رغم مخاطر الاحتواء الحلم الصيني ..التجارة والقوة الناعمة

 

 

د. مازن النجار

 

يتخذ النجاح الصيني تعبيرات مطردة، وربما متنوعة، في المشهد العالمي؛ فالمملكة الوسطى (الاسم الصيني للصين) والمعجزة الاقتصادية صنوان مترادفان لجوهر واحد. وعلى مدى عقدين ونصف، كان الاقتصاد الصيني ينمو بمعدل يزيد على 9 في المائة سنويا، وتضاعف حجمه بمقدار ثمانية أضعاف. وهذا لا يدعو وحده لاهتمام المراقبين؛ فتعداد الصين يبلغ مليارا وثلاثمائة مليون إنسان، وقد يكون أكثر من ذلك، وهو يمثل خمس سكان العالم. وهذا يجعل صعود الصين الآن أكثر أهمية من صعود اليابان في الستينيات.

ولحجم الاقتصاد الصيني أهميته أيضا، فالناتج المحلي الإجمالي للصين هو الثامن عالميا أو عشر الناتج الأمريكي؛ لكن حجم الاقتصاد الصيني يعادل ثلثي حجم الاقتصاد الأمريكي من حيث القوة الشرائية للشعب الصيني. وإذا ظل ينمو بمعدل 9 في المائة سنويا، فسوف يتجاوز الاقتصاد الأمريكي بحلول عام 2014. يعتقد لي كوان يو، زعيم سنغافورة المخضرم، أن صعود الصين سوف يغير ميزان القوى، ويعيده إلى الشرق لأول مرة منذ وصول السفن البرتغالية في القرن السادس عشر.

تنتج الصين حاليا ثلثي إنتاج العالم من آلات التصوير والأحذية ولعب الأطفال وأفران المايكروويف، ونصف إنتاج العالم من أجهزة دي في دي (DVD) والكاميرات الرقمية والأسمنت والمنسوجات، و40 في المائة من الجوارب، وثلث مشغلات الفيديو الرقمية والحواسيب المكتبية، وربع أجهزة الهاتف المحمول وأجهزة التلفزة والصلب وستيريوهات السيارات، وغيرها. وتصدر الصين 30 في المائة من منتجات العالم الإلكترونية.

بيد أن بعض المراقبين الأمريكيين -مثل روبرت سكيدلسكي- يرون الصين في عجلة من أمرها، تسابق الزمن لتلحق بركب القيادة العالمية، ولا تألو جهدا في هذا السياق. فإضافة إلى نموها الاقتصادي الكبير، تظهر المشروعات العملاقة كل يوم والصادرات الصينية تغزو العالم، وتمثل الفوائض التجارية للصين مع كل الاقتصادات الكبرى مشكلات تحاول الدول معالجتها مع بكين. هناك أيضا إشكالية النظام السياسي القائم منذ انتصار الثورة الشيوعية عام 1949. فقد قلل نجاح الحزب الشيوعي الصيني في الاحتفاظ بالسلطة السياسية في الصين من شعور الغرب بالتفوق الذي أحدثه انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومة حلف وارسو الاشتراكية. بالمقارنة، نجد أن الهند التي حققت أخيراً نموا يعادل في سرعته النمو الصيني، وسيتجاوز عدد سكانها قريبا عدد سكان الصين؛ لا تثير قلق وتوجس الغرب الذي يشعره إزاء الصين، لأن الهند ديمقراطية، والديمقراطيات لا تدخل في حروب مع بعضها، كما يقال في الغرب!

من ناحية أخرى، يحذر كلايد بريستوفتس، ممثل التجارة الخارجية في إدارة ريغان، من أن أسعار السلع الصينية المنخفضة -بسبب الوفرة الهائلة للأيدي العاملة الصينية- تعرض ما لا يحصى من الأعمال الصناعية والتجارية الأمريكية للضرر، وسوف تختفي فرص العمل المتاحة لملايين العمال الأمريكيين. وينذر ذلك بالقضاء على التصنيع الأمريكي، والانهيار بعيد المدى لمستويات المعيشة الأمريكية. فأمريكا تعيش الآن بما يفوق ما لديها من ثروة. ويعتقد بريستوفيتس أن شيئا لن يوقف القوة الساحقة الصينية، ذلك أن الصين تبني بالفعل "الكتل الحاسمة من الشركات المحفزة للخميرة الخلاقة التي تقود إلى التجديد السريع." بينما يتنبأ الصحافي ورجل الأعمال تيد فيشمان بتزايد المنافسة الصينية الأمريكية قائلا: "إنها لعبة قوة تمضي بطيئة، ولكنها تأخذ مجراها."

