صناعة السيارات الأمريكية يتراجع إلى الخلف

 

 

 

في دولة ترفض التدخل الحكومي في شئون الاقتصاد، وتفضل العمل بآليات السوق، لم تجد كبريات شركات السيارات الأمريكية مفرا في ظل التنافس الشديد في الأسواق العالمية من العودة للبيت الأبيض لطلب الدعم. ورغم وعود الرئيس الأمريكي جورج بوش بذلك، إلا أنه شخصيا كان قد انتقد جودة صناعة السيارات الأمريكية فيما سبق. فإلى أي مدى من الممكن أن يساعد البيت الأبيض صناعة السيارات الأمريكية؟ تقرير واشنطن يحاول الإجابة على هذا السؤال.

يبدوا أن حلم اقتناء سيارة أمريكية فارهة مثل كاديلاك أو حتى فورد أوشيفروليه، والذي سيطر على مخيلة جيل كامل من الشباب في خمسينات وستينات القرن العشرين قد تلاشى في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها مجال صناعة السيارات في عالم اليوم. كما يبدو أن مدينة ديترويت التي اعتادت كتب الجغرافيا المدرسية أن تصفها بأهم مراكز تصنيع السيارات في العالم أصبحت تصرخ وتستغيث من وطئة وشراسة المنافسة التي أودت بتفوق شركات تصنيع السيارات الأمريكية في العالم، ، بل انهزمت وتراجعت في عقر دارها لصالح شركات أجنبية في مقدمتها تويوتا وهوندا اليابانيتين، وكانت النتيجة خسائر فادحة ونتج عن ذلك تسريح آلاف العمال.

بوش يلتقي بالثلاثة الكبار

المشكلات والتحديات الكبيرة التي تعاني منها صناعة السيارات في الولايات المتحدة في العقود الأخيرة اضطرت رؤساء الشركات الأمريكية الكبرى إلى نسيان التنافس فيما بينهم والتوحد في مشهد نادر لطلب دعم ومساندة الحكومة والكونغرس، فكان أول اجتماع في هذا السياق بين رؤساء الشركات وأعضاء من الكونغرس في شهر يوليو الفائت. وقد تتطرق الاجتماع إلى مناقشة سياسة الولايات المتحدة في مجال الطاقة، ودعم الكونغرس لمشروع  استخدام الإيثانول كمصدر طاقة بديل للبنزين،  والكيفية التي يمكن أن يساند بها الكونغرس لمساعدة الشركات في تحمل تكلفة الرعاية الصحية لعامليها.

وبعد تأجيل البيت الأبيض الاجتماع أكثر من مرة في الشهور الأخيرة،  التقى الرئيس الأمريكي يوم الثلاثاء الماضي مع المدراء التنفيذيين ورؤساء أكبر ثلاث شركات لتصنيع السيارات الأمريكية وهم ريك وغنرRick Wagoner  رئيس شركة جنرال موتورز،  وبيل فورد رئيس شركة فورد ، وتوم لاسوردا Tom LaSorda  رئيس شركة دايلمر كرايسلر. اللقاء الذي جمع المدراء الثلاثة والرئيس بوش وحضره نائب الرئيس ديك تشيني لم يشهد رغم القائمة الطويلة من مطالب الشركات، طلب قروضا أو مساعدات مالية من الحكومة على غرار ما فعله الكونغرس عام 1979 عندما تعرضت شركة كرايسلر لأزمة ، وبدلا من ذلك تناول قضايا الرعايا الصحية للعمال والموظفين وواقع التجارة الدولية وأفاق انتاج الطاقة البديلة.

الرئيس بوش قال خلال الاجتماع لقادة تصنيع السيارات الأمريكية إنه يعلم طبيعة الخيارات الصعبة التي إضطروا إلى تبنيها من أجل استمرار وجودهم كمنافسين في ظل مناخ عالمي  تنافسي صعب واعدا رؤساء الشركات الثلاث بمواصلة الحوار بين الحكومة والمسؤولين عن تصنيع السيارات الأمريكية.

لكن الرئيس بوش قد صرح في وقت سابق لصحيفة وول ستريت جورنال بأن أحد أسباب المشكلة تكمن في عدم تجويد هذه الشركات لإنتاجها، وأنها  بحاجة إلى الاهتمام بالتكنولوجيا الملائمة، مما عرضه لانتقادات من شركات صناعة السيارات في ولاية ميشغان. والواقع أن كثيرا من المواطنين الأمريكيين يشاطرون الرئيس الرأي ، حيث إن الاعتقاد السائد في سوق السيارات هو أن السيارات أمريكية الصنع لا تعمر محركاتها لفترة طويلة مقارنة بالسيارات اليابانية أو الألمانية مثلا.  وإذا ما اضفنا إلى تلك العناصر أن السيارة الأمريكية تاريخيا أكثر استهلاكا للوقود من نظيرتها اليابانية لأصبح واضحا  في ظل الارتفاع المتزايد لسعر غالون الوقود تفضيل المواطن الأمريكي للسيارة الأجنبية.

