نحو معايير أكثر عدالة في النظام التجاري الدولي

 

 

بعد الاحتجاجات والانسحابات وتعثر المحادثات والآجال التي لم يتم احترامها، باتت الأطراف المشاركة في مفاوضات التجارة بجنيف قريبة من اتفاق بشأن المعونات الزراعية والتعرفة الجمركية يمكنه أن يفتح المجال أمام إبرام اتفاقية تجارة عالمية. حيث يبحث المتفاوضون إمكانية الذهاب أبعد مما وصلت إليه الجولة الأخيرة من محادثات التجارة، غير أن الاتفاق لن يشجع نمواً مهماً في الاقتصاديات ذات الدخل المتدني، التي يراد لها أن تكون المستفيد الرئيسي من المفاوضات المعروفة باسم "جولة الدوحة" للتنمية والتي بدأت قبل أربع سنوات.

والحال أن دراسة من إعداد "معهد أبحاث سياسة الغذاء الدولي" ترى أنه في حال إضافة تعديلين بسيطين إلى الاتفاق، فمن شأن ما هو مطروح على طاولة المفاوضات في جنيف أن يؤدي إلى نمو اقتصادي عالمي أكبر وفوائد أكثر بالنسبة للبلدان الفقيرة، غير أن الولايات المتحدة وأوروبا تعارضان هذين التغييرين. والحال أنه يتعين على واشنطن وبروكسل، بدلاً من الدفاع عن المصالح التجارية الضيقة بثمن باهظ، اغتنام هذه الفرصة للدفع بأهدافهما الاستراتيجية الأوسع إلى الأمام والمتمثلة في نشر الرخاء والاستقرار بين دول العالم الفقيرة.

الدراسة تفيد بأنه من شأن اتفاق شبيه بما هو معروض على طاولة المفاوضات –تخفيضات بسيطة في التعرفة الجمركية، وإلغاء مساعدات التصدير، وإلغاء نظام الحصص المفروض على صادرات الدول الفقيرة بنسبة 97 في المئة أن يحقق مكاسب عالمية تقدر بـ54 مليار دولار في السنة. وهكذا، ستحصل الدول ذات الدخل المرتفع، التي تساهم بنحو 80 في المئة من الدخل العالمي، على نحو 60 في المئة من الـ54 مليار دولار. وتحصل البلدان ذات الدخل المتوسط، التي تتوفر على 20 في المئة تقريباً من الدخل العالمي، على 40 في المئة. أما البلدان ذات الدخل المنخفض، التي لا تتوفر سوى على 1.2 من الدخل العالمي، فستحصل على 1.9 في المئة من الأرباح.

بعبارة أخرى، ستظل البلدان منخفضة الدخل، بعد مرور سنوات على دخول الاتفاق حيز التنفيذ، تمثل نسبة صغيرة جداً من الأسواق العالمية النامية. غير أن الدراسة اقترحت تعديلين من شأنهما أن يجعلا الاتفاق أفيد وأكثر أهمية بالنسبة للبلدان الفقيرة. ويقضي التعديل الأول بإعفاء صادرات البلدان الأقل نمواً إلى الدول الغنية من التعرفة الجمركية ونظام الحصص، ذلك أنه في حال رفع القيود عن هذه الصادرات، فإن فوائد الاتفاق سترتفع إلى 70 مليار دولار –نصفها سيذهب إلى البلدان الفقيرة.

إن الولايات المتحدة تفخر –وعن جدارة- بأن اقتصادها من أكثر اقتصاديات العالم انفتاحاً بالنظر إلى متوسط تعرفة يبلغ 1.4 في المئة (2005). غير أن واشنطن ترغب مع ذلك في إقصاء مواد مختلفة من الألبسة والأحذية والمنتوجات الزراعية –وهي المنتجات نفسها التي على البلدان الفقيرة أن تبيعها- من أي تخفيض مهم في التعرفة، حتى بالنسبة لأكثر البلدان فقراً، حيث تخشى الولايات المتحدة ارتفاع واردات النسيج القادمة من بلدان مثل بنغلادش وكمبوديا. ولكن، أليس ذلك هو الهدف الذي تنشده جولة الدوحة للتنمية؟

أما التغيير الثاني الذي يقترحه "معهد أبحاث سياسة الغذاء الدولي"، فيقضي بتخفيض نسبة المنتجات الزراعية "الحساسة والخاصة" التي تحمل تعرفة مرتفعة من 5 في المئة إلى 1 في المئة، وهو ما من شأنه أن يرفع الدخل العالمي بـ7.5 مليار علاوة على الـ54 مليار دولار. ولما كان التخفيض سيطبق على جميع البلدان، فإن فوائده ستوزع بطريقة متساوية. غير أن هذه الخطوة ستعود بالفائدة على البلدان النامية بصفة خاصة، مثل تايلاند وفيتنام وزيمبابوي، والتي تحتل فيها الزراعة مكانة مهمة ضمن مجالات التصدير. غير أن أوروبا واليابان تقاومان هذا التغيير، مقترحتين إعفاء بنسبة 8 في المئة و15 في المئة على التوالي بالنسبة للمنتوجات الزراعية.

والواقع أنه في ظل ثبات كل من الولايات المتحدة وأوروبا على موقفيهما، فإنهما تواجهان خطر تفويت فرصة قيادة العالم إلى نظام أسواق عالمي يستند إلى القواعد، وتجارة تقوم على القواعد الديمقراطية، وقيم ما فتئت القارتان تعلنان عن دعمها وتشجيعها. علاوة على ذلك، ستكون الولايات المتحدة بصدد إهدار فرصة من ذهب لإصلاح ما تضرر من صورتها في الخارج.

ثم إن جعل اتفاق تجارة في مصلحة بلدان العالم الفقيرة ليس عملاً خيرياً أو إجراء علاقات عامة فقط، ذلك أن الزيادة الإضافية في إمكانيات السوق من شأنها أيضاً أن تمكن البلدان الفقيرة من جذب المزيد من الاستثمارات في مجالات الطرق والموانئ والتدريبات، ومساعدة شركاتها على النمو، وبالتالي فتح المزيد من الفرص أمام الشركات الأميركية والأوروبية. وهذا هو السبب الذي دفع قبل أسبوعين أزيد من 200 شركة أميركية رائدة وجمعية تجارية ومنظمة إلى أن تبعث برسالة تحث فيها المفاوضين الأميركين في هذه المحادثات التجارية على عدم قبول أي اتفاقية لا تراعي هذين التعديلين.

الواقع أن عدم الرغبة في اتخاذ القرارات الصعبة التي تتطلبها جولة الدوحة لا يسحب هذه الفوائد الاقتصادية من على الطاولة فحسب، ولكنه يبعث أيضاً برسالة مؤداها أن البلدان الغنية لا ترغب في السماح لـ90 في المئة من الإنسانية بالاستفادة من نفس الفرص التي استفادت منها.

النائبة السابقة لمدير القسم الاقتصادي بوزارة الزراعة الأميركية

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"-27-6-2006