تطرح هذه الإشكاليات على المهتمين بالشأن الصيني والعالمي أسئلة مهمة: كيف أمكن إنجاز هذا النجاح الكبير؟ هل هو تحقيق جمعي لحلم؟ وما هو هذا الحلم؟ وما إشكالياته والمخاطر المحيطة به؟

للإجابة عن الأسئلة، شارك أكثر من 100 من الأكاديميين والرسميين الصينيين، في مؤتمر "الحلم الصيني في عالم توافقي" في بكين في نيسان (أبريل) الماضي برعاية الجمعية الصينية الوطنية للدراسات الدولية وجامعتي الصين للشؤون الخارجية وبكين للدراسات الخارجية ومعهد تيانجين للغات الأجنبية. حاول المشاركون أن يقدموا تفسيرهم للحلم الصيني وأبعاده المختلفة والمتميزة.

وبكلمات وو جيانمين، رئيس الجامعة الصينية للشؤون الخارجية: "يعلمنا التاريخ أن البلاد التي تسجل نموا اقتصاديا قويا، تنتج أيضا جماعة كبيرة من الناجحين. هذه هي المرحلة الراهنة للصين. فقد خلقت 30 عاما من الإصلاحات الاقتصادية اقتصادا متسارع النمو، وتغيرات اجتماعية بالغة، وكذلك مشكلات حادة داخل وخارج البلاد."

عبر البحار، أطل مفهوم "الخطر الصيني". وأدى نمو الاقتصاد الصيني الكبير إلى مشكلات له وللاقتصادات الأخرى. محليا، تتمثل المشكلة الأساسية من وجهة نظر القيادة الصينية في كيفية الحفاظ على التماسك الاجتماعي وسط تلك الاضطرابات الاجتماعية الاقتصادية الراهنة. فهناك نمو على حساب البيئة، وفجوة متزايدة في توزيع الثروة بين الفقراء والأغنياء، وبين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية، وهجرة ضخمة من الريف إلى المدن دون توفر وظائف مستقرة أو مساكن. ووفقا لبعض التقديرات، فإن 30 في المائة من القوى العاملة الحضرية، حوالي 200 مليون نسمة، عاطلون أو عاطلون نسبيا في الوقت الحاضر. كذلك، تتعرض سبل عيش 100 مليون آخرين من العمال الزراعيين للتهديد، حيث تزيد قوانين منظمة التجارة العالمية من اعتماد الصين على استيراد الاحتياجات الغذائية.

تأمل النخبة الصينية أن يؤدي السعي نحو صياغة وتحقيق الحلم الصيني إلى حل المشكلات: محليا، بتحقيق تكافؤ فرص بين قطاعات المجتمع، تجنبا لنشوء الكراهية ضد الأغنياء؛ وخارجيا، بإقامة عالم توافقي بعلاقات تعاون ومصالح مشتركة.

الحلم الصيني

وفقا للمشاركين في المؤتمر، يتسم الحلم الصيني بثلاثة أبعاد. أولها الحجم الفائق لأمة تربو على 1.3 مليار إنسان يمضون قدما بسرعة مذهلة. ثانيها اتساع نطاق الحلم الصيني بما يغطي كافة مناحي المجتمع من اقتصاد وسياسة وتقنية. وثالثها استعداد الصين لمشاركة العالم في هذا الحلم. فهو يخص الصين والعالم معا، مما يعني بناء عالم توافقي تشاطر فيه الصين العالم كله التنمية والفرص.

