رؤيـة فــي أســباب الـتـضخم في العراق

 

علي دنيف حسن

 

غالبا ما يعرف التضخم بـ(ارتفاع معدل الاسعار، اي انخفاض قيمة الوحدة النقدية) او (هو الارتفاع المستمر في الاسعار وليس مجرد اسعار مرتفعة). قد اشار كينز الى ان (التضخم الصحيح هو الوضع الذي لا تؤدي فيه اية زيادة اضافية في مجموع الطلب الى زيادة اضافية في الانتاج).. وبشكل عام وعلى الرغم من اختلاف تعاريف التضخم واشكاله واسبابه، يبقى التضخم ظاهرة نقودية اكثر من اي توصيف اخر. ويتطلب السيطرة عليه بالمقابل السيطرة على عرض النقود بحيث ينمو بمعدل يتسق مع نمو الطلب عليها وعند اسعار مستقرة.

ويشهد الاقتصاد العراقي تضخما خطيرا غير مسبوق استنادا الى مجمل التقارير الصحفية وخلاصة الندوات والدراسات الاقتصادية المتعلقة في هذا الجانب فضلا عن الحقائق الملموسة على الارض فقد انخفضت القيمة الحقيقية للنقود في السوق العراقية بشكل لافت للنظر، ولم تعد كميات كبيرة منها كافية لشراء سلعة او خدمة بسيطة، لدرجة اصبحت عملية متابعة زيادة اسعار السلع والبضائع والخدمات في العراق لتقدير معدلاتها عملية تكتنفها الصعوبات، بسبب الزيادة المستمرة في ارتفاع اسعارها.

وتتضارب نسب التضخم المعلن عنها في العراق ما بين ما يعلنه الجهاز المركزي للاحصاء وتكنولوجيا المعلومات في وزارة التخطيط والبنك المركزي العراقي وما يلمسه المواطن العادي على ارض الواقع.

ويشير تقرير شهر آب 2006 للتضخم الذي انجزه الجهاز المركزي للاحصاء وتكنولوجيا المعلومات الى ان مؤشر التضخم لهذا الشهر قد ارتفع مقارنة بشهر تموز للعام نفسه.

كما يعكسه الرقم القياسي العام لاسعار المستهلك بنسبة (51.1%) وقد كان ذلك حصيلة ارتفاع الرقم القياسي لجميع المجاميع السلفية وهي (المواد الغذائية، الدخان، والمشروبات، الاقمشة والملابس والاحذية، الاثاث، الوقود والاضاءة، النقل والمواصلات، الخدمات الطبية والادوية، سلع وخدمات متنوعة، والايجار)  بنسب ارتفاع قدرها (61%، 0.1%، 1.5%، 0.8%، 57.8%، 20.8%، 7.0%، 3.3%، 0.7%) علما ان الانفاق على هذه المجموعة يشكل 100% من مجموع الانفاق الاستهلاكي العائلي، فضلا عن ارتفاع مؤشر التضخم السنوي خلال الفترة من اب/2005 ولغاية اب/ 2006 بنسبة 67.6% وذلك نتيجة لارتفاع الرقم القياسي لجميع المجاميع السلعية الوارد ذكرها اعلاه بنسب ارتفاع قدرها (39.7%، 12.8%، 26.7%، 14.2%، 321.8%، 235.8%، 22.6%، 37.5%، 34.7%) على التوالي.

تاريخ التضخم

لقد أوضحت الكثير من الدراسات ان معدلات التضخم في العراق قبل العام 1980 كانت معتدلة، حيث ارتفع الرقم القياسي لاسعار المستهلك بنسبة 5% للمدة من 1960- 1968.

ونتيجة لارتفاع وتائر التنمية الاقتصادية في العراق وتاميم النفط وتصحيح اسعاره فقد شهدت المدة بعد عام 1968 زيادة في عرض النقد من 32.5 مليون دينار عام 1972 الى 139.8 مليون دينار عام 1974.

