النفط في أسبوع - ثلاث أزمات سياسية - نفطية بانتظار الحلول

 

 

ارتبط النفط منذ بداية اكتشافه في منتصف القرن التاسع عشر بالسياسة والنزاعات الداخلية والإقليمية والدولية. ولا تخلو حقبة تاريخية من أمثلة على «تسييس» النفط والصراعات التي تدور حوله.

هكذا كان الأمر عند تقسيم الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى، أو عند الإطاحة بنظام مصدق في ايران في عام 1954، أو في حرب بيافرا في نيجيريا في الستينات، أو عند المقاطعة العربية في حرب 1973، او في حرب الناقلات بين العراق وايران في الثمانينات، أو أثناء الحصار الاقتصادي على العراق في التسعينات.

الآن، وعلى رغم التعاون والتنسيق الواضح أثناء الأزمات الطاقوية بين المنتجين والمستهلكين، تقوم مواجهات سياسية – نفطية حادة في ثلاث دول نفطية رئيسة بانتظار الحلول.

ففي منتصف شهر تموز (يوليو) الجاري، سيعقد مؤتمر القمة السنوي للدول الصناعية الثماني في مدينة بطرسبورغ الروسية. وعلى رغم هيمنة الملف النووي الإيراني على جدول الأعمال، إلا أن ملفاً آخر يستحوذ على اهتمام الرؤساء، وهو الخلاف حول استثمارات الطاقة. فالغرب يريد ولوج صناعة الطاقة الروسية، وفي شكل واسع وكبير، لكن الكرملين يطالب بمعاملته بالمثل، أي فتح المجال لشركاته النفطية والغازية، مثل «غازبروم» و «لوكويل» و «روزنفت»، في الاستثمار في الصناعات الطاقوية الغربية.

والغرب يرفض ويماطل. وروسيا تعامل الشركات الغربية معاملة الند للند. فقد وضعت روسيا سقفاً لحصة الشركات الأجنبية في شركاتها الطاقوية «الاستراتيجية»، كما أنها أجلت القرارات بخصوص عددٍ من المشاريع الكبرى، بانتظار ما ستحصل عليه من الغرب.

من ثم، فإن قمة بطرسبورغ ستشكل علامة حاسمة في العلاقات الاستثمارية ما بين الطرفين. فإذا اتفق المجتمعون على حل وسط، سيعني هذا مزيداً من الاستثمارات، كماً ونوعاً. أما إذا لم يتفقوا، فذلك يعني إقفال بابٍ آخر تحاول الشركات الغربية طرقه لزيادة احتياطاتها النفطية، ما سيدفع باسعار النفط إلى الأعلى.

واضح أن العلاقة الاستثمارية مع روسيا أساسية للشركات النفطية العالمية. فقد كان الافتراض في العقد الماضي أن روسيا ودول بحر قزوين سيتوفر البديل النفطي الاستراتيجي لنفوط الخليج. وتبين بعد سنوات، وانفاق بلايين الدولارات، ان بحر قزوين لا يحتوي على الاحتياط النفطي الذي تصورته بعض الدوائر في واشنطن. ويتبين الآن، بعد انتهاء عهد يلتسين حيث استطاع حفنة من الأفراد أن يجمعوا ثروات خيالية تقدر بعشرات بلايين الدولارات من خلال التلاعب بالقوانين، أن التعامل مع موسكو في عهد بوتين ليس بهذه السهولة، وليس من دون مساومات سياسية واقتصادية مهمة.

ثم اتجهت الانظار الى العراق. وتبين هنا ايضاً، لكن بعد فترة قصيرة جداً من الاحتلال، ان تطوير قطاع النفط العراقي لن يكون سهلاً. وبالفعل، وبعد أكثر من ثلاث سنوات، يحاول العراق بصعوبة أن ينتج الكمية النفط نفسها التي كانت تنتج في عهد النظام السابق.

أما بالنسبة لزيادة الطاقة الانتاجية، فالأمر أصعب. إذإ هذا الأمر مرتبط، أولاً وأخيراً، بالوضع الأمني في البلاد. إذ نُسفت وخربت أنابيب النفط باستمرار بحيث توقف تصدير نفط كركوك لمدة سنة تقريباً. والآن، وبعد وضع القوات اللازمة لحماية منظومة أنابيب الشمال، نلاحظ ظاهرة قتل وخطف موظفي وعمال صناعة النفط العراقية الأبرياء بشكل يومي تقريباً.

يضاف إلى فقدان الأمن في العراق، غياب القوانين اللازمة لتطوير قطاع الطاقة. وبدا يتضح منذ الآن، وحتى قبل أن تطرح مسودات القوانين أمام البرلمان، أن هناك وجهات نظر متباينة بين الأطراف الرئيسة في البلاد. فالمواد النفطية في الدستور كتبت إما بصورة غامضة تقبل التفسير والتأويل، ومن ثم المماطلة في اتخاذ القرارات الاستثمارية اللازمة، أو أنها همشت دور الحكومة الفيديرالية وسحبت منها الصلاحيات اللازمة لبناء وتطوير صناعة حديثة ومتكاملة تناسب دور العراق النفطي ووزنه في العالم حيث لديه ثاني أكبر احتياطات مؤكدة.

أخيراً، هناك المفاوضات حول الملف النووي الإيراني. وهي مرتبطة أولاً بدور إيران الاستراتيجي، ولكن أيضاً بصناعة الطاقة. فالغرب يريد الاستثمار في ايران، كما يفعل حالياً في ليبيا، ولا يمانع ان تبقي ايران على خبرتها النووية السلمية، على عكس ما اشترط مع العراق. لكن الذي تصر عليه الدول الكبرى، وهناك إجماع حول هذا الأمر، هو عدم السماح لطهران بتطوير القنبلة النووية. ومحور الاتصالات الحالية، قبل الدخول في المفاوضات التفصيلية، هو كيفية الوصول الى حل وسط يحفظ ماء الوجه للجميع.

ففي الحالة الإيرانية، كما هو الأمر مع العراق، وكذلك في روسيا، يمكن ان تستمر الأزمات لسنوات اخرى، أو كما يمكن الوصول الى حلول وسط ومرضية للأطراف المعنية. وهذه الدول الثلاث احتياطات كبيرة من النفط والغاز. لذا، سيكون للطريق الذي سيسلكه كل منها في الأشهر المقبلة، والسياسات التي ستحيط بها وتؤثر فيها خلال هذه الفترة، تأثير كبير على صناعة النفط العالمية في المرحلة المقبلة.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: الحياة اللندنية-2-7-2006