التغير المناخي ... خطر يهدد الدول النامية

 

توماس فريدمان


هنا في البيرو لا يعد الإحماء الشامل حقيقة مقلقة فحسب, وإنما هو واقع حياتي يومي, لاسيما بالنسبة لسكان وادي نهر "أورومبابا" الذي يعد مهد حضارة الإنكا العريقة. فما أن ترفع ناظريك لتشهد لحظة شروق الشمس من فوق أطلال تلك الحضارة وآثارها, حتى تلوح أمامك سلسلة ممتدة من جبال الأنديز, على استدارة 360 درجة بالتمام والكمال. والمعروف عن أعلى هذه القمم, كما تصفها كتب دليل السفر والسياحة والدليل الجغرافي, أنها "مغطاة بالجليد" دائماً وعلى مدار العام. أما اليوم, فإن من الواجب تغيير هذه الصفة إلى كونها مغطاة بطبقة من الصقيع الجليدي. ورغم استحالة القول بأنها تعرت تماماً, إلا أن نتوءات صخرية عديدة وكبيرة بدأت تطل برأسها من بين الطبقة الجليدية التي لا تزال تغطيها. وكما تقول المعلومات المنشورة عنها, فإن هذه الطبقة الجليدية تواصل انحسارها وانجرافها بمعدل 100 متر خلال كل عشر سنوات. وعلى حد قول دليلي ومرافقي السياحي الفريدو فريروس -الذي يعد المؤسس الفعلي لاقتصاد السياحة في البيرو, والرئيس الحالي لعمليات حماية البيئة العالمية في بلاده: "عندما بدأت التطواف في مرتفعات جبال الأنديز قبل نحو 30 عاماً, كان المتسلقون والمستكشفون يصعدون إلى القمة مباشرة, عبر الطبقات الجليدية السميكة التي تغطيها. أما اليوم فعليهم مناقشة المخاطر الجمة التي تعترض رحلة التسلق إلى القمة, بسبب التصدعات العميقة واحتمال انهمار الشلالات في أي لحظة أثناء التسلق, نتيجة لانجراف الطبقة الجليدية. والسبب الرئيسي لحدوث الظاهرة كلها, هو التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة بالطبع.

أما في وادي الإنكا المقدس –كما يوصف- فهناك يمتلك المزارع "إجناسيو لامباري" مزرعة شاسعة تبلغ مساحتها نحواً من 60 هكتاراً, لكنه بدأ الهرب منها بفعل التأثيرات السالبة لشدة الحر وارتفاع درجات الطقس. وفي مزرعته هذه تخصص "لامباري" في زراعة قناديل القمح العملاقة, التي تصدر باعتبارها منتوجاً عالي الجودة إلى كل من اليابان وأسبانيا. ويستمد هذا المحصول جودته من تضافر عوامل زراعية عديدة فريدة, منها الماء ودرجة الحرارة والتربة وضوء الشمس. لكنه حدثني أنه لاحظ منذ أربع سنوات, أن مستوى الماء بدأ يتناقص نسبياً, بينما واصلت درجات الحرارة ارتفاعها. وبالنتيجة فلم تعد قناديل القمح على ضخامتها وكبر حجمها الذي عرفت به. وليس ذلك فحسب, بل دبت في المزرعة أنواع جديدة غير معهودة من الحشرات والآفات. كما لم يعد الماء كافياً فيها لزراعة المسارات التي دأب الأهالي على زراعتها منذ أيام حضارة "الإنكا" العريقة.

وعلى عكس ما هو عليه مغزى الاهتمام عندنا في الولايات المتحدة بظاهرة التغير المناخي, فإن هذا الاهتمام لا يمكن أن يعد هواية ولا ترفاً ذهنياً في دول عديدة مثل البيرو, حيث تعتمد حياة الغالبية على الأرض, وحيث يعيش الناس على حافة الخطر الداهم. وكما قال لي فريروس: "إن الطبقة الجليدية هي ماؤنا وحياتنا التي نعتمد عليها, سواء في مياه الشرب أم في زراعة المحاصيل التي نعيش عليها. وما أن تتقلص هذه الطبقة حتى تصبح حياتنا في خطر فعلي". وليس ذلك فحسب, بل إن الطبقة الجليدية نفسها, جعلت من جبال الأنديز موطناً فريداً للكثير من الكائنات البيئية النادرة, سواء كانت هذه الكائنات تقطن في الغابات المطرية الكثيفة, أم في البيئات الجبلية, أم خلافها. فالشاهد والمعروف عن هذه المنطقة, أنها موطن طبيعي لعدد مهول من الكائنات النباتية والحيوانية النادرة. وما أن يبدأ مناخها بالتغير على هذا النحو الخطير والسريع, حتى تضحي هذه الكائنات مهددة بالانقراض والزوال.

والملاحظ أننا في الولايات المتحدة لا نبدي قلقاً إزاء ظاهرة التغير المناخي, إلا عندما تهب علينا رياح عاصفة مدمرة من طراز إعصار كاترينا. ومهما يكن فإن لنا من الموارد ما يجعلنا قادرين على مواجهتها. لكن على نقيض ذلك تماماً, كما يرى جلين بريكيت -نائب رئيس منظمة "حماية البيئة العالمية"- فإن دولاً مثل البيرو, تكاد تفتقر تماماً إلى هذه الموارد, مع العلم بأن غالبية مواطنيها يعيشون أساساً على مصادر الأرض والطبيعة. والأسوأ من ذلك أن البيرو وجدت نفسها مضطرة –نتيجة لتراجع مواردها الطبيعية والزراعية- لتكثيف جهودها في مجال التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي. وبذلك فهي تقدم عملياً على تغذية "إدمان النفط", مما يعود عليها سلباً في نهاية المطاف, بزيادة معدل ومخاطر التغير المناخي فيها.

ومن هنا يستطيع الناظر أن يلمح على امتداد البصر, دائرة الشر التي تطوقنا من كل جانب, والتي يتعين علينا كسرها بشتى السبل. ولا سبيل لمكافحة خطر التغير المناخي, إلا بالكف عن إدماننا للنفط في الدول الصناعية المتقدمة. وفي الوقت ذاته تحتاج الدول النامية للإقلاع عن إدمان تصديرها وبيعها لمنتجات هذه الطاقة المسببة لخطر التغير المناخي. بعبارة أخرى فنحن وغيرنا من شعوب الدول الصناعية المتقدمة, بحاجة ماسة إلى تغيير نمط حياتنا, في حين تزداد حاجة الدول النامية, أكثر من أي وقت مضى, لتبني نموذج جديد ومغاير للتنمية. وما لم تعكف الدول المتقدمة والنامية على العمل معاً من أجل وقف هذا الخطر الداهم, فالخوف كل الخوف أن تتحول "مرتفعات الأنديز المغطاة بالجليد" إلى مجرد معلومة غابرة في كتب ومجلدات التاريخ القديم, بدلاً من ظهورها المتكرر حتى هذه اللحظة في كتيبات الدليل السياحي المعاصرة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإاحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"- 24-6-2006