وحتى انتهاء الحرب العراقية - الايرانية في عام 1988 فقد اتجه الرقم القياسي لاسعار المستهلك نحو الارتفاع طيلة المدة من (112.8%) عام 1971 الى (397.3%) عام 1988، مسجلا في ذلك معدلاً سنوياً بلغ 11.3% وهكذا ارتفع عرض النقد من (625.6) مليون دينار عام 1975 الى نحو (2650.2) مليون دينار وبمتوسط نحو بلغ (29%) ونستنتج من تحليل مكونات عرض النقد ومصادره ان حالة العراق قبل الحصار تشير الى ان عملية تصدير النفط الخام اصبحت مساوية لطبع نقود ورقية جديدة. حيث كانت هناك صورة من الارتباط التلقائي بين عمليات الانفاق الجاري والاستثماري، وخلق النقود الوطنية ذات الاصل النفطي، ما ترتب عليه اثر توسعي في المعروض النقدي بشكل عام والعملة في التداول بشكل خاص.

واستمر عرض النقود بالارتفاع من 5و3645 مليون دينار عام 1981 الى 7و8316 مليون دينار عام 1987 بمتوسط نمو سنوي بلغ ((7و18%)).

اما بعد العام 1990،  ونتيجة للحصار الاقتصادي وما احاط به من ظروف. فان نسب فائض الطلب الى المعروض السلعي قد ازدادت بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 6و115%. وازداد عرض النقد من (24670) مليون دينار عام 1991 الى مايقارب ((298189)) مليون دينار عام 2003 اي بنسب نمو سنوي مركب بلغت نحو ((3و44%)) في حين لم ينمُ الناتج المحلي الاجمالي بالاسعار الثابتة الا بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 8و10%) ويعني ذلك ان الضغط التضخمي خلال المدة ((1991 ـ 2003)) كان بمعدل 5و33% وهي نسبة كبيرة بالتأكيد.

 أسباب التدهور الاقتصادي

 تعود ظاهرة التضخم في العراق الى اسباب عديدة اغلبها تاريخي، فالتضخم ليس وليد لحظته، وانما تعود اسبابه بمجملها الى تدهور الاقتصاد العراقي بشكل عام في العقود التي سبقت سقوط النظام السياسي في العام 2003. وتتلخص عوامل التدهور بما يلي:

1 ـ  تحول الاقتصاد العراقي الى اقتصاد ريعي يعتمد اعتماداً كلياً على واردات بيع النفط في الانفاق العام، لاسيما بعد فشل اغلب مشاريعه الصناعية الانتاجية بسبب سوء التخطيط والادارة وعدم استحضار الآفاق المستقبلية للصناعة، وانزواء الانتاج الزراعي المحلي، اذ أخذ العراق يعتمد على استيراد المنتجات الزراعية التي كان هو من مصدريها الاساسيين كالحبوب والفواكه.

2 ـ الاعتماد على الاقتصاد الموجه من قبل الدولة، إذ الغى هذا الاعتماد دور القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية، وهو ماجعل هذا القطاع قطاعاً هشاً ضعيفاً يفتقد الى الخبرة والممارسة قياساً بما تتصف به القطاعات الخاصة في الدول الأخرى. وهذا ماحرم الاقتصاد العراقي من أحد اجنحته المهمة في انعاش العملية الاقتصادية في العراق، فضلاً عن ان القطاع العام كان بيئة صالحة لتفقيس الفساد المالي والاداري وتفشي المحسوبية والمنسوبية وقلة الانتاج ورداءة النوعية بشكل عام.

