كيف ستحدد الطاقة معالم الهيكل الأمني الجديد لمنطقة الخليج ؟

 

عبد العزيز بن عثمان بن صقر

 

من المؤكد أنه لا يمكن ضمان أمن الطاقة للدول المصدّرة والمستهلكة على حد سواء في غياب الاستقرار السياسي والأمني. فجميع الدراسات والأبحاث تؤكد أن الشرق الأوسط ـ وخصوصاً منطقة الخليج ـ ستبقى المصدر الرئيسي لإمدادات النفط والغاز. وتفيد توقعات وكالة الطاقة الدولية أن يرتفع حجم الطلب العالمي على النفط بنسبة 50% من الحجم الحالي البالغ 82 مليون برميل يومياً ليصل إلى 121 مليون برميل يومياً في عام 2030، وأن يصل معدل النمو السنوي لاستهلاك النفط خلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2030 إلى 1.8%.

فبينما تساهم منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك) حالياً بنسبة 41% من الإنتاج وتحتفظ بمعدل ضخم يعادل 78% من الاحتياطيات العالمية المؤكدة رسمياً، هناك ثلاث دول فقط ـ هي السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والكويت ـ تساهم بنسبة 50% من إنتاج «أوبك». ومع تراجع إنتاج النفط في مناطق أخرى، مثل أمريكا الشمالية وبحر الشمال، فإن دول الخليج هي المؤهلة لتلبية معظم هذه الزيادة المطردة في الطلب العالمي على النفط.

في نفس السياق، فإنه على الرغم من أن جهات عديدة تشير إلى التطورات التي تمت في القطاعات النفطية في دول إفريقيا جنوب الصحراء وآسيا الوسطى، ما أدى إلى بروز توقعات بتراجع أهمية نفط الشرق الأوسط في المستقبل، غير أن هناك تساؤلات جوهرية لا تزال بدون إجابات واضحة حول ما إذا كانت هذه المناطق ودول أخرى مثل روسيا تستطيع التكيف والتعامل مع الطلب المتزايد على الطاقة أو تحديد مدى وجدوى أي إمدادات جديدة من الطاقة البديلة، وخصوصاً من حيث التكلفة وكمية الإنتاج، ولذلك فإنه ليس من قبيل المبالغة القول إن أهمية الشرق الأوسط ومنطقة الخليج لن تشهد تراجعاً نتيجة لهذه التوقعات.

لقد تعززت أهمية منطقة الخليج، بوصفها مصدراً رئيسياً لإمدادات الطاقة، وذلك لأن مصادر الطاقة البديلة لم تتطور بصورة كافية، بحيث يمكن أن تصبح بديلاً عن مصادر الطاقة الهيدروكربونية في المستقبل المنظور. كما أن أي تحول من هذا القبيل سيكون تدريجياً ويستغرق وقتاً طويلاً، وسيتطلب استثمارات ضخمة. لذلك، فإنه بينما ينبغي تشجيع ومواصلة جهود البحث والتطوير للحصول على مصادر جديدة للطاقة، بما فيها الطاقة البديلة، فإن القول إن هذه المصادر ستكون بديلاً موثوقاً على المدى المتوسط للنفط والغاز لا يزال يجانب الحقيقة. إن الاعتماد على نفط الخليج سوف يستمر في الازدياد في الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وبصفة خاصة في آسيا. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن من المرجح أن تسهم الصين بنسبة 20% من الزيادة العالمية في الطلب على الطاقة، وأن الهند والصين سوف تقومان باستيراد نحو 90% من احتياجاتهما من النفط بحلول عام 2030، يمكن القول إن الإقبال الكبير على موارد الطاقة قد بدأ بالفعل. والآن، يتم نقل نحو 26 مليون برميل يومياً من النفط عن طريق المعبرين الرئيسيين في العالم، وهما مضيق «هرمز» ومضيق «ملقا»، في المحيط الهندي بين ماليزيا وسومطرة. وفي الوقت نفسه سوف تزيد إمكانية التعرض للصدمات التي يُحدِثها انقطاع الإمدادات أو تعطيل تدفقها، الأمر الذي يعزز الاهتمام بأمن الممرات والمسارات البحرية وأمن خطوط الأنابيب. وفي حال حدوث ما يمكن أن يؤخر أو يُعطل تدفق النفط والغاز من منطقة الخليج فإن الدول الآسيوية وخصوصاً الصين والهند، ستبذل كل ما في وسعها لتأمين استمرار إمدادات الطاقة، الأمر الذي قد يقلص الاعتماد على الولايات المتحدة في ضمان أمن هذه المسارات. ومع ارتباط الأمن والإمدادات وأسعار الطاقة مباشرة مع أمن واستقرار منطقة الخليج، فإن السنوات القادمة مرشحة لأن تشهد تكثيف المنافسة وربما تنامي دور آسيا في منطقة الخليج.