وللدلالة على عالمية الحلم الصيني، يقارن الصينيون بين الاستثمار الأجنبي المباشر في الصين واليابان وكوريا الجنوبية، كمثال يوضح الانفتاح الصيني. فقد اجتذبت الصين استثمارا أجنبيا مباشرا قدره 526 مليار دولار في 2004 وحدها، أي نحو 6 إلى 10 أضعاف نظيره في اليابان وكوريا الجنوبية، رغم أن الصين لم تفتح اقتصادها للاستثمار الأجنبي إلا بعدهما بزمن طويل، لكنها الآن أكثر انفتاحا منهما. فلا يمكن تحقيق الحلم الصيني إلا بناء على علاقات تقارب مع المجتمع الدولي، وسيستفيد العالم كله عبر هذه العملية. يؤكد زانغ يسوي، نائب وزير الخارجية، هذه الرؤية مشددا على التزام الصين بمسار "سلمي" للتنمية لأجل بناء عالم توافقي.

كذلك، تجاوزت احتياطات الصين النقدية المقدرة بالدولار في الشهر الماضي مستوى 900 مليار دولار.

هل هي مجرد دعاية أو بروباغندا أو حملة علاقات عامة لتجميل صورة الصين؟ لا يبدو الأمر كذلك. إنها محاولة صينية جادة -بل حقيقية على الأرجح- لبناء نمط فريد من القوة الناعمة.

منظر العلاقات الدولية، الدكتور جوزيف ناي، الأستاذ في جامعة هارفرد، ومؤلف كتاب ?Bound to Lead? أي حتمية القيادة الأمريكية، ينظر لاستمرار وخصوصية القوة الأمريكية وفرادة دورها في العالم، ويجادل ضد نظرية أفولها. يميز الدكتور ناي بين القوة الناعمة ?manipulative power? والقوة القسرية ?coercive power?. وعلى عكس القوى غير الديمقراطية، يعتبر أن "القوة الناعمة" مميز أساسي للقوى الديمقراطية الكبرى، وسبب لصعودها إلى العالمية. ونظرا لفاعلية القوة الناعمة، فهي تتيح لأصحابها قبولا ونفوذا سلميا من خلال الثقافة والفنون والاقتصاد ونمط المعيشة لدى شعوب وأقاليم العالم، بما يغني عن استخدام القوة الصلبة (القسرية)، شأن القوى الفاشية.

الأمر المهم في العلاقات الدولية هو ما إذا كان أثر الصعود الصيني في العالم سيكون سلميا أم متسما بالعنف. وبينما يميل الذين يركزون على الاقتصاد إلى رؤية الشراكة والتعاون كسببين للتفاؤل رغم التوترات، يتوقع خبراء الأمن الأقرب إلى التشاؤم حدوث صراع استراتيجي باعتبار أن ذلك هو المستقبل المحتمل لنظامين سياسيين على قدر شديد من الاختلاف.

ما يقلق الولايات المتحدة هو أن توسع المجال الاقتصادي الصيني سوف يصاحبه توسع في مجالها الاستراتيجي وقدراتها العسكرية. فمن المؤكد أنه سيكون للتغيرات التي تطرأ على التوزيع العالمي للثروة آثارها في توزيع القوة العالمية، حتى وإن تحققت تلك التغيرات بالطرق "السلمية" التي تؤكد الصين عليها كصفة أصيلة للحلم الصيني. ويعتبر أن صعود الصين اقتصاديا يعني هبوطا أمريكيا سياسيا؛ وتذكر التجربة التاريخية بسنوات التنافس الأنجلو ألماني التي سبقت الحرب العالمية الأولى.

القوة الناعمة .. تجارة ومنافع

في سياق الحلم الصيني، شهد شرق آسيا مستجدات اقتصادية واستراتيجية مهمة. في قلب هذه المستجدات ظهور الصين كوسيط وعراب قوي في مختلف قضايا المنطقة.

عندما تولى الرئيس جورج بوش السلطة في 2001، لم تكن أولوية الأمن القومي بالنسبة لإدارته الإرهاب أو العراق، وإنما الصين. بيد أن انشغال إدارة بوش بغزو واحتلال العراق وأفغانستان والبرنامج النووي الكوري الشمالي والإيراني اضطر الإدارة إلى التعمية، واستخدام خطاب تهويني إزاء الصين حينا، بينما تسعى في الواقع إلى احتواء الصين وتطويقها بعلاقات وترتيبات مع القوى المنافسة كاليابان والهند وكوريا الجنوبية، في سياق التصدي للصعود الصيني. تمثل سياسة بوش نحو الصين افتراقا نوعيا عن سياسة "الاشتباك الإيجابي" مع "الشريك الاستراتيجي" التي تعاطتها إدارة الرئيس كلينتون.

