من أجل مستقبل أكثر إشراقاً من خلال التعاون الاقتصادي بين بريطانيا والعرب

 

كيم هويلز

 

يعتبر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا شريكين يحتلان أهمية حيوية بالنسبة إلى المملكة المتحدة وأوروبا. إنها منطقة تهمنا من الناحية التجارية: فهي سوق كبير وسريع النمو مفتوح أمام الدول الأوروبية. ففي عام 2005 بلغت صادرات المملكة المتحدة وحدها من البضائع أكثر من 12 بليون جنيه إسترليني - وهي زيادة بمعدل 30 في المئة مقارنة بالعام السابق.

كما أن جيراننا من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حلفاء أساسيون في معالجة التحديات العالمية. أراضيهم تضم جزءاً كبيراً من احتياطي النفط والغاز المعروف على المستوى العالمي، وهذا أساسي بالنسبة الى أمن الطاقة العالمي، لكن التعاون لأجل معالجة التحديات الأخرى التي نواجهها لا يقل أهمية عن ذلك. فتغير المناخ يهددنا جميعاً. من الأمثلة على ذلك أن لندن عرضة للفيضانات التي يتسبب بها ارتفاع مستويات مياه البحر، وكذلك الأمر بالنسبة الى دلتا النيل وملايين السكان الذين يعيشون هناك. والهجرة، بما فيها انسياب أعداد هائلة من الأفراد من شمال أفريقيا إلى أوروبا، تمثل مشكلة كبيرة لنا جميعا. من شأن إدارة الهجرة بشكل ملائم أن تجلب المنافع لكلا الجانبين، بينما سوء إدارتها يخلق توترات هائلة ويجلب مخاطر أمنية.

أسعار النفط المرتفعة ساعدت بعض دول المنطقة، وربما أضافت 250 بليون دولار إضافية من عائدات النفط والغاز الى ميزانيات خمس دول أساسية منتجة للنفط في مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات الأربع الأخيرة. لكن الدول الغنية حقا في المنطقة والقادرة على توفير مستويات معيشة مرتفعة لشرائح واسعة من مواطنيها هي الاستثناء. الطابع السائد هو أن الفقر والبطالة منتشران بكثرة، وحتى الدول الأكثر غنى واجهت صعوبات في تشجيع الاستثمار والنمو خارج قطاع النفط والغاز. وقد صرح البنك الدولي بأن المنطقة بحاجة لخلق 100 مليون وظيفة خلال 15-20 سنة المقبلة لقوى العمل الناشئة من جيل الشباب.

الحكومات في غالبية دول المنطقة مدركة تماما للتحديات التي تواجهها، وتعي بأن الإصلاح الاقتصادي المستدام الواسع النطاق هو الجواب الوحيد أمامها لمعالجة هذه التحديات. من الخطوات الأساسية في هذا السبيل إزالة القيود غير الضرورية وتوفير البيئة الملائمة للشركات الخاصة. فمن شأن هذا أن يجذب الاستثمارات الأجنبية - إلى جانب غير ذلك من الفوائد - وهو حافز مهم للنمو والازدهار.

تؤدي أوروبا، والدول الغربية بشكل عام، دورها لتقديم المساعدة، وأود هنا أن أعرض ثلاثة أمثلة :

1- افتتح وزراء التجارة من منطقة الشراكة اليورو-متوسطية رسميا مفاوضات بشأن عدد من القضايا، بما فيها تحرير التجارة في المجال الزراعي، مما يؤدي إلى تحرير كامل للتجارة بين الاتحاد الأوروبي ومنطقة البحر الأبيض المتوسط بحلول عام 2010.

- آمل أن نشهد عما قريب اختتام المفاوضات الرامية إلى إقرار اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، والتي دفعت بريطانيا بقوة تجاهها خلال رئاستنا للاتحاد الأوروبي في العام الماضي.

3- مبادرة الاستثمار الصادرة عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا/ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تدعمها وزارة الخارجية البريطانية، هي سبيل لتبادل الخبرات ونشر الممارسات الجيدة التي تهدف إلى مساعدة دول المنطقة التي تحاول تحريك الاستثمارات الخاصة باعتبارها قوة دافعة للنمو وتوفير الوظائف والاستقرار. وهذا مثال جيد يبين كيف أن دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تجند الخبرات الدولية كي تدفع بالإصلاحات السياسية لديها، مما يساعد في جذب الاستثمار في سوق عالمية أكثر تنافساً.

