شبكات التخريب تدعم تهريب النفط

 

ترجمة: مرتضى صلاح

 

قال مسؤولون عراقيون وأميركيون ان عمليات التخريب التي يقوم بها الإرهابيون لتعطيل الصناعة النفطية في العراق منذ ثلاث سنوات هي التي تدعم شبكات التهريب التي تكلف الدولة خسائر سنوية بمليارات الدولارات. وقال المسؤولون لصحيفة نيويورك تايمز أن الهجمات التي تطال شبكة خطوط نقل النفط الخام والمكرر تحولت ، منذ ان أصبحت أداة لتعويق خطط الدولة في الإعمار ، الى مخطط كبير لجمع المال بصورة مريحة لصالح الإرهابيين وعصابات الجريمة المنظمة التي تلتقي مع الإرهابيين في مصالح مشتركة .

أما علي العلاق ، المفتش العام في وزارة النفط ، فقد قال ان الهجمات تنفذ حاليا من قبل كلا طرفي التخريب ( الإرهابيين والعصابات) لإجبار الحكومة على استيراد النفط المكرر بإستخدام الشاحنات النفطية التي تعد هي الأخرى مصدر تمويل للتهريب . حيث تحولت تجارة الشحن بواسطة الناقلات والعبارات الى مصدر رئيسي لتجارة التهريب التي يديرها الإرهابيون والعصابات على حد سواء .

يقول العلاق ، ومسؤولون آخرون أيضاً ، بأن لديهم وثائق تدين سائقي الشاحنات بالتعاون مع عصابات التهريب ودفع رشاوى واستخدام أوراق مزورة تثبت تحميل شحنة كاملة ، رغم خوائها من الوقود ، والتلاعب بمقياس ضخ الوقود أو تحويل الشحنة بسهولة الى العصابات التي تقوم بتهريبها .

وقالت صحيفة نيويورك تايمز ، التي أجرت لقاءات مع مسؤولين عراقيين وأميركيين بشأن الموضوع ، أن نسبة 30 بالمئة من البنزين المستورد تتم سرقتها وإعادة بيعها من قبل المهربين الى خارج البلاد نتيجة لذلك ، مما يؤدي بالعائلة العراقية الى صرف المزيد من المال لشراء الوقود من السوق السوداء .

ويمكن إعتبار التهريب والتخريب من أكبر الضربات التي توجه للإقتصاد العراقي في المرحلة الحالية في الوقت الذي كانت خطط الإعمار قد وضعت تقديراتها على أساس الطاقة الإنتاجية لمرحلة ماقبل حرب 2003 .

ووصفت الصحيفة شبكة التهريب بأنها شبكة متجذرة في عملها منذ فترة حكم الدكتاتور السابق، ومتغلغلة في مناطق عملها، وذات انتشار في الأوساط التي تتعاطى مع تجارة ونقل وإستخدام النفط ، حيث يقوم المستوردون بكل وقاحة وصلف بإدخال ناقلاتهم الى محطات الوقود وهي محملة بنصف شحنة  ليفرغوها في المحطات بعد الحصول على اوراق تؤيد تفريغهم لشحنة كاملة . كذلك يقوم أصحاب المشاريع الذين يحصلون على النفط بسعر مدعوم لغرض تشغيل معاملهم ببيعه في السوق السوداء بذريعة أن فارق الربح في بيعه يكون أجدى من عملهم في مهنهم . وهذا الكلام ينطبق على أصحاب المخابز والأفران ومحلات تنظيف الملابس ومعامل الطابوق وحتى أصحاب زوارق الصيد المزودة بالمحركات وغيرهم .

ويقول مسؤولون أميركيون بأن تناسق عمل المخربين والمهربين والعصابات المنظمة والعصابات الصغيرة في هدر ثروة العراق النفطية لايعني بالضرورة أن هذه الأطراف متفقة فيما بينها على التخريب والتهريب بشكل مباشر، ولكن لقاء المصالح بين تلك الأطراف هو الذي يجمعها مع بعضها إلى حد لا يعود من السهل معه التمييز بين هذه الأطراف .

