلف وسائل تحليل ودراسة التنظيم غير الرسمي عن الرسمي؛ إذ يعتمد الأول على هيكل معقد للعلاقات بين الأشخاص وفروض تختلف جذرياً عن الرسمي، كما أنّ للتنظيم غيرَ مركزٍ ونظمَ اتصالٍ خاصة به لا تتصل بالضرورة بالنظم الرسمية.

وربما يكون من الغريب أن يكون للتنظيم الرسمي قيادة الرأي، وتنبع هذه القيادة من داخل المجموعة عن طريق الإقناع، وعن طريق النفوذ الذي منحته له المجموعة، ويتم الاهتمام بدراسة القائد غير الرسمي وتدور النقاشات حول: من هو القائد غير الرسمي، وطريقة تقلده هذا المنصب وخصائصه، وما يستطيع عمله لمساعدة المدير في تحقيق أهداف التنظيم الرسمي.

العلاقات التبادليّة

ونعني بالعلاقات التبادليّة الحالة غير الرسمية من الاتصال بين الرؤساء والمرؤوسين والعكس، وإذا كان الشكل التقليدي لهذه العلاقات لأي مؤسسة يبدأ من الرئيس إلى أقل مرؤوس يبدو واضحاً وقاطعاً، فإن العلاقات في التنظيمات غير الرسمية لا تخضع لمعايير معينة، فقد يتخطى الرئيس علاقاته للمستويات الأقل من العمال والفنيين أو رؤساء الأقسام، كما يقوم العامل أو الملاحظ في إطار غير رسمي بالاتصال بكبير المهندسين أو بالرئيس، وتهدف هذه الاتصالات في مجملها لتحقيق أهداف قد ترتبط بالترقي أو السعي لمنصب أعلى، وقد تهدف لكسب ولاء العاملين.

وأيضاً قد تهدف تلك العلاقات غير الرسمية إلى تعويض النقص في هيكل التنظيم الرسمي والعديد من العاملين بالمؤسسة، أو محاولة كسب الثقة في النفس وكسب ثقة الآخرين.

هذا ويجب أن يكون هناك اتصال مباشر حتى يمكن تجميع الناس في مجموعات لها صفة الدوام، ولذا فإن مكان المؤسسة أو الشركة هو أفضل مكان لهذا التجميع أي المكان، فعند فحص خريطة التنظيم لأي مؤسسة فإن الخطوط الرسمية للاتصال تكون من أعلى (الرئيس) إلى أسفل (المرؤوس)، ولكن التنظيمات غير الرسمية تتشابك فيها الخطوط لتكوين شبكة معقدة من الاتصال والعلاقات بين مختلف الأفراد والقطاعات داخل المؤسسة.

مشكلات التنظيم غير الرسمي

يتسبب التنظيم غير الرسمي داخل الشركة أو المؤسسة في الكثير من المشكلات، ويأتي على رأسها رفض التغيير والتطوير في الإجراءات أو السياسات أو الآلات والمعدات؛ لأن هذا الشكل من التنظيم يسعى للحفاظ على مصالحه وهيبته ومركزه في العمل.

وقد تتعارض أهداف التنظيم الرسمي مع أهداف التنظيم غير الرسمي، بل قد تكون معايير الشكل الثاني أقل من المعايير التي يحددها التنظيم الرسمي، مما يقود إلى عدم الاهتمام بمطالب الإدارة وعدم الولاء والانتماء والقيام بالتمرد بل وأحياناً الانقلاب على الإدارة، ويتسع المجال لانتشار الشائعات داخل المؤسسة، وتُنقل بسرعة مثل خفض سياسة الحوافز، والاستغناء عن بعض العاملين، والدعاية السيئة عن الإدارة واتهامها بالفساد.

وقد يسعى الأفراد داخل التنظيم غير الرسمي إلى مطالب تؤدي إلى زيادة التكاليف.

وتفرز التنظيمات غير الرسمية أيضاً عدد من المشكلات الجانبية داخل بيئة العمل ومنها ضعف التأثر تجاه التنظيم الرسمي، والميل إلى العنف والقوة وعدم الثقة بالنفس وسرعة الغضب وعدم ملك النفس، وقابلية تصديق الشبهة والتشكيك في توجيهات المؤسسة.

