ارتفاع أسعار النفط ومعدلات التضخم

 

د. محمد العسومي

 

ظلت معظم البلدان المصدرة للنفط، ولسنوات طويلة، محافظة على معدلات متدنية للتضخم، وذلك على عكس البلدان النامية الأخرى التي عانت من تدهور أسعار صرف عملاتها باستمرار من جراء العجز المتواصل ونقص العملات الصعبة وقصور تغطية عملاتها الوطنية.

لقد كان تآكل القيمة الحقيقية لعملات تلك البلدان يشبه إلى حد بعيد تآكل أوراق الشجر بعد هجوم مكثف من أسراب الجراد، بحيث أصبحت عملات البلدان النامية غير النفطية تقدر بالوزن وليس بالحسبة العددية.

آثار هذه التطورات التضخمية كانت وخيمة على الاقتصاديات النامية وعلى المستويات المعيشية للسكان، خصوصاً وأن معظم هذه البلدان تعتمد اقتصادياتها على صادرات المواد الخام الأولية، وما تعرفه أسعارها من تذبذب في الأسواق العالمية.

الجديد في الأمر، هو تلك المعدلات العالية من التضخم التي سادت البلدان المصدرة للنفط بعد الارتفاعات الكبيرة لأسعار البرميل في السنوات الثلاث الماضية والتي ساهمت فيها العديد من العوامل الخارجية والمحلية، فأولاً هناك غلاء في أسعار السلع المستوردة ناجم عن ارتفاع الأسعار في بلد المنشأ، وهو ما يشكل النسبة الأكبر من معدل التضخم السائد في البلدان النفطية، علماً بأن غلاء الأسعار في بلد المنشأ ناجم بدوره عن تضاعف أسعار النفط الذي ترك آثاراً تضخمية غير مسبوقة في البلدان الصناعية ذاتها والتي تعتبر المزود الرئيسي للبلدان النفطية بمعظم احتياجاتها من السلع والخدمات.

العامل الآخر يكمن في الفرص الاستثمارية الكثيرة التي برزت مع ارتفاع أسعار النفط وما تبعها من الإعلان عن مشاريع ضخمة في كافة بلدان المنطقة وتدفق المزيد من الشركات والاستثمارات الأجنبية، مما أدى إلى ارتفاع الطلب المحلي على مختلف السلع والخدمات بصورة كبيرة، وبالأخص الطلب على العقارات السكنية والتجارية وارتفاع أسعارها بصورة خيالية خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.

وبما أن الكثير من المنتجات المحلية تعتمد على المواد الأولية المستوردة من الخارج وعلى مصادر الطاقة النفطية، فقد ارتفعت أسعار هذه المنتجات المصنعة محلياً، مما فاقم من معدلات التضخم وارتفاع الأسعار، وهو ما يشكل العامل الثالث الذي دفع الأسعار نحو الصعود.

هذه وغيرها من العوامل أدت إلى مستويات تضخم غير مسبوقة في البلدان المنتجة والمصدرة للنفط، كما تشير إلى ذلك العديد من الدراسات الإقليمية والعالمية الصادرة عن مؤسسات مرموقة، كصندوق النقد الدولي والمنظمات الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة.

القضية الأهم في هذا الجانب، تتمحور حول الكيفية التي يمكن بها الحد من مستويات التضخم من جهة والتقليل من آثارها الاقتصادية والاجتماعية السلبية على البلدان النفطية من جهة أخرى، والأداة المحورية في عملية التحكم هنا تكمن في أسعار المشتقات النفطية داخل هذه البلدان ذاتها، فكلما ارتفعت أسعار هذه المشتقات كلما ساهم ذلك في ارتفاع الأسعار وانخفاض القوة الشرائية للعملات المحلية، والعكس صحيح، فالإبقاء على أسعار المشتقات النفطية وتخفيضها سيساهم مساهمة فعالة في المحافظة على مستويات تضخم مقبولة بشكل عام، رغم أنها ستظل مرتفعة مقارنة بسنوات العقدين الماضيين.

أما الجانب الآخر والذي لا يقل أهمية، فإنه يكمن في إيجاد التوازن المطلوب بين مستويات العرض والطلب، وبالأخص في القطاع العقاري، فهناك زيادة كبيرة في أعداد السكان، سواء من المواطنين أو الوافدين.

إن مستويات التضخم الحالية في البلدان النفطية تتطلب معالجة لتجنب آثارها المستقبلية، فالنتائج التي تترتب على عدم معالجة مستويات التضخم المرتفعة تكون سلبية كما تشير إلى ذلك الأوضاع الاقتصادية في البلدان النامية المستوردة للنفط، فعملاتها في انخفاض مستمر تجاه العملات الرئيسية في العالم، والقوة الشرائية الداخلية تتراجع باستمرار، مما ينعكس على الأوضاع الاقتصادية العامة، كما أن ذلك لا يشجع على جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.

وكما يبدو، فإن العوامل التي ساعدت على ارتفاع مستويات التضخم، وبالأخص أسعار النفط المرتفعة، ستبقى قائمة في الفترة القادمة، وبالتالي، فإن معالجة قضية التضخم والحد منها قدر الإمكان باستخدام الأدوات الاقتصادية المتوفرة، يعتبر مسألة في غاية الأهمية للاقتصاديات النفطية وللاستقرار الاقتصادي في البلدان المنتجة للنفط بشكل عام.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-4-7-2006