وتصف الصحيفة حدود العراق بأنها شبه غائبة ، أما الطرق فإنها غير آمنة ، في حين يقع مسؤولو شركات النفط تحت طائلة الإتهام بالتآمر مع المخربين وبتهريب الثروة النفطية الى الخارج عبر الطرق البرية والبحرية ، كما يقول مسؤولون عراقيون وأميركيون .

وقد اتهم وزير النفط السابق إبراهيم بحر العلوم المخربين بخطف وقتل موظفي النفط في المنطقة الشمالية الذين يقومون بإصلاح الأضرار الناتجة عن تدمير خطوط النفط الذاهبة الى بغداد أو تركيا . كما اتهم شركات النفط وجماعات حماية الأنابيب والمنشآت بالإشتراك في جرائم التخريب والتهريب .

ويقدر العلاق أن عدد الناقلات التي يجب عليها نقل الوقود المكرر من مصافي بيجي يصل إلى المئات ولكن القليل منها يصل الى بغداد في حين يذهب العديد منها الى جيوب المهربين عبر الحدود الغربية للعراق في الوقت الذي يتم فيه ضرب الأنابيب الناقلة للوقود المكرر والخام بسبب عدم تمكن المهربين من الإستفادة منه عبر نقله وتهريبه ، ويبلغ المصفى حداً من سوء الحال يجعله يتوقف عن الإنتاج والنقل .

ويذكر العلاق أن أحد أسباب إنتشار تجارة تهريب النفط منذ سنوات حكم الدكتاتور هو رخص الأسعار التي يتم وفقها بيع الوقود المكرر، حيث كان سعر اللتر الواحد من البانزين يصل الى 10 دنانير في الوقت الذي يصل فيه سعر السوق السوداء الى حدود 375 دينار للتر الواحد خارج العراق . وكان صهريج نقل النفط البري ذو حمولة 36 ألف لتر يباع بسعر 250 دولارا فقط داخل العراق حسب السعر الرسمي . ويضيف العلاق أن ناقلي الوقود يقومون بنقل الوقود المستورد من سوريا والأردن وتركيا وإيران ثم بيعه بسعر 7500 دولار للناقلة الواحدة . ويقوم الناقلون برشوة موظفي الحدود لتمرير أوراق مزورة تؤيد فراغ الناقلة من الوقود في حين إنه يمكنه بيع ما يستطيع تفريغه في أية محطة قريبة بالسعر الذي يشاؤه، ويمكنه التحميل من المخازن العراقية بالسعر الرسمي الزهيد والعودة لتهريبه بالسوق السوداء ، وهكذا . ويقدر العلاق خسائر العراق لعام 2005 من التهريب بحوالي خمسة مليارات دولار. وقد أيد راضي الراضي رئيس مفوضية النزاهة تقديرت علي العلاق كما أيدها مسؤول أميركي رفض ذكر إسمه .

ويقول الخبير النفطي مصعب الدجيلي نقلا عن دراسة وضعتها وزارة التخطيط العراقية أن 40 بالمئة من الوقود الذي استخدمته العائلة العراقية في عام 2005 كان من السوق السوداء .

اما النقيب عبد الله حسن من افواج حماية الخطوط النفطية فقد قال أن حراس تلك الخطوط يقبضون مبلغ 500 دولار على سبيل الأتاوة من سائقي الناقلات عند مرورها بنقاط قريبة من مواقع حراستهم، مشيرا الى الفساد الذي تعانيه افواج حماية المنشآت النفطية بسبب تغلغل المخربين والمهربين بين صفوفها .

ويتهم النقيب حسن الناقلين والموظفين الكبار من مستوى مدير عام والمشغلين للمحطات والمشرفين على التعبئة والنقل بالعمل جميعاً ضمن شبكة التهريب بالإضافة الى مسؤولي أفواج حماية النفط الذين يشرف عليهم النائب مشعان الجبوري ، وهو أحد من اتهموا بالتهريب والتخريب بعد أن القي القبض على أحد مسؤولي الأفواج واعترف بتلقيه الأوامر من الجبوري بالتخريب والعمل مع الإرهابيين في تدمير خطوط النفط .