ومن المشكلات الناجمة عن تفشي التنظيمات غير الرسمية داخل المؤسسات افتعال المشكلات مع المخالفين للرأي، وعدم الالتزام بخطة المؤسسة، وعدم الاعتراف بالخطأ، وانتشار سوء الظن بالآخرين، وكثرة الخصومات مع غياب الرقابة الجدية للأفراد، وعدم الامتثال لأوامر المدير المسؤول، وبثّ روح التمرّد والإحباط داخل المؤسسة.

فن إدارة وتهيئة الأفراد

لا شك أن تنامي التنظيمات غير الرسمية في المؤسسة قد يقوِّض جهود التطوير والعملية الإنتاجية برمتها؛ ولأجل تفادي ذلك يرى خبراء الإدارة أن المؤسسات في حاجة إلى إعادة البناء على خطين متوازيين وهما: إدارة البشر في المؤسسة، وتربية البشر في المؤسسة.

أما ما يرتبط بإدارة البشر فيعني النظر إلى العاملين على أنهم بشر أكفاء يجب استثمار طاقاتهم، والارتقاء بقدراتهم ومواهبهم، وربط الاهتمام بالمؤسسة والفرد معاً على السواء؛ لأن العنصر البشري هو محور العملية الإنتاجية.

ومن إدارة البشر في المؤسسة أن يتم البحث عن العوائق والرغبات والحاجات الجديدة للأفراد وتلبيتها وإشباعها، وتوفير المدير المربي المتطور حتى يكون كرُبّان السفينة في علاقة تبادليّة بينه وبين العمال، يتمكن من خلال تلك العلاقة من معالجة المعارضات للتطوير والتغيير حتى يسود مناخ من الانفتاح والتعاون داخل المؤسسة.

أما الخط الموازي لإدارة البشر فهو تربية البشر داخل المؤسسة، ويعني أن تعطي الإدارة المثل والقدوة الحسنة للعاملين من خلال الشكل التنظيمي الرسمي،

ومن خلال الأشكال الإنسانية والاجتماعية عبر التفاعل والأخذ والعطاء.

ولتربية العاملين داخل المؤسسة أساليب عديدة منها ما ذكرناه من أسلوب القدوة الحسنة وكذلك النصيحة ومعالجة العيب؛ فعلى المدير المربي أن يدل من يربيه على عيوبه بكامل الأدب، وغاية اللطف، وبمنتهى السرية، دون سخرية أو تشهير.

ثم يأتي بعد ذلك أسلوب التدرّج والانتقال، وفيه يرى الخبير الإداري المصري "محمد فتحي" أن أي إنسان لا يستطيع أن يحصل على كل شيء دفعة واحدة لا في الأخلاق ولا في العلم، أما إذا كان الدفع نحو الوصول إلى الكمال سريعاً فقد يحث ذلك فترة وينقطع التيار مرة أخرى.

ومن هنا فلبناء الفرد وتهيئة البيئة الإنتاجية المناسبة مرتكزات أساسية من الإخلاص في العمل، وإصلاح النفس بدنياً ونفسياً وفكرياً، وطاعة الرؤساء والامتثال لأوامرهم وإرشاداتهم، مع التجرّد لمبادئ وأهداف المؤسسة، وبناء الثقة بين الرؤساء والمرؤوسين، والصدق والوفاء بالعهد والكلمة والوعد، والشجاعة والاحتمال والاعتراف بالخطأ، والإنصاف مع النفس، والتواضع، وحسن الخلق والسلوك حتى تنتج المؤسسة فرداً إيجابياً قوي الإرادة صاحب ضمير يهديه إلى جميع واجباته، وذا ذكاء بناء على خبرة وممارسة، فرداً واقعياً يحسن التوكل على الله ولا يتواكل، يملك من الصفات والأخلاق ما يدفع به وبمؤسسته التي ينتمي إليها قدماً إلى الأمام.

و كل ذلك بحسب المصدرالمصدر المذكور.

المصدر: ليدرشيب