البرازيل تنضم إلى نادي اللاعبين الكبار في الاقتصاد العالمي

 

 

تتهيأ البرازيل لكي تصبح المُصدَر الأول للطاقة في العالم في غضون عقدين أو ثلاثة، وهي في سبيلها لاحتلال موقعها بين القوى الاقتصادية الأولى عالمياً بعدما سددت ديونها وضاعفت حجم صادراتها من 60 بليون دولار إلى 120 بليون دولار في السنوات الثلاث الأخيرة فقط. ويمكن القول إن القمة التي جمعت أخيراً في فيينا رؤساء البلدان الأوروبية والبلدان الأميركية اللاتينية كرست دور البرازيل بصفتها زعيمة القارة الأميركية الجنوبية، ما يشكل متغيراً مهماً في المشهد الاقتصادي الدولي. 

الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا يرعى تأسيس شركة سيارات تستعمل البنزين والزيت النباتي  وكانت البرازيل تعتمد على الاستيراد لمجابهة حاجات اقتصاد سريع النمو لمصادر الطاقة، وهي الزبون الأول لجارتها الفقيرة بوليفيا التي تزودها بغالبية حاجتها من الغاز الطبيعي، ولذلك تأثر البرازيليون كثيراً من قرار الرئيس البوليفي إيفو موراليس تأميم قطاع المحروقات، واعتبر رئيسهم لويس إيناسو لولا دا سيلفا أن «ضربة» من هذا النوع «غير جائزة بين جيران». ويسعى دا سيلفا لإقناع موراليس بتوخي أسلوب التفاوض لوضع إطار جديد للعلاقات بين الجارتين في مجال الطاقة.

إلا أن البرازيل التي باشرت منذ سنوات تنفيذ خطة واسعة لتطوير مصادر الطاقة المحلية وبخاصة الطاقة الجديدة، استطاعت أن تحقق الاكتفاء الذاتي من النفط. وتتوقع مراكز الدراسات في أميركا اللاتينية أنها ستكون قادرة على إنتاج غالبية حاجاتها من الغاز الطبيعي في غضون سنتين فقط.

أما مصادر الطاقة البديلة التي طورها البرازيليون فهي أساساً الإيثانول والديزل البيئي (البايوديزل). وأعلنت «اللجنة الوطنية لسياسات الطاقة» أخيراً عن انطلاق تكرير الزيت الخام والزيت النباتي بغية خلطهما مع النفط. وبالاعتماد على هذه الطريقة سيحصل البرازيليون على كميات أكبر من البنزين والغاز والديزل.

ثورة الطاقة

ويطلق البرازيليون على هذه التحولات «ثورة الطاقة» المؤلفة من مرحلتين هما ثورة الإيثانول وثورة الديزل البيئي. وهم يُعولون على اتساع أراضيهم وكثرة الغابات والمناطق الخضراء لتطوير هذه المصادر المتجددة للطاقة التي يعتبرونها شرطاً لاحتلال موقع متقدم بين القوى الاقتصادية الأولى في العالم.

والبرازيل التي هي عملاق أميركا الجنوبية بلا منازع، تملك المقومات الطبيعية والبشرية التي تجعل منها قوة عالمية، فمساحتها تعادل 16 مرة مساحة فرنسا وعدد سكانها (170 مليون شخص) يعادل خمسة أضعاف عدد سكان إسبانيا. لكن الأهم من ذلك أنها تخلصت من عبء المديونية الذي كان يثقل حركتها، والموروث من عهد الحكومات العسكرية التي سيطرت على البلد نحو ربع قرن (من 1964 إلى 1985).

فقد سدَدت البرازيل كل ديونها لكل من صندوق النقد الدولي ونادي باريس، كما استكملت تسديد القرض الإضافي الذي حصلت عليه عام 1986. ويقدر الاحتياط المتبقي اليوم في الخزانة بنحو 61 بليون دولار. أما الميزان التجاري الذي كان يسجل عجزاً مستمراً فحقق فائضاً بسبب مضاعفة حجم الصادرات من 60 بليون دولار إلى 120 بليون دولار في السنوات الثلاث الأخيرة.

وبالنظر إلى أن الفقر المنتشر بين الملايين كان يشكل نقطة سوداء في المشهد البرازيلي، عكف الرئيس اليميني السابق فرناندو أنريكه كردوزو على مكافحته ببرامج اجتماعية مختلفة. غير أن الرئيس الحالي دا سيلفا، الآتي من «حزب العمال»، جعل من مكافحة الفقر التحدي الأول لحكومته، فضاعف النفقات الاجتماعية من سبعة بلايين ريال (3 بلايين دولار) في عام 2003 إلى 22 بليون ريال (9.5 بليون دولار) حالياً، ما نشَط الاستهلاك.

وأتاحت تلك الاعتمادات توزيع مساعدات نقدية على أكثر من تسعة ملايين أسرة في إطار برنامج «بولسا فاميليا» (المنحة الأسرية) والتي مكنت ثلاثة ملايين برازيلي من تجاوز خط الفقر. كذلك عزز البرازيليون الإنفاق على المؤسسات التعليمية، خصوصاً الجامعات، إذ أنشأوا أخيراً أربع جامعات اتحادية واستكملوا توسيع 42 جامعة محلية وفتحوا 32 معهداً جديداً للدراسات التكنولوجية. وبالاعتماد على خطة «برويوني»، التي تجمع من الصناعيين ضرائب لتدريس الطلاب، استطاعوا توزيع 204 آلاف منحة دراسية، خصص 40 في المئة منها لأبناء الأسر الفقيرة.

ومع ذلك يجابه العملاق الأميركي اللاتيني تحديات قاسية، فليس كل ما حققه نجاحات. وما من شك بأن الكتلة السكانية الكبيرة تشكل مصدراً للصعوبات بقدر ما توفّر من الميزات ونقاط القوة. فالفقر والجريمة ما زالا معضلتين كبيرتين، خصوصاً في المدن الكبرى، مثل ساو باولو وبرازيليا.

وكشفت أحداث العنف، التي كانت العاصمة مسرحاً لها في الأسابيع الأخيرة وأدت إلى سقوط 200 قتيل، إخفاق نظام السجون الذي أتاح لرؤساء العصابات إدارة الجرائم من السجن بواسطة الهواتف الخليوية، كما كشف عن ثغرات كبيرة في الأجهزة الأمنية وحتى في البناء المجتمعي. وتُعتبر الجريمة المنظمة في البرازيل ذات امتدادات دولية فهي تخترق عالم السياسة والمال والقضاء والإعلام، وتستخدم الفقراء في شكل واسع، خصوصاً في التهريب، ما حمل أحد الخبراء على اعتبارها «قطاع يصعب القضاء عليه لأنه أكثر تعقيداً من الجرائم العادية».

كذلك تُعتبر سياسة دعم العملة المحلية (الريال)، التي زادت قيمتها 70 في المئة منذ عام 2002، نوعاً من المخاطرة لأنها يمكن أن تؤدي إلى عرقلة التصدير الذي يشكل وقود الاقتصاد. ومع احتمال معاودة انتخاب دا سيلفا لولاية ثانية في الانتخابات المقررة لتشرين الأول (أكتوبر) المقبل، مثلما ترجح استطلاعات الرأي، يُتوقع أن تمضي البرازيل في استكمال بناء قوتها الاقتصادية التي ستتبوأ بفضلها مكانة بين الدول الصناعية الناشئة إلى جانب الصين والهند.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: الحياة اللندنية-2-7-2006