دور الغاز الروسي بعد انهيار الشيوعية

 

عاطف عبدالحميد

 

لو أن تاريخ السنوات الـ 15 الماضية من التحولات التي شهدتها الدول المنفصلة عن الاتحاد السوفياتي كتب بهدوء، واستخلصت منه الدروس والعبر، لاكتشفنا أن المراوغة وفنون التنافس قد تغيرت بدرجة لم تخطر ببال أمهر الخبراء الاستراتيجيين.

لم يشمل الحراك السياسي في هذا الفضاء الجغرافي الشعارات والمفاهيم الأيديولوجية فحسب، ولا تبدل العقائد الاقتصادية فقط، بل مس واحدة من أكبر شركات الاقتصاد الشيوعي السابق وهي شركة «غازبروم» التي صارت اليوم نموذجاً لشركة رأسمالية عملاقة عابرة للقارات والقوميات، بإنتاجها الذي يقترب من 20 في المئة من إجمالي الإنتاج العالمي للغاز.

الفكاك من القيود

أدت الاكتشافات الضخمة في حقول الغاز في سيبيريا والأورال قبل أربعة عقود إلى تدعيم القدرات التصديرية للاتحاد السوفياتي من خامات الغاز الطبيعي. ومع انهيار الشيوعية وتحول روسيا الى إقتصاد السوق، عبر سلسلة من الصدمات الموجعة، خصصت الشركة وعهد برئاستها الى السياسي الشهير فيكتور تشيرنوميردين الذي تولى رئاسة الوزراء بين 1992 و 1998.

في تلك الفترة رُمي القائمون بعمليات التخصيص الواسعة التي شهدتها روسيا بتهم النهب والاستيلاء على المال العام. ولم تكن شركة غازبروم بعيدة عن هذا الصخب، ما كوَّن طبقة من أسماك القرش الكبيرة في الاقتصاد الروسي عبّر عنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقوله: «لا يمكن أن أؤمن بنزاهة ثروة قوامها عشرات البلايين تجمع في بضع سنين».

وقد دفع هذا النهج إلى تعيين رؤساء ومديري القطاعات في شركة «غازبروم» من اكثر المقربين للرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع احتفاظ الكرملين بنسبة 51 في المئة من اسهم هذه الشركة التي تشرف على أكبر حقول الغاز الطبيعي في العالم، بحكم ما يتوافر في الأراضي الروسية من كميات هائلة تبلغ 47 تريليون متر مكعب، ما تجعل روسيا أولى دول العالم في تصدير الغاز.

وتعد غازبروم إحدى أربع شركات عملاقة تتحكم في إنتاج وتصدير النفط والغاز الروسي، تشمل «لوك أويل» و«ترانس نفت» «وروس نفت»، وذلك بعد أن ضرب الكرملين القطاع الخاص للطاقة بعد أزمة شركة يوكوس الشهيرة التي اُعتقل رئيسها ميخائيل خودركوفسكي في نهاية عام 2003 بتهمة التهرب من تسديد الضرائب، وصُفيت الشركة لمصلحة شركات حكومية.

وتضخ غازبروم في الموازنة الروسية نحو 25 في المئة من عائدات الضرائب من القطاعات الاقتصادية الروسية كلها، ويعمل فيها نحو 330 ألف شخص.

تدرك «غازبروم» جيداً أنها تواجه خطر تناقص الاحتياط الروسي من الغاز، ومن ثم تسعى جاهدة للاستثمار خارج روسيا اعتماداً على تقديرات تشير إلى أن العمر المتوقع لاستمرار احتياط الغاز في العالم لا يقل عن 80 سنة.

من أجل ذلك وصلت «غازبروم» مؤخراً إلى الجزائر وليبيا لتبحث عن موطئ قدم حول حقول الغاز الجديدة في شمال افريقيا، ناهيك عن مشاركتها «ارامكو السعودية» في التنقيب عن الغاز في شمال الربع الخالي، كما تتفاوض على إقامة بنية أساسية من محطات الطاقة لهذه الدول. وتسعى في الوقت ذاته إلى إقناع الحكومة الباكستانية بجدارتها للتنقيب عن الغاز. وتفاوض الشركة دولاً عدة في شرق آسيا بشأن إعداد البنية الأساسية لتصدير لغاز الروسي.

أشكال جديدة للصراع

في الوقت الذي تسعى روسيا للاستغلال الأمثل لثروتها الهائلة من الغاز وقدرات شركتها العملاقة «غازبروم»، يرصد المستهلكون ما يسمى بالدور الجيوسياسي للغاز الروسي، معتبرين أن الارتهان للغاز الروسي لا يقل تهديداً عن التمدد الجغرافي أو التهديد العسكري، وهي مخاوف صارت تتردد تحت مسمى الهيمنة الروسية على أمن الطاقة في عهد ما بعد الشيوعية.

فبينما تشكلت اتحادات سياسية وتكتلات اقتصادية عدة موالية لموسكو بعد سقوط الشيوعية على رأسها كومنولث الدول المستقلة، تحاول الدول التي تنسحب من البساط السوفياتي السابق تشكيل جبهة متنامية لإيقاف السيطرة الروسية. ويعتبر اتحاد «غوام» GUAM الذي تأسس عام 1997، ويضم جورجيا وأوكرانيا وأذربيجان ومولدوفا، محاولة لوقف سيطرة روسيا على اقتصادات الدول المتفككة عن الاتحاد السوفياتي وتهديد أمن الطاقة فيها. ولقد تزايد التوجه المناهض لروسيا بقيادة «غوام» بعد الدعم الغربي للثورات الملونة في جورجيا وأوكرانيا واستمرار الرعاية الأميركية لحكومة أذربيجان. وان كانت موسكو قد نجحت في إقناع أوزبكستان بالانسحاب من «غوام» في العام الماضي بعد فتور العلاقة بين أوزبكستان والولايات المتحدة لأسباب عدة أهمها القمع الدموي لثورة أنديجان.

