الحاجة إلى قرارين شجاعين

 

د. علي محمد فخرو

 

دعونا نتذكر مرة أخرى أن فوائض عائدات البترول العربية الحالية، وعلى الأخص في دول مجلس التعاون الخليجي، تمثل آخر فرصة تاريخية لاستعمال حقبة البترول كممرٍّ لتنمية حقيقية على المستويين الوطني والقومي. ولما كان العنصر البشري في قلب أية تنمية، فإننا سنتناول الموضوع على مستوى دول مجلس التعاون. وفي اعتقادي أن هناك خطوتين رئيسيّتين يجب اتخاذهما.

أولاً: يصل الإنفاق العسكري على الفرد في دول مجلس التعاون في الوقت الحاضر ضعف الإنفاق على الفرد في مجال التربية والتعليم والتدريب. ولما كان الإنفاق العسكري في ظروفنا الإقليمية الحالية هو إهدار والإنفاق التعليمي هو استثمار أساسي في التنمية الوطنية والعربية المنشودة، فإن منطق الأولويات يستدعي أن تنقلب المعادلة السابقة. فخلال خمس سنوات يمكن أن تصبح نسبة الإنفاق من الناتج القومي الإجمالي على التعليم 9% في مقابل خفض نسبة ما ينفق على النشاط العسكري إلى 4%. ولأسباب لا حصر لها لن يؤدّي هذا القرار إلى تدهور في أمن المنطقة، خصوصاً إذا رافقته خطوات سياسية حكيمة في الداخل ومع دول الجوار الشقيقة.

هذا الوضع المالي الممتاز الذي سيتوفر لحقل التعليم والتدريب يمكن أن يحقق خطوات بالغة الأهمية. هناك إمكانية تحقيق كل الخطوات المطلوبة لتمكين مهنة التعليم كي تصبح مهنة رفيعة المستوى كمهن الطب أو الهندسة أو أفضل منهما. وستكون الحصيلة معلماً مهنياً مثقفاً قضى خمس سنوات على الأقل في تعليم جامعي يغطِّي اختصاصه وتثقيفه ثقافة عامة عالية، وسنتين في تدريب مهني جاد ورصين. هذا المعلم سيكون مؤهلاً بحق وبجدارة لاستلام راتب عالٍ لا يقل عن راتب شريحة العشرة في المئة الأعلى من موظفي الحكومة. إن هذه الخطوة ستسهّل، بل وستضمن، تنفيذ كل الإصلاحات الجذرية التحديثية في حقل التربية والتعليم، إذ بمعلم من هذا الطّراز فقط سيمكن الاستفادة من كل إصلاح وتغيير لتخريج متعلمين قادرين على الإنتاج والإبداع والمبادرة والالتزام والتعلم مدى الحياة وفهـم العصر بعمق، وهو ما تحتاجه التنمية النهضوية. وهناك بالطبع إمكانية تأسيس جامعات رفيعة المستوى تستوعب ما لا يقل عن ثلثي خريجي الثانويات وتخرِّج عناصر عالية التأهيل وتقوم بأبحاث أصيلة، وجميعها مطلوبة لأية تنمية شاملة. وهناك بالطبع إمكانيات هائلة لتغييرات كبرى ثقافية وإعلامية.

ثانياً: إن ذلك الإعداد الممتاز للعنصر البشري الوطني في دول الخليج من أجل الانتقال من الوضع الرّيعي والاقتصاد الاستهلاكي غير المنتج والعبث بالسيولة المالية، سيحتاج إلى أن تصاحبه عمالة ترفده من خارج المنطقة. هنا سنحتاج إلى قرار سياسي شجاع آخر يخرجنا من ورطة الازدياد الهائل في أعداد العمالة الأجنبية غير العربية والتي تهدّد استقرار وعروبة وإسلام هذه المنطقة في المستقبل المنظور. هذا القرار يتمثل في استجلاب وتدريب وتوطين عمالة عربية تحلُّ محل العمالة غير العربية تدريجياً وتصبح جزءاً دائماً ومتطوراً من عملية التنمية تلك. ولا يعقل أبداً ما نراه الآن من استيراد عمالة تتدرّب في الخليج وتنمو في قدراتها الفنيّة ثمّ تعود لبلادها لأسباب مختلفة. لقد آن الأوان لاختفاء أفكار التوجس والوساوس تجاه العمالة العربية وجعل توطينها كعملية استقرار وإغناء لتنمية بلدان الخليج، فيما تبقى من عمر قصير لحقبة البترول وكجزء من استثمار العائدات الجديدة في إفادة وإنهاض الأمة كلها والتي إن لم تُساعد على النهوض سنجد أنفسنا في أرض ومحيط اليباب والقحط بعد نضوب البترول.

النظرية الاقتصادية الكلاسيكية تقول إن الاقتصاد يقوم على توفُّر يد عاملة وأدوات إنتاج ومـواد أولية. لدينا الآن فرصة ذهبية لاستعمال جزء من الفوائض المالية لتوفير أهمّ عنصر في تلك المعادلة وهو اليد العاملة المدرّبة المنتجة المبدعة، مفتاح كل تنمية. فالدولة والمجتمع في دول مجلس التعاون مطالبان باستعمال السيولة الحالية لتوفير شروط بناء إنسان جديد ولحلّ إشكالية العمالة الأجنبية بضربة واحدة.

و كل ذلك بحسب راي د. علي محمد فخرو في المصدر المذكور .

المصدر : الاتحاد الاماراتيه – 8-6-2006