إن المسألة الأساسية التي لا يمكن إغفالها في هذا السياق هي أنه في الوقت الذي تستمر فيه أسعار النفط في الارتفاع، فإن توقعات توفير طاقة بأسعار معقولة خلال المديين المتوسط والبعيد ستعتمد بشكل مباشر على الاستثمارات المستقبلية في قطاعي النفط والغاز بمنطقة الشرق الأوسط، ونعني بذلك الاستثمارات على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، وذلك بهدف زيادة وتشجيع عمليات التنقيب حتى تتمكن الدول المصدّرة للنفط من تلبية الاحتياجات العالمية من الطاقة، ولا بد من الإشارة إلى أن جذب المزيد من الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة سوف يكون صعب التحقق في غياب الأمن والاستقرار.

من المعروف أن منطقة الخليج، ومنذ وقت طويل، لم تنعم بفترات طويلة من الاستقرار. فخلال العقدين الأخيرين فقط، شهدت المنطقة ما لا يقل عن أربع حروب مدمرة، هي الحرب الإيرانية ـ العراقية (1980 ـ 1988)، والغزو العراقي لدولة الكويت في عام 1990، وحرب تحرير الكويت التي قادتها الولايات المتحدة في عام 1991، وحرب العراق التي قادتها الولايات المتحدة في عام 2003. وعلاوة على ذلك، نجد أن منطقة الخليج تقف اليوم على مفترق طرق، حيث تشهد تطورات عديدة تشمل التحديات الداخلية المتعلقة بالإصلاحات السياسية، وضغوط تزايد نسبة الشباب من السكان وتحديات الإرهاب، بالإضافة إلى التحديات الإقليمية مثل الإرهاب العابر للحدود وعدم الاستقرار في العراق، والتجاذبات الدائرة حول الملف النووي الإيراني والعوامل الخارجية الأخرى، حيث تنخرط أطراف دولية عديدة في لعبة توازن القوى الجارية في المنطقة.

إن الافتقار إلى الترتيبات الأمنية الإقليمية الفاعلة في الخليج يبقى السمة السائدة لهذه المنطقة، كما أن غياب المنظومة الأمنية أدى إلى تقويض خطير لإجراءات بناء الثقة، الأمر الذي أدى إلى زيادة الاعتماد على القوى الخارجية، إلى جانب انخراط هذه القوى ومشاركتها المباشرة وتدخلها في قضايا أمن المنطقة. إن الدور الأمريكي المتزايد في منطقة الخليج هو أمر أملته الظروف والتطورات التي شهدتها المنطقة، وقد أفرز مجموعة من التحديات الآنية والمستقبلية، ويبدو أن غياب هيكل مستقر للأمن في المنطقة يعزز من فرص استمرار هذا الدور لفترة من الزمن. ولا شك في أن مستقبل كل من المسألة العراقية وأزمة الملف النووي لإيران إنما يُعتبران من العناصر الرئيسية المؤثرة في مستقبل الدور الأمريكي في المنطقة. وبصفة عامة، فإن الدول العربية الخليجية، وعلى الرغم من علاقاتها الوثيقة مع واشنطن، فإنها تشعر بقلق عميق إزاء السياسة والسلوك اللذين قد تنتهجهما الإدارة الأمريكية في المنطقة وخارجها، ولا سيما أن دوائر القرار في واشنطن لم تدرك حتى الآن أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال ضمان أمن المنطقة واستقرارها باللجوء إلى الحلول العسكرية أو انتهاج سياسة العصا الغليظة. إن سياسة الإقصاء وتجاهل مصالح الأطراف الدولية الأخرى ومحاولات استمرار الاستفراد في هذه المنطقة المهمة من العالم لن يوفر لا الأمن ولا الاستقرار الضروريين لأمن الطاقة العالمي.

رئيس مركز الخليج للأبحاث

sager@grc.ae

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-4-7-2006