تجدر الاشارة الى أن دول «غوام» تسعى إلى الدخول في عضوية الناتو والاتحاد الأوروبي، وهي ذاتها التي تتهم موسكو بدعم الحركات الانفصالية فيها، كما تعاني من فرض روسيا عقوبات اقتصادية على هذه الدول بحظر استيراد بعض السلع النقدية منها في الوقت الذي تقع فيه تحت رحمة الغاز الروسي.

يتمثل البديل الفعال للغاز الروسي لاتحاد «غوام» في شراكة بين أذربيجان وجورجيا وتركيا، لدفع مشروع خط أنابيب الغاز باكو – تبليسي – إرزيروم الذي سيمتد بموازاة خط النفط الشهير باكو- تبليسي- جيهان. وتهدف مثل هذه المشاريع إلى سحب الغاز من بحر قزوين والحقول الغربية لآسيا الوسطى وضخها إلى تركيا، لوقف السيطرة الروسية التي تستفيد بالفعل من بيع كميات متزايدة للسوق التركية عبر خطوط أنابيب «السيل الأزرق» تحت مياه الجزء الشرقي من البحر الأسود، والذي بدأ تشغيله عام 2003.

إن التشجيع الغربي لاتحاد «غوام» سببه اعتماد الدول الأوروبية بشكل خطير على الطاقة من روسيا وبنسبة لا تقل في متوسطها عن 30 في المئة، ويتوقع أن ترتفع إلى 70 في المئة في عام 2030.

وتعد ألمانيا في مقدم الدول التي تعتمد على الغاز الروسي وبنسبة 32 في المئة من إجمالي استهلاكها من الطاقة، بينما تستهلك بولندا 65 في المئة من الغاز من مصادر روسية، فضلاً عن عشر دول في شرق أوروبا ووسطها تعتمد بنحو 90-95 في المئة على الغاز الروسي من خلال سيطرة روسيا على ما يقرب من 154 ألف كيلومتر من أنابيب الغاز في القارة الأوروبية. وهذا ما دعى الخبراء ومراكز الأبحاث إلى معالجة ردود الأفعال المتوقعة التي يجب أن يضطلع بها حلف الناتو تجاه التهديدات المحتملة للغاز الروسي، وبصفة خاصة بعد أزمة وقف الغاز الروسي عن أوكرانيا ووسط أوروبا مطلع العام الجاري.

المشكلة الأهم في أمن الطاقة بالنسبة لحلف الناتو أن مناطق عدة متنازع عليها بعد سقوط الشيوعية يصعب إيجاد حل جذري لها بسبب التدخل الروسي. فقضية كارباخ المجمدة باحتلال أرمني لأراضٍ أذرية، يصعب حلها نتيجة دعم روسيا لأرمينا بوسائل شتى في مقدمتها قطاع الطاقة والتسليح. والنزاعات بين الحكومة الجورجية ومناطق الانفصال في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، يتهددها بالمثل هيمنة روسيا على قطاع الطاقة الجورجي واتهام الحكومة الجورجية روسيا بدعم الانفصاليين في هاتين المنطقتين. كما أن المناطق ذات الأكثرية الروسية في أوكرانيا تستمد قوتها من التأثير الكبير لروسيا على الاقتصاد الأوكراني وتحكم «غازبروم» في استهلاك الطاقة فيها. وحتى في دولة فقيرة مثل مولدوفا في شرق أوروبا، يتعثر حل مشكلة إقليم الدنيستر بسبب اعتماد الاقتصاد المولدوفي على استيراد موارد الطاقة من روسيا، وهو ما يكبل قدرات هذه الدولة على تحرير الإقليم الساعي للانفصال بدعم روسي، بحسب اتهامات الحكومة المولدوفية أيضاً.

وإذا كانت دول «غوام» تسعى إلى الانضمام إلى حلف الناتو لحل مشكلة أمن الطاقة، فإن كزاخستان وتركمانستان في آسيا الوسطى تعيش حالة مماثلة. فهاتان الدولتان من اكبر منتجي النفط والغاز وتصدران كميات متزايدة سنوياً إلى الدول الأوروبية لكن عبر الأنابيب الروسية. ومن ثم فان صراع الاستقطاب على هاتين الدولتين بين الناتو وروسيا سيحدد إلى درجة كبيرة مقدار الدور الجيوسياسي للغاز في السنوات القادمة.

ويزيد من هذا الاستقطاب الصراع لإقامة قواعد عسكرية في هذه الدول المحيطة ببحر قزوين، وأثر ذلك على التوتر المتزايد في هذه الدول التي تعاني من صدام على جبهة أخرى بين الحركات الإسلامية والأنظمة الحاكمة.

ويميل بعض مراكز الأبحاث الأميركية إلى المطالبة بدور للناتو لحماية نفط وغاز بحر قزوين لتأمين تصدير الغاز من «الخليج العربي الجديد» للوصول إلى درجة النجاح التي حققتها الدول الأعضاء في حلف الناتو في ردعها كل من إيران والعراق ومنعهما من الهيمنة على نفط وغاز الخليج، ومن ثم استمرار الحفاظ على سريان النفط العربي بأمان إلى السوق الغربية.

هكذا لا تزال الحرب الباردة مستمرة، وإن تسلحت هذه المرة بالغاز الطبيعي الذي يرسم معالم جديدة للجغرافيا السياسية لمرحلة ما بعد السوفياتية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الحياة اللندنية-17-6-2006