روسيا بين رأسمالية الدولة وسطوة البيروقراطية

 

 

بيتر فين

 

 

يضيء الوميض البرتقالي اللون المنبعث من سبائك "التيتانيوم" سماء المصنع الضخم، الذي يمتد على مسافة 5000 فدان والذي يعود إلى الحقبة السوفييتية والواقع في مدينة "فيرخانيا سالادا" الصغيرة شرق جبال الأورال. والمعدن الساخن الذائب سرعان ما يتم صبه وتشكيله على هيئة عشرات من قطع الغيار اللازمة لصناعة طائرة (787 دريم لاينر) التي تُصنِّعها شركة "بوينج".

هذا المصنع النابض بالحركة، والمعزول عن العمران، نُقل إلى هذه المدينة بعد أن قام السوفييت بإخلاء المجمع الصناعي الواقع إلى الشرق منه، لحمايته من الزحف الألماني في الأراضي السوفييتية عام 1941، وقد أصبح الآن المقر الرئيسي لشركة" VSMPO-Avisma، التي تعد أكبر شركة في العالم لتصنيع "التيتانيوم" وهو معدن صلب ثقيل الوزن يعتبر عنصراً أساسياً في صناعة الطيران.

وهذه الشركة التي كانت قد أوشكت على السقوط في بدايات التسعينيات عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، تم استنقاذها وبعث الروح فيها مجدداً، لتصبح مشروعاً عالمياً متفوقاً، ومورداً رئيسياً في الوقت الراهن لاحتياجات شركات مثل "بوينج" و"إيرباص" و"رولز رويس" من هذه المادة التي تتحكم في 27 في المئة من إجمالي تجارتها العالمية.

وما حدث بعد ذلك لهذه الشركة كان نسخة طبق الأصل مما حدث لشركات مماثلة في روسيا تحت حكم فلاديمير بوتين وهو قيام الدولة بالاستيلاء عليها ووضعها تحت سيطرتها.

فالشركات العاملة في مجالات الطاقة، والهندسة والتعدين وصناعة السيارات وغيرها من الشركات الخاصة التي ظهرت عقب سقوط الاتحاد السوفييتي، يتم في الوقت الراهن وضعها تحت سيطرة الدولة، أو تحت سيطرة رجال الأعمال الموالين لها. ليس هذا فحسب بل إن وزراء الحكومة وموظفي الكريملن المقربين من دوائر السلطة هم الذين يحتلون في الوقت الراهن مناصب رؤساء وأعضاء مجالس إدارات أكبر الشركات العاملة في روسيا.

وهذه العملية تجري على قدم وساق دون أن تظهر على مؤسسة الكرملين أي مؤشرات تفيد أن شهيته لالتهام المزيد من المشروعات قد قلت.

لم يحدث شيء من هذا بل إن الشاهد هو أن الكريملن بدأ يرمق أنواعاً أخرى من المشروعات في مجالات الطاقة واستخراج الألماس والتعدين وتصنيع الآلات ويخطط لوضع يده عليها.

من جانبه يدافع الكريملن عن دور الدولة المتضخم باعتباره يمثل عنصراً ضرورياً في إقامة الشركات الكبرى القادرة على المنافسة في ساحة الاقتصاد العالمي كما يحرص رجال الكريملن على التأكيد بين الفينة والأخرى على أن عمليات الاستحواذ التي تقوم بها الدولة، هي في الحقيقة عمليات ضرورية القصد منها معالجة الآثار الضارة التي خلّفتها عمليات التخصيص غير المنظم والمشبوهة التي تمت في حقبة التسعينيات من القرن الماضي، والتي حرمت الدولة في رأيهم من مداخيل هائلة وأضاعت عليها أصولاً وموجودات ضخمة، كانت ذات ضرورة حيوية من أجل تعزيز أمن روسيا.

ولكن ظهور الحكومة كلاعب متفوق في مجال الأعمال، أدى إلى ظهور اتهامات بأن الكريملن يستغل سلطاته الضخمة لفرض نفسه على الشركاء غير الراغبين، وأنه يقبض بيده على زمام النفوذ الاقتصادي باعتباره يمثل سلاحاً من أسلحة السياسات الخارجية، في الوقت الذي يقوم فيه في الحقيقة بإغداق الأموال على المقربين منه سياسياً، والذين تحولوا إلى أثرياء.

ويقول المراقبون للشأن الروسي إن هذا النوع من إعادة التأميم للصناعات الرئيسية، يعد تراجعاً عن أهداف الخصخصة التي كانت تعتبر عموداً أساسياً من الأعمدة التي تعتمد عليها روسيا في ولوج اقتصاد السوق بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق.

حول هذه النقطة يقول "فاليديسلاف تيتايوكين" رجل الأعمال البالغ من العمر 73 عاماً، الذي يرجع إليه الفضل هو وشريكه "فاياتشيست بريشت" في صعود شركة "التيتانيوم" المذكورة إنه قد أذعن على مضض لعملية استيلاء الدولة على تلك الشركة بعد أن قال له المسؤولون: "إن المنطق يفرض أن تضع الدولة كل شيء في قبضة واحدة". ويقول "سيرجي ماركوف" المحلل السياسي والمستشار بالكريملن، في معرض تدليله على صواب نهج الكريملن الاقتصادي: "إن المطلب الأساسي في ساحة الاقتصاد العالمي هو أن تكون قوياً من ناحية، وقادراً على المنافسة من ناحية ثانية... ومن دون ذلك، فإن الآخرين يمكن أن يلتهموك ويطحنوا عظامك". ولمزيد من التوضيح يقول إن سياسة فلاديمير بوتين في هذا الشأن واضحة وتتمثل في إنشاء مجموعة من الشركات الروسية الكبيرة التي تتمتع بالقوة، والقدرة على المنافسة، وعلى أن تصبح من كبار الفاعلين الاقتصاديين في العالم لأن ذلك "سيساعد روسيا على المحافظة على استقلال اقتصادها، وحماية المشروعات المتميزة والمغرية في الاقتصاد السوفييتي من الوقوع في أيدي الشركات الأجنبية المتعددة الجنسيات".

وهناك محللون وخبراء اقتصاد آخرون يبدون تشككاً في صواب هذه السياسة، ويذهبون إلى القول بأن الأمر يستدعي التفريق بين رأسمالية الدولة وبين الرأسمالية البيروقراطية، وأن ما هو موجود في روسيا هو نوع من الرأسمالية البيروقراطية التي يقوم في إطارها مجموعة من كبار الموظفين البيروقراطيين في الدولة بالسيطرة على مقاليد الشركات. وتعليقاً على ذلك يقول "نيكيتا بيليخ" زعيم حزب "اتحاد القوى اليمينية" وهو أحد الأحزاب الصغيرة في روسيا: "إن محاولة الدولة السيطرة على الشركات المختلفة يمكن شرحها على أنها تعبير عن رغبة مسؤوليها في إعادة توزيع الملكيات... كما أن عدم الشفافية التي تتصف بها عمليات الاستيلاء والسيطرة على تلك الشركات تعد أمراً خطراً ومخيفاً في الحقيقة".

*محرر الشؤون الخارجية في "واشنطن بوست"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر:الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"- 20-11-2006