تنطلق سياسة إدارة بوش بشكل خاص من فرضية أن الصين سوف تظهر في النهاية باعتبارها منافسا ندا للولايات المتحدة في شرق آسيا، أو كما سماها خبراء البنتاجون، أي كقوة عظمى ذات عضلات اقتصادية وعسكرية تتحدى الوضع الأمريكي المتفوق في المنطقة التي من المؤكد أن تصبح المحور الاقتصادي لهذا القرن. بيد أن مسار علاقات التعاون الإقليمية في شرق آسيا والشرق الأقصى عموما، يؤشر على أن نفوذ الصين هناك في صعود ونفوذ أمريكا ربما في تراجع.

تفسر علاقات التجارة بين الصين وجيرانها مستجدات الإقليم. فبحلول 2004، بلغ عدد الشركات المؤسسة في الصين بتمويل أجنبي نحو نصف مليون شركة، ووصل الاستثمار الأجنبي المتعاقد عليه 1.1 تريليون دولار. وأعلن المكتب الوطني للإحصاء أخيراً أن حجم الاقتصاد الصيني في 2004 كان أكبر من التقدير الرسمي بنحو 17 في المائة. وخلال بضع سنوات، سيصل حجم الاقتصاد الصيني إلى ضعف اقتصاد ألمانيا (ثالث اقتصاد في العالم). كذلك سيتجاوز اقتصاد الصين بعد عقد نظيره الياباني (ثاني اقتصاد في العالم). وتفوق واردات اليابان من الصين وارداتها من الولايات المتحدة؛ وأصبحت الصين الشريك التجاري الأول لكوريا الجنوبية (الاقتصاد الثاني عشر عالميا).

في الفترة (2000-2003)، نمت صادرات إندونيسيا إلى الصين من 4.4 إلى 5.75 مليار دولار، بينما تضاعفت صادرات الفلبين من 1.7 إلى 6.3 مليار، وصادرات سنغافورة من 5.1 إلى 10.5 مليار، وصادرات تايلاند من 4.4 إلى 8.8 مليار، وصادرات ماليزيا من 5.5 إلى 14 مليار دولار. ولعل ذلك يفسر قرار مجلس الوزراء الماليزي بتوكيد التزام ماليزيا سياسة "الصين الواحدة"، وحظر زيارة أعضائه لتايوان.

وقد نمت قدرة الصين التصديرية، فزادت صادراتها إلى الولايات المتحدة خلال العقد الماضي من 35 إلى 200 مليار دولار. وأدى ذلك بالفعل إلى "حرب المنسوجات" مع الاتحاد الأوروبي، وإلى توترات مع الولايات المتحدة بشأن تقييم العملة الصينية (اليوان). بالرغم من قيام الصين برفع قيمة اليوان بنسبة 2.1 في المائة، إلا أن الإدارة الأمريكية تستمر في اتهام الصين بتعمد خفض قيمة عملتها لاكتساب ميزة تنافسية وأفضلية في التصدير.

وإن كان ماو تسي تونغ قد قال يوما إن القوة تنبع من برميل البارود، فإن قادة الصين اليوم يرون أن القوة -خصوصا القوة الناعمة - تنبع من التجارة أيضا! فقد أصبحت التجارة والمنافع المتبادلة مع دول الجوار الآسيوي، بل والعالم بأسره، هي طريق الصين إلى حيازة نمطها الخاص من القوة الناعمة والنفوذ العابر للحدود والقارات. ويدرك جيرانها جيدا أن للصين دورا أساسيا في ازدهارهم الاقتصادي. فلم يعودوا راغبين في معارضتها كما فعل بعضهم في الماضي؛ حتى لو اقتضى ذلك الاختلاف مع واشنطن أحيانا.

بكلمات أخرى، بينما لا تزال إدارة بوش تعتقد أن الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة في عالم أحادي القطبية، فإن بعض جيران الصين -على الأقل- يرون كلا من الولايات المتحدة والصين قوة يحسب لها حسابها في الشرق الأقصى. ويمكن العثور على أدلة هذا التحول في صعود الصين السريع كلاعب أساسي في عملية حل أزمة البرنامج النووي لكوريا الشمالية. فمنذ بضع سنوات فقط، كان من غير المعقول التفكير بأن كوريا الجنوبية واليابان لن تصطفا مع الجانب الأمريكي بالكامل في هكذا قضية أمنية مهمة.

