البيئة بنية تحتية للتنمية الاقتصادية المستدامة والحفاظ على التنوّع الحيوي ضرورة عربيّة

 

 

يحتفل العالم هذا العام بالمناطق الجافة، وحماية التنوع البيولوجي فيها، وهو ما عبّرت عنه نشاطات «اليوم العالمي للتنوع البيولوجي» أخيراً التي أشرفت عليها «أمانة الامم المتحدة لاتفاقية التنوع البيولوجي»، ومقرها مونتريال. كما اعتبرت الأمم المتحدة أيضاً عام 2006 «سنة دولية للصحارى والتصحر». وفي لقاء مع «الحياة»، أعرب المدير الاقليمي لـ «الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة» (IUCN) International Union for Conservation of Nature لإقليم غرب ووسط آسيا وشمال أفريقيا الدكتور عودة الجيوسي، عن اعتقاده بأن المناطق الجافة مصدر غني بالموارد الطبيعية. كما تتميز هذه المناطق بثراء اجتماعي وثقافي. وتُعتبر مصدراً للمعرفة المحلية مثل الحصاد المائي والعمارة المستدامة التي تستفيد من الطاقة المتجددة وغيرهما.

وفي المقابل، يُعدّ التصحر أحد المحددات للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة التي تشهد انفجاراً في المدّ العمراني العشوائي الذي يفاقمه غياب خطط لاستعمال الأراضي ما ينسجم مع التنمية المستدامة.

وتحدّث عن برنامج عمل «الاتحاد الدولي لصون الطبيعة» في شأن المناطق الجافة، فأوضح ان ذلك البرنامج يركز على تمكين المجتمعات المحلية، بمعنى زيادة قدراتها وخبراتها، من اجل تطوير قدراتها على استثمار الموارد المحلية في شكل مستدام يحقق التوازن بين المنظومات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. وكذلك يهتم البرنامج بإنشاء شبكة من العلماء العرب المتخصصين بالبيئة والتنمية المستدامة، بهدف نشر المعرفة المتعلقة بإدارة المناطق الجافة في المنطقة العربية وتوثيقها وادارتها. كما يسعى الاتحاد الى تنظيم التواصل العلمي بين مختلف الدول، عبر الهيئات العلمية للاتحاد مثل «هيئة إدارة الأنظمة البيئية»، ما يضمن الاستفادة من التجارب الدولية في هذا المجال.

تكامل الأراضي الجافة مع التنوّع البيولوجي

بيّن الجيوسي أيضاً ان الاتحاد يملك حضوراً فاعلاً في الاتفاقيات الدولية عن البيئة، ومن ضمنها اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي، التي يملك فيها عضوية بصفة مراقب. يقول: «لدينا فريق متخصص في سويسرا في وحدة السياسات البيئية، يساهم في شكل متميّز في توضيح موقف الاتحاد من الاتفاقات المختلفة، والمكتب الإقليمي لمنطقتنا يعمل على التواصل مع صانعي القرار ووزارء البيئة العرب من جامعة الدول العربية، لتفعيل حضور عربي مشترك وصياغة رؤية مشتركة للدول العربية».

وعلّق الجيوسي على ما ورد في التقرير الأول الذي قدمه الأردن إلى أمانة اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي (2001)، وفيه ان الأردن غني بالتنوع البيولوجي، خصوصاً بالأنواع المستوطنة، كما أنه ينعم بأنظمة ايكولوجية مختلفة من غابات وصحراء. فأفاد أن الأردن يتمتع بثراء وتنوع طبيعي مميز، «فمثلاً نجد منطقة وادي الاردن المعروفة باسم الغور والتي تعتبر سلة الخضروات الأردنية، فيها نشاط زراعي متقدم. كما ان وادي الأردن يمثل نقطة التقاء للتنوع الحيوي بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

الدول الكبرى تراقب البيئة من الفضاء

وهناك أيضاً المرتفعات العامرة بغابات مساحات محدودة كالصنوبر والبلوط والعرعر والسرو... كما تنتشر في منطقة البادية الأردنية والصحراء الشرقية نباتات مثل الشيح والرشم والقيعسوم، وهناك واحة الأزرق ووادي رام اللذان يعتبران من مناطق الجذب في السياحة البيئية أُردنياً».