عاملونا كما نعاملكم

وصرح الرئيس بوش عقب اللقاء وقبل زيارته إلى فيتنام لحضور اجتماع قادة دول منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا- المحيط الهادئ أن  الرسالة التي سينقلها إلى قادة هذه الدول هي طلب المعاملة بالمثل قائلا : " عاملونا كما نعاملكم، فأسواقنا مفتوحة لمنتجاتكم. ونحن نتوقع أن تكون أسواقكم مفتوحة بالمثل لمنتجاتنا بما فيها السيارات."

أسباب الأزمة

أزمة تصنيع السيارات الأمريكية في السنوات الأ خيرة لها أكثر من سبب، أولها انخفاض قيمة العملات الأجنبية وعدم جدوى التصدير وفتح أسواق في الخارج، كما تجعل استيراد السيارات من  الخارج أقل تكلفة من صناعتها محليا وضرب ريك وغنر مثالا على ذلك بضعف قيمة الين الياباني في مقابل الدولار مما يجعل استيراد السيارات اليابانية أرخص من السيارات الأمريكية المصنوعة محليا. أما توم لاسوردا فيركز في تعليقه على أسباب الأزمة على التكلفة الباهظة لبند الرعايا الصحية، حيث إن إنفاق الشركات الثلاث على الرعايا الصحية للعلملين قد فاق انفاقها على شراء الصلب اللازم لصناعة السيارات- رغم أن التعريفية الجمركية على استيراد الصلب واحدة من أسباب المشكلة - الأمر الذي يزيد الف دولار إلى تكلفة تصنيع كل سيارة جديدة. كما أن شركة جنرال موتورز كبرى شركات تصنيع السيارات الأمريكية أنفقت خلال العام الماضي 5.3 مليار دولار التزاما بخدمات الرعاية الصحية والتقاعد لـ 1.1 مليون عامل في المؤسسة. كل هذه الأمور تجعل تكلفة صناعة السيارات في الولايات المتحدة أكثر من تكلفتها في الدول الأخرى وعلى رأسها بالطبع اليابان.

هل تساعد سيطرة الديموقراطيين على الكونغرس صناعة السيارات؟

يعتقد بعض الخبراء والمسؤولين عن صناعة السيارات في الولايات المتحدة أن هذا التوقيت هو الأفضل لشركات التصنيع للدفع في اتجاه تحقيق مطالبهم في ظل نتائج انتخابات تشريعية أدت نتائجها إلى سيطرة الديموقراطيين على الكونغرس بمجلسيه. يقول جون كسيسا John Casesa   الخبير في مجال الصناعة والمحلل الاقتصادي السابق بمؤسسةMerrill Lynch  أن وجود الديموقراطيين كأغلبية في الكونغرس سيمنح صناع السيارات أذانا صاغية متعاطفة أكثر بكثير من البيت الأبيض . ويتوقع كسيسا أن يدعم الكونغرس الجديد بعض مطالب الشركات خاصة ما يتعلق بالمساعدة في تحمل نفقات برنامج الرعايا الصحية والدواء للعاملين وأسرهم.

متى، وكيف بدأ التحول؟

 كان عام 1980 عاما فاصلا في تاريخ صناعة السيارات الأمريكية،  فللمرة الأولى منذ اختراع  السير جيمس واط محرك السيارة في  القرن التاسع عشر ولأول مرة منذ النهضة الكبرى في صناعة السيارات الأمريكية التي كان أبرز روادها هنري فورد، وسيطرة الشركات الأمريكية على سوق صناعة السيارات في العالم طوال القرن العشرين ، تتفوق اليابان على الولايات المتحدة كأكبر مصنع للسيارات في العالم.  وأصبحت شركات مثل تويوتا وهوندا تتفوق عالميا وداخل السوق الأمريكية على شركات مثل جنرال موتورز وفورد. البعض يرجع السبب المباشر وراء هذا التحول  إلى عقد السبعينات عندما شهد العالم أزمة ارتفاع اسعار النفط بصورة غير مسبوقة بعد  حرب أكتوبر عام 1973 . ونظرا لكبر حجم السيارات الأمريكية واستهلاكها الكبير للوقود ، وبدلا من أن تنتظر شركات صناعة السيارات اليابانية استيراد الأمريكيين لسياراتهم الاقتصادية صغيرة الحجم ، استبقت الشركات اليابانية هذه الخطوة بنقل انتاجها إلى الداخل الأمريكي مستفيدة من ارتفاع قيمة الدولار ، واستقرار قواعد التجارة والسوق الحر.

ورغم أن الولايات المتحدة طبقا لإحصاء عام 2005 ما تزال على رأس قائمة الدول المنتجة للسيارات بانتاج11 مليون و524 الف سيارة من اجمالي 63 مليون سيارة تم انتاجها فب العالم فإن اليابان التي تأتي في المرتبة الثانية بإنتاج10 ملايين و46 الف سيارة ستصبح خلال سنة في مقدمة دول العالم انتاجا للسيارات. وفيما يتعلق بانتاج الشركات طبقا لإحصاء نفس العام، فإن شركة جنرال موتورز لا تزال في المقدمة بإنتاج 9 ملايين و40 الف سيارة تليها تويوتا التي انتجت 7 ملايين و100 الف سيارة ، ثم فورد بانتاج 6 ملايين و 418 مليون سيارة، ثم فولكس فاجن ، فدايملر كرايسلر.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: تقرير واشنطن- العدد 84، 18 نوفمبر 2006