أما اليوم، وبشكل أساسي بسبب أهمية تجارة اليابان وكوريا الجنوبية مع الصين، فقد فعلتا ذلك غير المعقول بالتحديد؛ إذ يتبنيان سياسات -تعاط إيجابي- وردود فعل معتدلة عموما مع كوريا الشمالية، والتي تفضل عليها واشنطن سياسة الحصار وتكثيف الضغوط. بل لقد مضت اليابان أبعد من ذلك فتحدثت قبل عامين عن إمكانية تطبيع العلاقات مع كوريا الشمالية، بينما زادت كوريا الجنوبية تعاملاتها التجارية واتصالاتها العسكرية مع جارتها الشمالية. اضطرت هذه السياسات الولايات المتحدة إلى التراجع، وعرض قدر من التعاطي مع كوريا الشمالية من أجل إقناعها باستئناف المحادثات السداسية التي لم تزل متوقفة.

جلب الصعود الاقتصادي للصين معه نفوذا جيوسياسيا ملموسا، وبتقليب هذه الحقيقة أكثر سنخلص إلى ترابط مفاده أن القوة السياسية المستجدة للصين وقدرتها الاقتصادية الضخمة قد جعلتا من غير المكلف لبعض حلفاء واشنطن التقليديين إعادة الحساب بناء على المصالح التجارية الحيوية مع الصين.

مخاطر الاحتواء

منذ حملته الانتخابية الرئاسية الأولى عام 2000، لم يخف جورج بوش وفريق السياسة الخارجية حوله قناعتهم بضرورة احتواء (تطويق) الصين. وكان أول تفكير ممنهج لهذه الإدارة حول ذلك قد صدر عن كوندليزا رايس، مستشارة حملة بوش للسياسة الخارجية، في مقال ذائع في مجلة "الشؤون الخارجية". رأت رايس أن الصين، كقوة صاعدة وطموحة، ستتحدى المصالح الحيوية الأمريكية، من جهة أنها قوة عظمى ذات مصالح حيوية مشتبكة، خاصة فيما يخص تايوان، وأنها تمقت الدور الأمريكي في الحوض الآسيوي للمحيط الهادي.

لذلك، فالصين - بالنسبة لرايس- ليست قوة تقبل بالوضع القائم، لكنها تريد تبديل توازن القوى لصالحها؛ وهذا وحده يجعلها منافسا استراتيجيا وليس "شريكا استراتيجيا" كما اعتبرتها مرة إدارة كلينتون. ورأت رايس أن من الضروري اتخاذ استراتيجية تمنع صعود الصين كقوة إقليمية. ولذا من المهم أن تكثف الولايات المتحدة تعاونها (الاستراتيجي) مع اليابان وكوريا الجنوبية، وتحافظ على وجود عسكري متين في الإقليم. كما ينبغي الاهتمام بدور الهند في ميزان القوى بالإقليم، وتشجيعها على دخول منظومة تحالف ضد الصين.

تعكس هذه الرؤية توجهات وخطوات إدارة بوش إزاء الصين. فقد شجعت اليابان على نبذ سلبيتها تجاه الشؤون الدولية، فشاركت قوات الدفاع الذاتي (الجيش الياباني) في احتلال العراق، وأعمال الإغاثة في إندونيسيا عقب طوفان تسونامي، وبدأت مناقشات سياسية يابانية حول إعادة النظر في الدستور الياباني "السلبي" كي تشارك اليابان في عمليات الأمم المتحدة العسكرية، وسعت إلى الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي (مما يشكل هاجسا مزعجا للصين)، وجاءت زيارة رئيس الوزراء كويزومي قبل أشهر لنصب "ياسكوني" التذكاري الذي يضم بعض مجرمي الحرب العالمية الثانية لتثير غضب الجيران الذين عانوا مرارة الاحتلال الياباني. وهذه كلها إرهاصات بدور ياباني جديد في التوازن الإقليمي إزاء الصين.

