"روزنفت"... نقلة جديدة في طموحات روسيا النفطية

 

أندرو ئي كرامر

 

في هذه المدينة الصغيرة المطلة على بحر "بارينتس" والواقعة على مسافة 99 كيلومتراً إلى الشمال من موسكو، تشرع روسيا الآن، وبعد طول انتظار في تجسيد حلمها الخاص الذي انتظرت تحققه طويلاً وذلك ببناء ميناء نفطي عالمي مطل على المحيط المتجمد الشمالي. ولكن قبل أن تفعل ذلك، كان على سلطاتها أن تقوم أولاً بإزاحة ساكن سابق وهو قاعدة غواصات نووية استراتيجية جانباً.

وهذا ما تم بالفعل حيث تم نقل حدود قاعدة "سيفرمورسك" خمسة أميال بحرية داخل المحيط من أجل توفير موقع لشركة "روزنفت" شركة النفط الروسية الحكومية العملاقة، التي تزداد حجماً وثراء بشكل مطرد، حيث تتملك حقولاً جديدة، ومحطات تصدير، وتحصل على المزيد من رخص التنقيب، وتنمو بسرعة مذهلة.

علاوة على ذلك من المتوقع كما أعلنت وكالة الأنباء الروسية الرسمية "آر.آي. إيه" أن تقوم الشركة في منتصف يوليو بطرح أسهمها للاكتتاب العام المنتظر منذ فترة طويلة، تمهيداً لإيراد تلك الأسهم ضمن بورصة "ميسكس" للأوراق المالية الروسية، وبورصة لندن للأوراق المالية.

وفي "ميرمنسك" الواقعة في أقصى الشمال، تستفيد الشركة من محطة الخزانات الرئيسية بالميناء الشمالي الوحيد الذي لا تتجمد فيه المياه خلال الشتاء.

ومما يساعد الشركة على تحقيق المزيد من النمو أنها تتمتع بحماية راعٍ لها في موسكو يتمثل في جماعة يطلق عليها جماعة "سيلوفيكي"، أو أعضاء الشرطة العسكرية والسرية الذين يقودهم "إيجور آي. سيشين"، نائب مدير الإدارة الرئاسية. ويقول المحللون إن السيد "سيشين" هو في الوقت ذاته عضو بمجلس إدارة "روزنفت"، مما يعني أن قيام الشركة بطرح أسهمها للاكتتاب سيتيح للمستثمرين الفرصة للاستثمار في جهاز النفط المربح التابع للكرملين.

وعلى الرغم من أن المراقبين يتوقعون للشركة مستقبلاً جيداً، فإن المشكلة تكمن في أن الشركة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأهداف الدولة الروسية التي تشمل موازنة صادرات الطاقة بين الصين والغرب، وهي السياسات التي يمكن أن تصدم المصالح الأميركية.

والاكتتاب الذي تقوم به الشركة يأتي بعد 6 شهور فقط من تعليق شركة "غازبروم" التي تعتبر أكبر شركات استخراج الغاز في العالم لصادرات النفط إلى أوكرانيا لفترة قصيرة، بسبب خلاف حول الأسعار في الظاهر، بينما الحقيقة هي أن روسيا كانت تريد معاقبة نظام أوكرانيا المجاورة لها بسبب توجهاته نحو النمط الديمقراطي على الطراز الغربي. ولكن ذلك لا يمنع من القول إن استخدام موسكو لصادراتها من الطاقة كأداة لتعزيز سياستها الخارجية، واستعادة نفوذ الاتحاد السوفييتي السابق المفقود على الساحة الدولية، قد جعل المستثمرين يتوقفون قليلاً. وليس هذا فحسب، بل إن الممول العالمي المعروف "جورج سوروس"، كتب مقالاً في "الفاينانشيال تايمز" يقول فيه إن المساهمة في الاكتتاب العام لشركة "روزنفت" سيؤدي إلى دعم السياسة الخارجية للكريملن التي تحاول الإضرار بأمن الطاقة الأوروبي.

من المعروف أن "روزنفت" تضع يدها على مخزون نفطي يعادل ذلك الذي تمتلكه شركة أميركية ضخمة مثل "إيكسون موبيل" أكبر شركات النفط الأميركية. ولكن المقارنة ستكون أنسب لو قارنا بينها وبين شركات نفطية عملاقة مثل "أرامكو" في المملكة العربية السعودية، و"المؤسسة الوطنية الصينية للبترول"، أو شركة "بيتروليوس" الفنزويلية.

شركة "روزنفت" برزت من العدم منذ سنتين لتحل محل شركة "يوكوس" النفطية العملاقة التي قامت الحكومة بتأميمها على خلفية تهم بالفساد لإدارتها. وعلى الرغم من أن الشركات الروسية الحكومية لازالت تحتفظ بسمعتها في المحسوبية والفساد من أيام الاتحاد السوفييتي فإن الرهان عليها قد يكون أفضل من الرهان على شركات النفط الخاصة التي تديرها "الأوليجاركية" أو النخبة الرأسمالية التي قد لا تكون لها حظوة لدى الكريملن. وفي الوقت الذي يقترب فيه موعد الاكتتاب الأولي العام لـ"روزنفت" فإن المناقشات تدور في موسكو حول الموازنة بين مخاطر التعامل مع الأوليجاركية، ومخاطر التعامل مع الحكومة.

"روزنفت" ستخطو خطوتها الأولى في سوق الأوراق المالية ولديها احتياطي نفطي مؤكد يبلغ 18,9 مليار برميل، ويأتي الاكتتاب الأولي العام كخطوة أخيرة في سلسلة خطوات تهدف إلى استيعاب موجودات شركة "يوكوس" التي قامت الدولة بتأميمها كما أشرنا إلى ذلك. وتأمل الشركة في اجتذاب الاستثمارات الخارجية متستلهمة في ذلك خطى شركة "غازبروم" في استغلال كواليس السلطة السياسية في تحقيق صفقات تجارية مربحة.

ولكن المنتقدين يقولون إن عدم الكفاءة الذي يتسم به النظام الحكومي عادة يلقى بظلال من الشك على احتمالات نجاح "روزنفت" في المدى الطويل.

يقول "ديريك باتر" الذي يرأس مجموعة تحليل الشركات في مؤسسة "وود ماكنزي"، وهي مؤسسة تعمل في مجال استشارات النفط، إن العلاقة الوثيقة بين "روزنفت" والحكومة الروسية قد تكون مفيدة للشركة داخل السوق الروسي، ولكنها تؤثر على قدرتها على العمل في الخارج، على الأقل بسبب القضايا التي قد يرفعها عليها ملاك شركة "يوكوس" السابقون.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"-12-6-2006