عن التضخم باختصار

 

Briefly, on Inflation

 

 

من النظرة الأولى للموضوع نقول أن التضخم نوعان؛ تضخم التكاليف وتضخم النقد. النوع الأول هو تضخم من منظور ارتفاع التكاليف من داخل عملية إنتاج السلع المادية. أما النوع الثاني فهو تضخم من منظور ارتفاع الأسعار بغض النظر عن التغيرات في التكاليف المدفوعة المترتبة عن إنتاج تلك السلع.

فإذا افترضنا ـ في حالة شركتنا الزراعية الصناعية المتحدة الافتراضية ـ أن النسب الاجتماعية لعملية توظيف مكونات القوة العاملة لا تتغير بينما ترتفع أسعار السلع المادية، فان ذلك يشير إلى وجود تضخم نقدي تقليدي. أما إذا لم تتجاوز زيادة الأسعار مستوى ارتفاع تكاليف الوحدات الذي يحدده تغير ما في تركيبة قوة العمل، فان ذلك سيشير إلى وجود عملية تضخم التكاليف.

في الواقع، لا يحدث هذان النوعان من "الأنواع المحضة" ـ أي اللذان يحدثان في عزلة عن أحدهما الآخر ـ في عالم الواقع الحقيقي. ففي عالم الواقع تسبب التوجهات التي لها طبيعة تضخم نقدي تضخما في التكاليف، والتي لها طبيعة تضخم تكاليف تضخما في النقد أو انكماش الركود.

إن النقد الذي يطرح للتداول أو بدائل النقد (مثل الأوراق المالية القابلة للتحويل إلى نقد، أو الاعتمادات المأخوذة كمدفوعات وكمستحقات مقابل نقود) تذهب إلى مكان ما وفي آخر الأمر يتم إبرازها كمستحقات قابلة للتبادل مقابل ثروة ملموسة أو عمل. فمثلا، المدفوعات النقدية المأخوذة على حساب ربا مالي أو ريع الأرض هي جزء من عنصر "الإهدار" من {{النفقات الإضافية}}. إذ تذهب هذه النقود إلى حوزة المستلم {{مقابل لاشيء}}. إذ لا تحصل عملية تبادل وكل ما يحصل هو عملية أخذ. إن التعهد بدفع مثل هذه المستحقات، عن طريق إنتاج وتوزيع السلع المادية والعمل المدفوع له وغير ذلك، هو ضريبة تضاف ضمنيا إلى سعر كل شئ. وتبعا لذلك ترتفع التكاليف. أي أن ضغوط التكاليف ترفع الأسعار. فالاقتصاد يدفع اكثر لناتجه الإجمالي ولا يستلم أي شئ بالمقابل. {{تضخم}}. ولكن شخصا ما يستلم هذه النقود ويعرضها كاستحقاق واجب الدفع في هيئة ثروة ملموسة أو عمل في مكان ما.

ويمكن أيضا وجود احتمال أن يعاد تداول ذلك النقد كأساس لمزيد من الربا ولمزيد من المدفوعات وريع الأرض، الخ. وينمو الربا كالسرطان إلى نسب أعلى نسبيا في الاقتصاد ويمتص نسبا متزايدة باطراد من مدخول النقد للاقتصاد. ويسبب ذلك كسادا في مشتريات السلع المادية والخدمات: وتكون النتيجة التقليدية لذلك حدوث ركود متزامن مع عملية تضخم وهما الشيئان اللذان يميل إليهما هذا النوع من السرطان إن لم يتم إيقافه. مع ذلك تستمر كمية النقد عند المرابين بالتزايد، عن طريق السحب من إجمالي سيولة النقد للاقتصاد بنسب متزايدة. بذلك يزداد التضخم.

وربما يكون المرابون أنفسهم هم المنظمين لفقاعة متضخمة لريع الأرض. فارتفاع الإيجارات يعكس ارتفاعا في مكونات أيجار الأرض. ويقود أي سوق عقارات، تتحكم فيه نسب الكسب على أساس الأسعار، أي أسعار الأراضي التي بنيت عليها العقارات إلى الارتفاع إلى نسب عالية جدا بسرعة مفاجئة. تبعا لذلك تغادر الصناعة تلك المنطقة لعدم قدرتها على تحمل تكاليف أيجار الأرض المرفوعة عمدا. وتغادر الأسر ذات الدخل المتوسط أيضاً تاركة وراءها السكان شديدي الفقر وأيضا أغنياء وأثرياء المدن. وترتفع تكاليف الأجور بشكل هائل في تلك المناطق المتأثرة نتيجة للارتفاع الهائل في ريع الأرض المضاف إلى الإيجار (إيجار المنزل أو المبنى). فتغادر الصناعات بسرعة اكبر ويغادر موظفوها أيضا. فلا يبقى من بقايا النشاط الصناعي سوى تلك الصناعات عالية الربحية التي توظف الفقراء جدا.

وتشتري النقود الناتجة عن الربا المزيد والمزيد من ملكية الاقتصاد، بينما تستهلك الأسر المشتغلة في المراباة والمؤسسات الربوية كميات متزايدة من السلع المادية ونسب "اقتصادية" من {{النفقات الإضافية}}. لذا تتغير تركيبة النشاطات الاجتماعية والإنتاجية للاقتصاد. وتتغير تراكيب مكونات الدخل القومي. والآن يأخذ التضخم منحى تضخم تكاليف.

وينشر أحدهم إشاعة تقول "أن نسبة النمو بسرعة اكبر من اللازم تسبب التضخم". وقد يطرح نفس الشخص جداول ومخططات بيانية ليوثق ما يدعيه، إلا أن هذا الأمر مجرد هراء محض. فمن الطبيعي إذا وصل سرطان الربا (وغيره من عناصر {{الإهدار}} من النفقات الإضافية) إلى مرحلة من الارتفاع حيث تنمو حصته من نمو الإمدادات النقدية بالمقارنة مع بقية الاقتصاد، فإن التوسع النقدي سيغذي الإهدار بسرعة اكبر من نواحي الاقتصاد الأخرى. لهذا فإن الجهود المبذولة لتحفيز النمو الحقيقي في مثل هذه الظروف تترابط مع ازدياد نسبة التضخم.

تخيل زمرة من القتلة وقد نصبت كمينا على طريق بين بلدة وأخرى لمهاجمة وقتل العديد من المسافرين على ذلك الطريق. فماذا سيكون قولنا في مثل هذه الظروف في خبير يقال أن لديه الدليل الإحصائي الدال على أن زيادة معدل الوفيات في كل من المدينتين سببه كثرة السفر ما بين المدينتين؟

إن طرق التعامل مع التضخم هي:

1) تشجيع نسبة عالية من التقدم التكنولوجي في توليد ناتج متزايد من السلع المادية.

2) السماح بزيادة الإمداد النقدي الموجه فقط إلى أصناف مناسبة وصحيحة من الاستثمارات كما وضحنا سابقاً.

3) فرض الضرائب على مداخيل الربا ومكونات الإهدار المرتبطة به من "النفقات الإضافية" حتى تقود تلك الضرائبُ الربا إلى الانقراض.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: www.ankawa.com/forum/index.php/topic,18203.0.html

 

مواضيع ذات علاقة:

أثر التضخم ومعدلات الفائدة في أسعار الصرف

الانكماش العالمي .. الأسباب والعلاج ؛ روئية صينية

دل التضخم مؤشر هام للاستثمار!!

ارتفاع أسعار النفط ومعدلات التضخم