وكانت زيارة بوش الأخيرة - لشبه القارة الهندية- بامتياز مكافأة للهند بالتكنولوجيا النووية المتقدمة سعيا لإدخالها التحالف المضاد للصين، وتوبيخا لباكستان التي بذلت غاية التعاون في "الحرب على الإرهاب".

حرب باردة أخرى؟

ينتظم الوجود العسكري للولايات المتحدة في آسيا تحت قيادة المحيط الهادي "باكوم" PACOM. وهي باستمرار أكبر قيادات المناطق الأمريكية وأكثرها قوة ومهابة، وتشمل حوض المحيط الهادي بالكامل بما في ذلك نصف سطح الأرض وأكثر من نصف اقتصادها، وتضم أساطيل بحرية وجوية ومشاة بحرية وقواعد وجيوشا وتسهيلات بما يفوق كثيرا مثيلاتها لدى القيادة المركزية CentCom في الشرق الأوسط التي قامت بغزو واحتلال أفغانستان والعراق. في السنوات الأخيرة، كون الجيش الأمريكي تحالفات متنوعة من خلال التفاوض على اتفاقيات أمنية مع دول لا تربطها ببعضها الكثير من تلك الترتيبات، مثل فيتنام وسنغافورة وتايلاند وكمبوديا والفلبين، وذلك بمقر قيادة باكوم في هونولولو.

يرى المحلل الأمريكي روبرت كابلن أن المصالح التجارية والعسكرية الأمريكية، الواحدة تلو الأخرى، تتجه صوب سياسة ردع للصين تتسم بالتحفظ، وذلك بدون استفزازها بلا داع، وهو ما يزيد من أهمية ودور باكوم. هذا الموقف تجاه الصين والمحيط الهادي مع الاستقرار القائم فيه يؤكد بدوره فكرة الحرب الباردة الجديدة التي يمكن أن تدوم لفترة طويلة جدا. وستلعب باكوم في هذه الحرب دور الناتو في الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي السابق.

يتوقع المراقبون أن يتحول مركز الاهتمام الأمريكي من الشرق الأوسط إلى المحيط الهادي في السنوات القادمة. وبصرف النظر عن حزبه، سيتبنى الرئيس الأمريكي القادم سياسة خارجية أقرب لسياسات الرؤساء الجمهوريين المعتدلين، مثل بوش الأب وفورد ونيكسون. وستصبح إدارة المخاطر أيديولوجيا حاكمة بدون مغامرات على نمط غزو العراق. كما أن دور باكوم في حوض الهادي لن يكون مقيدا من قبل السياسة الداخلية في واشنطن، أو ما يشابه اللوبي الإسرائيلي أو الإنجيليين البروتستانت المهتمين بالأرض المقدسة. كذلك، تجد ضباط باكوم قلقين من أن تعلن تايوان استقلالها، وهي خطوة قد تقود الولايات المتحدة إلى خوض حرب مع الصين، قد تكون في غير المصلحة القومية الأمريكية.

ويقول مايكل فيكرز، ضابط الاستخبارات السابق، أن الدخول في حرب مع الصين سهل. فهناك سيناريوهات غير تايوان؛ خاصة مع قيام الصين ببناء قدرات من الغواصات والصواريخ في أنحاء المحيط الهادي. ولكن المعضلة هي كيف تنهي الحرب مع الصين. فقد يعني إنهاء الحرب مع الصين إحداث شكل من أشكال تغيير النظام، لأننا لا نريد أن نترك في المكان نظاما مجروحا وغاضبا.

ولإنهاء الحرب، قد يضطر الأمريكيون إلى تقليص القدرة العسكرية الصينية لحد كبير، مما يهدد إمدادات الطاقة وقبضة الحزب الشيوعي على السلطة. ولن يكون العالم هو ذاته بعد الحرب؛ إنه طريق من الخطورة الكبيرة السير فيه، وفقا لمحلل من البنتاجون.

يبقى خيار باكوم الأفضل لردع الصين بواسطة محور عزل نسبي يمتد من جزر هاواي -مقر باكوم- إلى كبار الحلفاء مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وسنغافورة وأستراليا ونيوزيلندا والهند. وسيكون الهدف من هذا الترتيب هو إعاقة الصين ببراعة على النحو الذي استطاع به الناتو تحييد الاتحاد السوفياتي.