ونقلت الصحيفة عن عصام الجلبي ، أحد وزراء النفط السابقين في حكم الدكتاتور، قوله ان النظام المباد كان هو المحرك الأساس لتجارة التهريب بعد هزيمته في حرب الخليج الثانية عام 1991 وما أعقبها من فرض عقوبات إقتصادية عليه منعته من الإستفادة من الموارد النفطية . حينها عمد النظام الى البحث عن مشترين للنفط بالسعر الذي يطلبونه للحصول على السيولة المالية لدعم نظامه ، وكان التجار الإيرانيون هم المشتري الرئيسي للنفط العراقي الذين كانوا يبيعونه على إنه نفط إيراني بسفن تعمل تحت العلم  الإيراني ، وهي ذات الطريقة التي كان يستخدمها الكويتيون في الثمانينيات عند بيع النفط العراقي بواسطة سفن تحمل العلم الكويتي .

ويقول محللون نفطيون أن التجار المهربين للنفط هم نفس التجار الذين كانوا  يتعاملون مع نظام الدكتاتور، ولكن الحكومة الحالية ليست لها معرفة بهم أوعلم .

ونقلت الصحيفة عن علي العلاق قوله في الدراسة التي وضعتها وزارة التخطيط بأن موظفي النفط عزوا 80 بالمئة من مشاكل الفساد والتهريب في الوزارة الى ضعف السيطرة الأمنية فيما قال أكثر من 50 بالمئة منهم ان الرشوة تزيد من الفساد في شركات النفط الصغيرة . وسلطت الصحيفة الضوء على منافذ التهريب البحرية فقالت أن فترة التسعينيات كانت قد شهدت وجود منفذين بحريين لهذا الغرض ، ولكن المهربين يستخدمون حاليا ثمانية منافذ على ضفاف شط العرب ، وعند تلك المنافذ ترسو السفن الصغيرة . وتذكر الصحيفة أسماء بعض تلك المنافذ ومن بينها : جزيرة حجام ، والتحدي ، ومهيجران ، وزهير ، وغيرها .

وتقول الصحيفة أن المرافئ (المنافذ) المذكورة تعمل تحت نظر جميع السلطات البريطانية والأميركية والعراقية والكويتية والإيرانية التي تشرف على عمل السفن الرسمية القريبة من المكان ، بل قد ترسو أحيانا في مياه نفس المنافذ . ويقول الكولونيل لاري ميكاليستر قائد قوة الهندسة في جنوب العراق بأن العمال العراقيين الذين يعملون في مشروع إعمار الأرصفة هناك يتعرضون كثيرا للهجمات بسبب وجودهم وسط عمليات التهريب بين الوسطاء الذين لايغادرون مواقعهم . ويتم التفاوض بين العمال وبين المهربين الذين يبتعدون عن مكان العمل لفترة ريثما تنجز أعمال فريق البناء عملها المقرر لذلك اليوم .

ويقول العلاق أن 1600 زورق لصيد الأسماك هجر أصحابها مهنتهم وانصرفوا الى بيع وقود الديزل والبنزين وغيرها من مواد الوقود بدلا من السمك بحجة المردود المالي الكبير الذي يحققه بيع الوقود .

ويمضي العلاق في كلامه قائلاً لن حوالي 60 زورقا تضاف الى أسطول زوارق تهريب النفط شهريا في حوض البصرة وسواحلها مما يزيد من نزيف النفط العراقي عبر التهريب مضيفا أن هذه الزوارق تبيع الوقود الى سفن تقف منتظرة وسط البحر مع سفن أخرى مرخصة لغرض استجماع حمولتها وبيعها في أسواق أخرى.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر:جريدة الصباح نقلاً عن نيويورك تايمز-6-6-2006