3 ـ دخول العراق في اكثر من أزمة سياسية وعسكرية بدءاً بالحرب العراقية الايرانية وانتهاء بحرب الخليج الثانية مروراً  بكارثة غزو الكويت، وتعرضه للحصار الاقتصادي. فأصيبت الميزانية العامة للبلاد بعجز ليس له مثيل، وترافق هذا مع ازدياد حجم الديون الخارجية ومبالغ تعويضات الحرب. وهذا مادفع النظام السابق في مطلع الستينيات الى القيام باصدار العملة بدون غطاء ذهبي وبمطابع محلية لاعمار البلاد. وهو مازاد عرض النقود باحجام مضاعفة عما كانت عليه.

4 ـ الدمار الذي لحق بالبنى التحتية العراقية نتيجة للحروب المتلاحقة. فقد تسببت تلك الحروب بتدمير الكثير من المصانع الانتاجية ومحطات الكهرباء والوقود ومخازن الحبوب والمياه والطرق والجسور والمؤسسات الصحية والتعليمية والخدمية. وهي بنى مازالت تحتاج الكثير من الأموال الطائلة لاعادتها للخدمة في الوقت الحاضر. فضلاً عن انها شكلت عائقاً امام مشاريع ومحاولات التنمية سابقاً.

5 ـ انتشار البطالة وتزايد العاطلين عن العمل بشكل متصاعد قبل سقوط النظام وبعده، فضلاً عن ان الشريحة الكبرى من العاطلين وحتى بعض العاملين، هي شريحة غير ماهرة تفتقد الى العديد من الخبرات الفنية والتقنية التي تتطلبها المشاريع الانتاجية الحديثة، لاسيما بعد دخول الأجهزة التي تعتمد على تقنية البرمجة والمعلومات في الانتاج.

 أسباب التضخم

هناك أسباب عديدة تجعل من ظاهرة التضخم في العراق، ظاهرة ملزمة ومواكبة وعصية على المعالجة في الاقتصاد العراقي، وابرز هذه الأسباب.

1 ـ انعدام النهج الاقتصادي:

اذ كان الاقتصاد في عهد النظام السابق اقتصاداً هجيناً، فلا هو بالاقتصاد الموجه بشكل كامل، ولا هو بالاقتصاد الحر، فضلاً عن انه كان اقتصاداً مغامراً، قصير النفس، يعتمد على نظريات ومناهج شتى تحمل التناقض فيما بينها. ولايتصف بالسمة الموحدة  لهياكله وآلياته وبناه، ويمكن وصفه بالتبعية للقرارات السياسية المتقلبة والمتعجلة. اما بعد سقوط النظام، فما زال الاقتصاد العراقي غير خاضع لنظم او سياسات محددة، تستشرف آفاق المستقبل.

2 ـ فوضى الانفاق الحكومي:

وهي السمة التي رافقت الاقتصاد في عهده الماضي والجديد، فلقد لعبت قرارات زيادة رواتب الموظفين والعاملين في الدولة، وكذلك منح الهبات والاكراميات دوراً مهماً في اغراق السوق بالعملة، وهو مادفع الى ارتفاع الاسعار وانخفاض القوة الشرائية للنقود، فضلاً عن ان الانفاق هذا مازال يهدر في مشاريع غير ذات جدوى، ويدعم الكثير من السلع فيجعلها زهيدة الثمن وصالحة للتهريب الى خارج العراق لارتفاع ثمنها هناك.3 ـ جدلية الضرائب والاستيراد:

تشهد الأسواق العراقية تدفقاً لم يشهد له مثيل في السلع والبضائع والأجهزة والمكائن المختلفة، وتتصف جميعها برداءة النوعية وانخفاض المتانة والمقاومة، وهو مايثقل دخل المواطن العراقي، ويجعله دائم الشراء لهذه البضائع الشديدة الاندثار والعطل. فضلاً عن ان مثل هذا التدفق في السلع والبضائع المستوردة يجب ان يقابله اقتطاع ضريبي مقنن ودقيق، يمكن من خلاله السيطرة على سوق العملة وتداولها والحدّ من هبوط قدرتها الشرائية. لكننا بالمقابل نرى ان الحكومة قد سارعت الى فرض الضرائب على موظفيها وجبايتها بدقة تاركة كبار المستوردين والتجار الآخرين بعيداً عن التحاسب الضريبي .

