أميركا البوشية قبل عام مضى!

 

                                                                                                                                        

بول كروغمان

 

قبل عام مضى من الآن، توقع الجميع أن يتلمس الرئيس جورج بوش طريقه وخطواته، في تنفيذ ما أعلنه من خطط وبرامج الضمان الاجتماعي· وكان الخبراء لحظتها قد حذروا خصومه الديمقراطيين من مغبة ارتكاب خطأ سياسي فادح، باعتراضهم على خطته الرامية إلى تحويل الدفعات الضريبية المستحقة إلى الحسابات المصرفية الخاصة · 

وقبل عام مضى، كان قد توقع الجميع أن يصدر الكونجرس تشريعاً، يجعل بموجبه التخفيضات الضريبية التي يعتزمها الرئيس بوش، أمراً سارياً ومستديماً، على رغم التحذيرات القائلة إن من شأن خطوة كهذه، أن تسفر عن عجز مالي كبير في الموازنة، حسبما هو واضح وبديهي لكل من يفهم في الموازنات المالية· ولكن الذي حدث هو أن الكونجرس لم يتحرك، بينما تمت جدولة معظم التخفيضات التي ارتآها الرئيس بوش، على أن تنتهي مدتها بنهاية عام ·2010 وقبل عام مضى، أثار الرئيس بوش في الكثير من مواطنيه الأميركيين، شعوراً بالأمن والسلام، بسبب ما أحسوا به من جديته وقوة عزمه وشكيمته عندما تحل بالبلاد المحن والرزايا الطارئة، منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر ·2001 لكن ووفقاً للتقارير الإخبارية التي نشرتها مجلة ''نيوزويك'' فقد قرر مساعدوه إطلاعه على أسطوانة ''دي في دي'' أو نشرات تلفزيونية إخبارية، تعكس له مدى خطورة الأوضاع في المناطق التي ضربها إعصار ''كاترينا'' عقب وقوع الإعصار مباشرة!

وقبل عام مضى، أصبحت المحاباة والمحسوبية في الأجهزة والهيئات والوكالات الحكومية أمراً مألوفاً، مصحوبة بالإبدال الحثيث المحموم للكفاءات المهنية القادرة، بالعناصر السياسية العاطلة عن الكفاءة والموهبة، استناداً على ولائها للإدارة وحده ولا شيء غيره البتة· وقبل عام مضى، لم يســــــــمع أحــد مــــن الأمــــيركيين -خارج واشنطن- بما آلت إليه سمعة كل من جاك أبراموف وتوم ديلي زعيم الأغلبية في مجلس النواب، وبما فاحت به أخبارهما من رائحة تزكم الأنوف! ثم انظر كم كانت عيون الإعجاب تحيط بنائب الرئيس ديك تشيني قبل عام واحد، وهو الذي أصر على وجود حبل سري قوي، يربط ما بين صدام حسين وتنظيم ''القاعدة''، وهو عرَّاب ومهندس الغزو الأخير ضد العراق، وفي مقدمة القائلين إنه سوف يتم استقبال الجنود الغزاة، كما لو كانوا أبطالاً لتحرير العراق من ربقة صدام حسين، وصولاً إلى كونه أول القائلين إن التمرد الجاري هناك، قد استنفد أنفاسه الأخيرة وأصبح قاب قوسين أو أدنى من فراش الموت!

وقبل عام مضى، كانت لعنة البيت الأبيض كلها، قد حلت على الزعيم الديمقراطي هوارد دين، وبهت اسمه وسمعته، على رغم كونه من القلائل الذين تشككوا في مصداقية وصحة الأدلة التي قدمها وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول عن أسلحة الدمار الشامل العراقية أمام الأمم المتحدة، فضلاً عن كونه من القادة الأميركيين القلائل الذين حذروا من صعوبة وضراوة الحرب على العراق، في الوقت الذي كان يتأهب فيه صقور واشنطن للانقضاض على بغداد، ولسان حالهم يقول ''ألا ما أطيب الفريسة··· وما أسهلها''!

وقبل عام مضى، تعاملت مؤسسة واشنطن الرسمية مع رئيس الوزراء العراقي السابق إياد علاوي، كما لو كان نداً للزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا· كيف لا وقد كانت زيارة علاوي لواشنطن في سبتمبر ،2004 قوة رافعة كبيرة لحملة بوش- شيني· غير أن الذي تكشف فيما بعد وخلال الزيارة، أن علاوي لم يكن سوى مثال آخر لأحمد الجلبي، أي أنه بطل من أبطال صالات مؤتمرات واشنطن وحفلاتها، ممن يعوزهم السند الشعبي الفعلي في بلادهم العراق·

وقبل عام مضى، كانت القناعة السائدة في أوساط الكثيرين أنه يتعين علينا أن نبقى في العراق، كي نستكمل المهمة التي بدأناها هناك، في حين علت أصوات قلة من منتقدي الحرب، بالقول إن كل يوم إضافي نمضيه في العراق، لن يزيد الوضع إلا سوءاً وتعقيداً، ولن يزيد النيران إلا اشتعالاً· لكن وبعد مضي عام واحد، أصبح عسيراً على المرء أن يبتلع تصريحات القائد الأعلى للقوات الأميركية في العراق، القائلة إنه كلما صغر حجم القوة العسكرية الأجنبية هناك، كلما كان أفضل، لأن صغر ومحدودية الحجم، لا يعززان الشعور بوطأة الاحتلال ولا بثقل وجوده· يا له من قول وتصريح قيادي!

وقبل عام مضى، لم نكن نعلم كأميركيين أن رئيس بلادنا كان يكذب علينا -أو أنه كان يضحك علينا بطريقة ما- بقوله في إبريل ،2004 وفي إطار حملة ترويجية لـ''قانون الوطنية''، ''إن مراقبة المكالمات الهاتفية الخاصة بالأميركيين، تتطلب استصدار إذن من المحكمة'' بما يؤكد عدم انتهاك القانون لحريات المواطنين ولا لخصوصياتهم! وفي المعنى ذاته أكد بوش ''بقاء الضمانات الدستورية على حالها، حتى في الأوضاع التي تستدعي القيام بما من شأنه حماية الأمن القومي، وإننا كأميركيين، إنما نولي اهتماماً كبيراً لقيمنا الدستورية''!

وقبل عام واحد مضى، كان معظم الأميركيين يثقون في نزاهة وأمانة الرئيس بوش· وقبل عام واحد مضى، لم نعد واثقين من تغيير الكثير من الساسة والخبراء لرأيهم وموقفهم القائل ''إن بلادنا لتؤكد دائماً السيادة المطلقة للدستور والقانون، وإن رئيسها نفسه ليس في وسعه أن يعلو على القانون''، وكان قد صحب خلفية هذا الحديث، إرغاء وإرعاد في قصة ''مونيكا لوينسكي'' الشهيرة! واليوم فقد حلت بنا آفة انتهاك القانون جهاراً نهاراً، من قبل الرؤساء الجمهوريين!

بول كروجمان : كاتب ومحلل سياسي أميركي

المصدر: مركز الدولي للدراسات أمريكا و الغرب – 31-12-   2005  ينشر بترتيب خاص مع خدمة ''نيويورك تايمز''