إلا أنه ليس باستطاعة المبادرات الفنية للإصلاح الاقتصادي أن تتغلب وحدها على التحديات التي تواجه المنطقة. حيث أن وجود برامج إصلاح أوسع نطاقاً وأكثر شمولاً هو وحده القادر على التغلب على حالة الإحباط التي يشعر بها الشباب نتيجة لانعدام الفرص المتوفرة لهم قرب أوطانهم. ومن شأن هذا الإحباط أن يؤدي إلى الانعزال وزيادة معدلات الهجرة. بينما الدول التي تشارك شعوبها في الحياة السياسية والاقتصادية، حيث باستطاعة الشعب التعبير عن آرائه، يسير أداؤها بشكل أفضل وتوفر بيئة أكثر استقرارا للشركات تساعدها على أن تزدهر.

وقد اتفق الوزراء والمجتمع المدني - أثناء «قمة لأجل المستقبل» التي عقدت في البحرين بمبادرة من مجموعة الثماني والشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا، خلال رئاسة المملكة المتحدة لكل من مجموعة الثماني والاتحاد الأوروبي - على مجموعة من التوصيات من بينها مؤسسة يبلغ تمويلها 50 مليون دولار لدعم الديموقراطية والمشاركة المدنية، وصندوق يبلغ تمويله 100 مليون دولار لمساندة من يديرون أعمالهم التجارية ولمساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة كي تنمو. ويخصص الاتحاد الأوروبي أكثر من 3 بلايين يورو كل عام على شكل منح وقروض للشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وعلاوة على ذلك خصص صندوق الفرص العالمية في وزارة الخارجية، منذ أن تأسس عام 2003، أكثر من 10 ملايين ونصف المليون جنيه إسترليني لمشاريع تهدف إلى دعم الديموقراطية وتروّج لحقوق الإنسان والحكم الصالح في المنطقة.

ووفر المنتدى الاقتصادي العالمي حول الشرق الأوسط، الذي عُقد في شرم الشيخ بمصر، الفرصة للشركات الخاصة لتوضح دعمها لعملية الإصلاح في المنطقة. وتعهد المنتدى بالتركيز على الفرص المتاحة للشباب، بما فيها تهيئة الظروف اللازمة لقيام صناعات وخدمات ووظائف جديدة هناك أمسّ الحاجة إليها، إلى جانب إدراك المهمة الحيوية لترسيخ سيادة القانون في دول لن تجتذب الاستثمارات إلاّ إذا ساد فيها السلام والأمن وأقامت علاقات دولية طيبة.

لم يكن الإصلاح يوماً خياراً سهلاً، لكن الفشل في دعمه سيؤدي فقط إلى مفاقمة المشاكل الحالية وتلك التي قد تطرأ مستقبلا. مرت دول مثل بريطانيا بهذه العملية في السابق، التي كانت صعبة للغاية في بعض الأحيان، واليوم نشهد العديد من الدول في جنوب شرقي آسيا تواكب الركب بسرعة على درب ليس يسيرا، لكنها نجحت في زيادة الفرص المتاحة في المنطقة.

آمل أن تؤيد الشعوب في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بكل حماس جهود الإصلاح، وأن تقدم لها يد العون بالخبرة والدعم العملي لأجل أن تحصد هذه الشعوب منافع الإصلاح مستقبلاً. أسعار الوقود الهيدروكربوني المرتفعة في الوقت الحالي لن تستمر كذلك الى الأبد - هذا نادراً ما يحدث - وتعلم حكومات المنطقة بأنه يتعين إيجاد تنوع في اقتصادياتها إذا ما أرادت أن تضاهي أداء المجتمعات التي تشهد اقتصادا ديناميكيا سريع التوسع مثل الصين والهند. إن ما يعزز اقتصاديات هذه الدول هو استعدادها لمواجهة التحديات الحديثة للانفتاح والديموقراطية وتشجيع قطاع الأعمال الحرة. وبمعنى آخر، إعطاء المواطنين الفرصة لتأسيس أعمال حرة خاصة بهم أو ضمان أن توفر المدارس والجامعات المهارات الملائمة للشابات والشباب كي تتاح الفرصة لاقتصاديات هذه الدول للمنافسة في عالم يعمه التنافس. هذه بعض المجالات التي يمكن للمملكة المتحدة والشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن تطور من خلالها شراكات قوية لتعزيز الازدهار والأمن اللذين ننشدهما جميعاً.

وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية المسؤول عن قضايا الشرق الأوسط.

و كل ذلك بحسب راي كيم هويلز في المصدر المذكور .

المصدر : الحياة – 11-6-2006