4 ـ انفلات الوضع الأمني:

وهو الآخر يعيق مجمل الجهود المبذولة لاصلاح واعادة اعمار البنى الاقتصادية التحتية في العراق، بالاضافة الى انه يعيق عمليات مهمة أخرى كالاعتماد على الاستثمار المحلي والأجنبي في اقامة المشاريع الاقتصادية الضرورية لحاجات العراق الملحة. كما يثقل هذا الانفلات ميزانية الدولة بما يتطلبه من انفاق على عمليات تدريب وتسليح القوات العسكرية العراقية، ويحملها كذلك اعباء الخسائر البشرية والمادية التي تتعرض لها المنشآت العراقية المختلفة كافة.

5 ـ الأزمات المتشابكة:

يشهد العراق ازمات متلاحقة ومتشابكة ترهق اقتصاده وماليته وموارده العامة. كأزمة الوقود والكهرباء والماء وهي ازمات لم تحل حتى الآن بصورة موضوعية شاملة، اذ بقيت حلولها حتى الآن مؤقتة وشكلية، ولم تمس هذه الحلول الجذور الحقيقية لهذه الأزمات، على الرغم من انها كلفت ميزانية الدولة ارقاماً  كبيرة. فضلاً عن تلاعبها بأمن المواطن واستقراره وتفاؤله بالمستقبل المنتظر.

6 ـ انتشار الفساد المالي والاداري:

في معظم أروقة الدولة. وعجز الأجهزة الرقابية عن ملاحقة المفسدين، واتخاذ الاجراءات القانونية بحقهم. وهذا ماجعل المال العام عرضة للسلب والنهب من قبل افراد وجماعات مختلفة لعدم وجود قوانين رادعة واجراءات صارمة تتخذ بحقهم. وهو ما انعكس بشكل واضح في فشل مشاريع التنمية الجديدة وهشاشتها مادياً وبشرياً.

7 ـ وجود الاقتصاد الخفي:

وهو مجمل العمليات الاقتصادية  التي تدور في الخفاء بعيداً عن انظار الدولة وسجلاتها الرسمية، كعمليات تهريب العملة والآثار والوقود والمخدرات والاسلحة وغيرها، بالاضافة الى الأموال المستخدمة في دعم الحركات والأحزاب السياسية، وهو اقتصاد غير خاضع لاجراءات السياسات النقدية والاقتصادية للدولة، بل تكون أطرافه بالضرورة أحد عوامل هدم الاقتصاد العراقي.

8 ـ انعدام الثقافة الاقتصادية:

وهي سمة تتصف بها اغلب شرائح الشعب العراقي من خلال ابتعادها عن ترشيد استهلاكها اليومي للطاقة، والادخار، والتأمين على الحياة وما الى ذلك من عمليات تامين المستقبل، فاغلب هذه الشرائح سباقة لشراء ما تعرضه الاسواق من سلع وبضائع وخدمات، على الرغم من ارتفاع ثمن هذه السلع وقلة كفاءتها وهو ما جعل العملة تفقد قيمتها الشرائية يوما بعد اخر.

...................................................

المصادر :

1- د. ابراهيم موسى الورد - التضخم في العراق: اسبابا واثارا ومعالجات - جريدة المدى - 14/ 9/ 2006    

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و بدون تعليق.

المصدر: جريدة الصباح-15-10-2006

 

مواضيع ذات علاقه:

أثر التضخم ومعدلات الفائدة في أسعار الصرف

ما هو التضخم

الانكماش العالمي .. الأسباب والعلاج ؛ روئية صينية

دل التضخم مؤشر هام للاستثمار!!

ارتفاع أسعار النفط ومعدلات التضخم

عن التضخم باختصار

التضــــخم و الدور الذي يمكن يلعبه البنـك المركـزي العراقي فـي الحـد منه