مواجهة الاحتواء

بيد أن الرياح تجيء بغير ما يشتهي البعض. فأحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وما تلاها من غزو واحتلال أفغانستان والعراق شغلت إدارة بوش وامتصت موارد مهمة، لم تترك مساحة للفعل ضد الصين أكثر من توبيخها لزيادة إنفاقها العسكري، مثلا.

والمرجح أن الصين سوف تواجه مخططات الاحتواء والردع بعدة طرق. فمن ناحية، تبقى الصين دولة ذات عقلية دفاعية، وستمضي قدما في تطوير أساليب وتقنيات تواجه بها التفوق العسكري الأمريكي، وتتمتع هنا بميزة هي أن جيشها تلميذ شديد التوق إلى المنافسة، ويتعلم بسرعة، ولديه تراكم من القوة اللينة التي تفصح عن موهبة مميزة في التكيف. وكانت الحروب في كل من كوسوفو والعراق قد دفعت مخططي الجيش الصيني إلى التركيز على مواجهة هيمنة التكنولوجيا الفائقة الأمريكية في أرض المعركة.

من ناحية أخرى، ستتابع الصين بناء علاقة تحالف مع روسيا؛ فرغم تباعدهما الذي طال أمده، كونت الدولتان تحالفا وليدا يسعى إلى عالم متعدد الأقطاب، ووسعا تعاونهما العسكري، ويقومان بتدريبات ومناورات عسكرية مشتركة. كذلك، من المرجح أن تسعى بكين إلى صرف التركيز الأمريكي عنها بإشغال واشنطن بقضايا أخرى، كأزمة البرنامج النووي لكوريا الشمالي حيث يؤدي دعمها الضمني أو الصريح لكوريا الشمالية وعدم تعاونها مع الجهود الأمريكية لأن تكون عرابا لمحادثات سداسية لا أفق أو نهاية لها. وانتشر التوتر في الإقليم؛ فاختلطت أولويات والتزامات مختلف الأطراف، بما يوهن مشروع الحلف المضاد للصين. ثم اندلعت أزمة البرنامج النووي الإيراني، ولا مصلحة للصين في نهاية قريبة لها، وبالتالي لا يتوقع أن تتعاون الصين كثيرا مع الغرب في فرض أو تطبيق عقوبات ضد إيران من خلال مجلس الأمن الدولي.

لكن الأهم من ذلك كله هو خلق الصبر في الثقافة الصينية والقدرة الفائقة على العمل بدأب على إنجاز الحلم الصيني سلميا، وربط أكبر عدد ممكن من الجيران والشركاء بعلاقات تجارة وتعاون وشراكة ومنافع متبادلة يعود خيرها على جميع الفرقاء، وتحول دون قيام حالة تكتل إقليمي أو دولي معاد لها. وهذا هو سر قوة الصين الناعمة!

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: إسلام ديلي- 28-8-2006

 

مواضيع ذات علاقة:

 

الصين... مستقبل غامض لتجربة "الجمع بين نقيضين"

الصين في القرن الحادي والعشرين :المؤتمر السنوي للمجلس المصري للشئون الخارجية

مَـنْ يـنـتـظـر مَـنْ  ؟ ... الهـنـد والـعـالـم

دول الخليج والصين

الصين قادمة 

لكي لا تلعب الصين في المنطقة الرمادية..!

منْ سيفوز بسباق القرن··· الصين أم الهند؟

الصين: القمع الديني للمسلمين الايغور

حول نهضة الصين

فلنكن على بصيرة بطموحات الصين العسكرية

ّّّّّّّاقتصاد مفتوح ... مجتمع مغلق

هلْ حقا الصين نمر من ورق ؟

آفــاق التجربــة الصينيــة··· وأسئلتهــا

فرصة العرب على المسرح الدولي في ظل تنامي نفوذ التنين الصيني

ماذا لو توقّفت الصين عن دعم الولايات المتحدة ؟

توجه الصين لزيادة مخزونها النفطي يثير قلق الأسواق

بدائل إفلاس العولمة

صراع القوتين العُظميين··· هل بلغ ساعة الخطر؟  

ميزان القوة العالمي يميل إلى آسيا

سؤال مرهق: هل تسيطر آسيا على القرن الحادي والعشرين...؟

هل عاد بوش من الصين بخفي حنين؟

مسلمو الصين... آخر المستفيدين من نفط مناطقهم