الشركات عابرة القارات

 

 

 

 

علي حصّين الأحبابي 

 

لا يخفى على أي باحث أو مهتم بموضوعات العلوم السياسية وبالذات المختصين في حقل العلاقات الدولية مسألة وجود فاعلين يلعبون أدواراً مهمة ومؤثرة في تسيير إدارة شؤون النظام الدولي.

ولقد اهتم حقل العلاقات الدولية بدراسة العلاقة على جميع مستوياتها بين الدول العالمية في النظام الدولي، ولهذا الحقل أهمية كبيرة جداً حيث انه استطاع أن يفهم انطباعات الدول وأن يفسرها، واستطاع أن يميز بين السياسة الرسمية والسياسة غير الرسمية بين الدول وعلاقاتها بالأطراف الدولية في النظام الدولي. كما أن هذا الحقل استطاع أن يميز بين العلاقات الدولية والسياسة الدولية وبيّن اختلافها من حيث المفاهيم والمضمون.

واستطاع أيضاً أن يميز بين الفاعلين في النظام الدولي فمثلاً: هنالك فاعلون دوليون وهم الدول في النظام الدولي، وفاعلون دوليون من غير الدول وهم الذين برز دورهم بعد الحرب العالمية الثانية، ويتمثل شكل هؤلاء الفاعلين في شكل منظمات دولية مثل: الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي، وهذه المنظمات الدولية تشترك الدول في عضويتها وتعمل بتنسيق معين تحت مظلة المنظمة الدولية المنتسبة إليها.

وهنالك أيضاً فاعلون غير الدول قد يكونون محدودي الحجم، ولكن بالرغم من ذلك إلا أن لهم تأثيراً كبيراً على النظام الدولي ككل مثل: منظمة الدول المنتجة للنفط «أوبك» والشركات المتعددة الجنسية.

بدأ ظهور الشركات المتعددة الجنسية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وقد وجدت هذه الشركات في هذا الزمن المعولم التربة الخصبة والبيئة الصحية كي تنمو وتتسع على مستوى العالم. فمع نهاية القرن العشرين احتلت 53 شركة متعددة الجنسية مكانتها من بين قائمة 100 أكبر الاقتصادات على مستوى العالم.

وباتت هذه الشركات الضخمة تنافس الدول وفي بعض الأحيان نجد أن ناتج بعض هذه الشركات العملاقة يفوق الناتج القومي لكثير من دول العالم. فمثلاً نجد أن شركة ميتسوبيشي اليابانية وصل دخلها لعام 2001 إلى 126 مليار دولار أميركي. كذلك الحال مع شركة محلات وول مارت التجارية التي وصلت عوائدها في عام 2002 إلى 247 مليار دولار، وإذا ما قورنت هذه العوائد الضخمة لهذه الشركات العملاقة بالناتج القومي لبعض الدول فإننا نجدها تفوقه بدرجات.

 وبالنسبة لتعريف الشركات متعددة الجنسية فقد ظهر الكثير من التعريفات والمفاهيم بعدد الذين حاولوا الاجتهاد في هذا الموضوع أو ربما أكثر من ذلك، ولقد اختلفت هذه التعريفات من عالمٍ إلى آخر فمثلاً: يرى البعض أنها أي مؤسسة ذات فرع أو شركة منتسبة أو شركة تابعة أجنبية واحدة أو أكثر وتنخرط في الاستثمار في أصول إنتاجية أو مبيعات أو إنتاج أو تشغيل الفروع والتسهيلات الأجنبية. ما هذا إلا تعريفٌ واحد من أصل عدة تعريفاتٍ أخرى للشركات متعددة الجنسية والتي تضمنها الأدب الاقتصادي بكثرة.

 وتصوغ الشركات متعددة الجنسية معظم خططها واستراتيجياتها وسياساتها في المركز الرئيسي لها ويكون ضمن مجال قومي معين (دولة معينة) تدعى بالدولة الأم. وبالرغم من ذلك فإن حجم نشاطات الشركة مثل: النشاط الصناعي أو التجاري أو المعلوماتي قد يتجاوز الحدود السياسية والوطنية والإقليمية لهذه الدولة التي تعمل على أرضها (الدولة الأم) ويتوسع هذا النشاط حتى يصل مداه إلى دولٍ أخرى تسمى بالدول المضيفة.

ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن كلاً من الدول المضيفة والشركات متعددة الجنسية تربط بينهما علاقة منفعة متبادلة، ولكنها تكون متفاوتة على حسب قدرة كل طرف في جلب المنفعة المثالية إليه.

فالشركات ذات النشاط العالمي تسعى لتحقيق مصالحها من خلال امتداد نشاطاتها في الدول المضيفة الأخرى، فهي تهدف إلى تخفيض نفقات عناصر الإنتاج قدر الإمكان، إضافةً إلى كونها تحاول تخفيض تكاليف نقل السلع التي تنتجها، كما أنها ترمي إلى الاستفادة القصوى من الأسواق الاستهلاكية الضخمة الموجودة في الدول الأخرى.

وبطبيعة الحال ليست الشركات عابرة القارات هي وحدها التي تسعى لتحقيق مصالحها. كذلك الدول المضيفة لها تسعى جاهدةً لتحقيق الاستفادة من النشاطات التي تمارسها على أرضها، فنشاطات الشركات العابرة للحدود القومية توفر فرص عمل للقوى العاملة المحلية وبالتالي فهي تساهم في تخفيض نسب معدلات البطالة في الدول المستضيفة، كذلك تحقق الدول المستضيفة مورد دخل لاقتصادها المحلي من خلال فرض الرسوم أو الضرائب على نشاطات هذه الشركات أو على أرباحها التي تحققها.

كما أن النشاطات التي تمارسها الشركات متعددة الجنسية على أراضي الدول المضيفة يكسبها فرصة ثمينة تكمن في اكتساب الخبرات والمهارات الصناعية للعمالة المحلية، إضافة إلى انتقال التقنية المتقدمة إلى هذه الدول وهذا في حد ذاته مكسب مهم.

وتتمتع هذه الشركات العملاقة الحجم بعدة صفات فهي شركات عالمية النشاط وبالتالي تمثل إحدى السمات الأساسية للنظام الاقتصادي العالمي الجديد. كما أنها شركات ذات قدرات تمويلية هائلة.

إضافة إلى كونها تلعب دوراً مهماً يصل إلى دور القائد في الثورة العلمية التكنولوجية من خلال دعمها للبحوث والتنمية التكنولوجية. ومما لا شك فيه أن هذه الشركات العملاقة تمتلك قوة كبيرة تخولها أن تؤثر بشكلٍ أو بآخر في كثيرٍ من المجالات، فمثلاً يستطيع هذا النوع من الشركات التأثير على مجريات الحياة الاقتصادية في أي دولةً كانت. وهذا يحدث عندما تقوم هذه الشركات بتحريك مبالغ ضخمة من الأرصدة النقدية، وبالتالي فإن ذلك يكسبها قدرة التأثير على مركز العملة في البلد المعني.

وبما أن هذه الشركات تمتلك قوة اقتصادية هائلة لا يستهان بها فمن الطبيعي أن نجد قوة تأثيرها تصل إلى مستوياتٍ أعلى مثل: التأثير على مراكز صنع القرار السياسي، ولقد بات هذا التأثير القوي للشركات الضخمة يهدد الاستقرار السياسي في كثير من دول العالم، ففي عام 1976 تسببت الشركات الأميركية بسقوط الحكومة الإيطالية وإعلان الانتخابات العامة بسبب أزمة الليرة وافتضاح ارتشاء الأحزاب السياسية الحاكمة. ليس هذا فحسب بل إن كثيراً من الحروب الصغيرة والانقلابات العسكرية أثبتت كثيرٌ من التحقيقات أن الشركات متعددة الجنسية كانت وراء مثل هذه الحالات.

وفي حقيقة الأمر إن دور هذه الشركات متعددة الجنسية يتعاظم ويقوى يوماً بعد يوم، فهذه الشركات تسيطر على جزءٍ مهم من حركة التجارة الدولية من خلال ضخامة قدرتها التسويقية والإنتاجية، فحوالي 80% من مبيعات العالم تتم من خلال هذه الشركات عالمية النشاط، إضافةً إلى إسهامها في زيادة نسبة الاكتشافات التكنولوجية الحديثة.

 جامعة الإمارات قسم العلوم السياسية

ali_alahbabi@hotmail.com

 و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح- 19-9-2006