وتناول مسألة مهمة تتمثل في ضرورة الحفاظ على التنوع البيولوجي وأهميته في تأمين سبل المعيشة لسكان المناطق الجافة، بما في ذلك المناطق الصحراوية.

ورأى ان أهمية الحفاظ على التنوع الحيوي تكمن في أنه يمثل مصدراً للغذاء والطاقة والصحة: «بعبارة أخرى إن الحفاظ على التنوع الحيوي في الموارد الطبيعية يمثل رأس المال الطبيعي Natural Capital وهو بدوره عنصر مهم للحفاظ على الرأسمال الاجتماعي وتحقيق التنمية المستدامة... يكفي التأمل في كلفة إعادة تأهيل الصحراء أو الأودية في حال تلوثها او إفسادها كنظام بيئي، لإدراك أهمية هذا الأمر».

ونبّه إلى أهمية التعرّف عربياً إلى «القائمة الحمراء» التي يصدرها «الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة»، والتي تحتوي ثبتاً بالأنواع المهددة بالانقراض. واعتبر ان أوضاع الدول العربية متفاوتة بهذا الخصوص. «وضع الأردن حسن نسبياً إذا قورن بالدول في المنطقة... ان مجموع ما هو على القائمة الحمراء أُردنياً يصل إلى 47 مقارنة بـ 204 في اليمن و 123 في تركيا... هذا المجموع يشمل الثدييات والطيور والزواحف والأسماك والنباتات واللافقاريات وغيرها... من المؤمل ان يصل العرب إلى مكانة متقدمة في القائمة الخضراء (بدلاً من الحمراء) والتي تمثّل نجاحات الدول في الحد من التدهور البيئي».

الإنسان كخطر داهم

شرح الجيوسي أيضاً المخاطر التي تهدد الأنواع المهددة بالانقراض، والدور السلبي للنشاط الإنساني في هذا المجال. وبيّن ان انقراض الكائنات الحيّة يتعلق بجملة من العناصر، إضافة إلى النشاط الإنساني، مثل الخلل في فهم تكامل الأنظمة البيئية وتوازنها وترابطها، وعدم تضمّن خطط التنمية مفهوم قيمة الرأسمال الطبيعي.

«لا شك في ان الإنسان وما كسبت بيدي الناس سبب رئيسي في وجود هذه المخاطر لذا نحن في حاجة الى وعي جديد (أو عقد بيئي - اجتماعي) جديد ليحيي مفهوم التنمية المستدامة على المستوى المحلي وعلى المستوى الإقليمي».

وأعطى رأيه أيضاً في الحلول التي تساعد على الحدّ من ضياع التنوع البيولوجي في المناطق الجافة. وبيّن انها ترتكز إلى إيجاد منظومة للتنمية مرتبطة محلياً بالإنسان وبالبيئة، وبما يطوّر تلك الأخيرة ضمن الإمكانات المتاحة، وذلك بهدف الحد من التدهور البيئي».

وتحدث عن مفهوم «حماية البيئة». واعتبره ضرورة وليس ترفاً، خصوصاً بالنسبة الى البلدان الفقيرة. ولاحظ انه لا يوجد انفصال فعلياً بين حماية البيئة والتنمية. «ما قيمة التنمية الاقتصادية إذا كانت ستحرمنا من التمتع بهواء نظيف وماء نظيف ومكان للراحة لنا ولأولادنا، مشكلة الإنسان في عصر العولمة انه اصبح لا يدرك الا حسابات السوق التي تعتبر كل شيء سلعة، يمكن للبيئة ان توفر فرصاً مبدعة للتنمية عبر تطوير تقنيات رفيقة بالبيئة، وكذلك عبر تحدي العقل لتطوير حلول مستدامة حتى لا تكون حالنا مثل بئر معطلة وقصر مشيد·

باختصار، البيئة تمثل البنية التحتية لأي تنمية اقتصادية لذا لا بد من العناية بها كمصدر أساسي للتنمية».

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الحياة اللندنية-27-6-2006