حلم التنمية...متى سيتحقق؟

 

 

قيل الكثير من الكلام حول موضوع التنمية، وسُطِّرت حولها مجموعة كبيرة من الدراسات والأبحاث، وغدا الكل يتحدث عن المحور الذي يرى أنه الأجدى بالطرق فيما يرتبط بالطريقة المثُلى لتحقيق حُلم التنمية. ومن المحاور المطروقة فيما يخص التنمية: محور التنمية الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والعسكرية، والبيئية، والثقافية، والأسرية و...إلخ، وبطبيعة الحال تظل مجتمعاتنا بحاجة ماسة للتنمية في كل هذه المجالات، ولا حاجة لاستدعاء الأرقام التي تكشف أننا نعيش تخلفاً في جميع حقول حياتنا! لذا يظل الحديث عن التنمية حديثاً هاماً في مجتمعات كمجتمعاتنا؛ علّنا نخطو خطوات تبعث فينا روح الأمل والتطلع نحو مستقبل أفضل.

وعندما نتحدث عن التنمية؛ فإننا نتحدث عن أهم الموضوعات التي تشغل الإنسان على وجه هذه البسيطة؛ فلا أتصور أن إنساناً ما، لا يعيش هاجس التنمية في ما يتصوره أمراً مُلحاً وضرورياً في حياته.

ولعلّ من أوضح الأمثلة التي ندلل بها على هذه الرؤية، هي مشاهدتنا لتدافع الناس إلى البنوك  -وأنا أولهم- من أجل الاكتتاب في هذه الشركة أو تلك، والكل يقول بلسان الحال: إنها فرصتي الذهبية لتحقيق الكسب وزيادة رأس المال.. أوليس هذا تفكيراً في التنمية؛ بل ممارسة عملية لها؟

فإذا كان الكل يفكر بموضوع التنمية بل يهرول باحثاً عن رضاها؛ فلماذا لا نزال نرزح في هذا التخلف الذي يحيط بنا من كل الجهات؟

لعلّ السبب الرئيس في ذلك؛ أننا أصبحنا لا نفكر إلا في تنمية مصالحنا، ولا يتعدى تفكير الواحد منّا أرنبة أنفه؛ لذا أصبحنا نعيش النقصان لا الزيادة! فالكثير منّا يركض باحثاً عن العلاج الذي يشفي أسقامه، ولكن القلة القليلة هي التي تفكر بعلاج أسقامها وأسقام الآخرين.. أليس كذلك؟!

فالتنمية المنشودة والمُرادة، هي تنمية مجتمع، بل تنمية أمة! أما التنمية الشخصية، وخاصة المادية منها؛ فهي في حقيقة الأمر، نموٌ محدودٌ يحققه فرد، وقد لا يتمكن من المحافظة عليه.. ألم نسمع مقولة سيد البلغاء والمتكلمين الإمام علي (عليه السلام)، وهو يقول: "هلك خُزّان الأموال وهم أحياء"! فعلى سبيل المثال: لو تمكنت مجموعة محددة في مجتمع ما من زيادة أموالها وعاشت الثراء والرخاء؛ وإلى جنبها أكثرية مهمشة ومسحوقة، فهل ستعيش -المجموعة الثريّة- في راحة واطمئنان؟ يتراءى لي أننا سنشهد ازدياداً في السرقات وأعمال التخريب وفقداناً للأمن؛ في ظل حياة انعدمت فيها الكثير من القيم والأخلاق؟!

لكن، ماذا لو فكرنا في التنمية الشاملة وبشكل جاد، أليس في ذلك تحقيقٌ لمكاسبنا ومكاسب الآخرين معاً؟

وفي هذا السياق أُذكِّر بالمثل الصيني المشهور الذي يقول: "إذا أعطيت الفقير سمكة فإنك ستسد بها جوعه؛ ولكن إذا علمته كيف يصطاد السمك فستكف يده عن استجداء الناس". فتقديم السمكة للفقير يبقى حلاً مؤقتاً؛ بينما تعليمه طريقة الصيد؛ هو الحل الأجدى والأنفع للقضاء على فقره وعازته.

ودعوني أتساءل هنا: إذا كان المدخل الصحيح للتنمية هو التفكير في التنمية الشاملة وعلى مختلف الصعد، فما هو الإنماء الذي يشكل أولوية أولوياتنا؟

هل هو الإنماء الاقتصادي، أم السياسي، أم الاجتماعي، أم الثقافي، أم ...إلخ؟

أتصور في هذه الوقفة السريعة بأن الأولوية الصحيحة تتشكل وتنبثق من رحم الواقع الذي نعيشه، وهي أولوية ينبغي أن نبصرها نحن، لا أن تمرر علينا، أو تفرض من أي جهة كانت!

فبعض الدول كانت تظن بأن الأولوية تتمثل في بناء الترسانة العسكرية، فراحت تبدل الغالي والنفيس من أجل ذلك، وما أن حانت ساعة الصفر، حتى خسرت كل شيء؛ لأنها لم تبنِ خططها وفق أسس سليمة، وقد عاصرنا وشهدنا مثالي: الاتحاد السوفيتي السابق، وديكتاتورية البعث الصداميّة!! 

وبكلمة موجزة أقول: من يفكر بموضوع التنمية -سواءً على مستوى الدول أو الشعوب-؛ فمن الضرورة بمكان أن تكون له أولوية معينة؛ يسعى جاهداً من أجل تحقيقها؛ على أن تعكس واقعاً حقيقياً وحاجة ماسة؛ وإلا سنتعثر في مشاريعنا التنموية إن هي افتقرت للدراسة والتخطيط. 

وفي نهاية هذه السطور أود التأكيد على أن التنمية الشاملة هي المقصد، ولكننا بحاجة لعمل جمعي يشارك فيه الجميع من منطلق: "كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته"، فهذا يُسهم بتنمية مجتمعه اقتصادياً، وثانٍ يُسهم في تنمية مجتمعه أسرياً، وثالث بيئياً، و...إلخ. ولتكن التنمية الثقافية هي المنطلق الأساس في طريقنا للتنمية؛ إذ هي بمثابة القاعدة لهرم التنمية المنشودة، فمن يمتلك الثقافة والعلم؛ فإنه الأقدر على تحقيق حُلم التنمية في مختلف جوانبها، ولنتذكر المثل الصيني!